Monday 21st of October 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة


 
  • آخر تحديث
    16-Apr-2019

فتش عن اللدْنيّ !*د. زيد حمزة

 الراي-في كتاب (الأيام) يروي طه حسين قصة طفولته في القرية فيتحدث عمن يسميهم علماء الدين والفقهاء والمشايخ الذين ((يغدون ويروحون في جلالة ومهابة، ويقولون فيستمع لهم الناس مع شيء من الإكبار مؤثّرٍ جذاب..)) وقد عدّد اصنافهم حتى وصل الى ذلك الصنف (الذي يرى ان العلم الصحيح هو العلم اللّدْنيّ الذي يهبط على قلبك من عند الله دون ان تحتاج الى كتاب بل دون ان تقرأ أو تكتب).. ولقد ذكرني طه حسين بالكثيرين من الذين يعتقدون حتى في عصرنا الحاضر انهم ختموا علومهم بمجرد ان حصلوا على الشهادة الجامعية فباتوا بعدها بغير حاجة الى ان يقرأوا وكأنهم بذلك من أصحاب العلم اللدْنيّ الذي يهبط على قلوبهم وعقولهم من عند الله !.

 
لا يملك الطبيب أو المهندس مثلا ان يكون (لدْنيًّا) وألا فقد صلته بعلوم مهنته وما يرافقها من تطوير وتحديث، ولا يملك صحفي ان ينقطع عن القراءة ومتابعة ما يدور حوله والاطلاع على التقارير والدراسات حتى يتمكن من ان يقدم لصحيفته مادة قابلة للنشر وجديرة باهتمام القراء.. كما لا يملك سياسي ان يزعم انه فعلا في مستوى الأحداث المتلاحقة وانه قادر على ممارسة مسؤولياته الجسام إذا لم يواكب ما يجري في الدول المختلفة، وما لم يطالع – إضافة للصحف – أهم ما تصدره دور النشر من كتب سياسية وتاريخية واقتصادية على صعيد العالم، ناهيك عن الاستفادة من مذكرات القادة البارزين في مجال الحكم أو الحرب..
 
المهنيون اللدْنيون، أطباءَ كانوا أو مهندسين أو صحفيين أو سواهم تتكفل سوق المنافسة بفرزهم ولفظهم سريعا، أما الساسة اللدْنيون فقادرون على المضي شوطا طويلا في خداع الناس لان أجهزة الأعلام كفيلة بتلميعهم وستر عيوبهم، والخطب المكتوبة لهم توهم بأنهم علماء أفذاذ، وبعد قليل يصدقون، هم أنفسهم، ذلك الوهم فيظنون انهم عباقرة زمانهم وفصحاء عصرهم فينطلقون ليتحدثوا في كل شأن وليفتوا في كل معضلة ويلقوا المواعظ والإرشادات والنصائح يمينا ويسارا، ويبلغ بهم الغرور حد الاعتقاد بأنهم - وقد حباهم الله بالفطنة والشطارة دون باقي خلقه - باتوا مبدعين أينما كانوا وفي أي موقع عملوا وأي منصب احتلوا، يفهمون في الصحة والقانون والإدارة الحديثة والطيران والأمن ويسهبون في الحديث عن أنواع الديمقراطية وتاريخ الأحزاب السياسية ولا مانع من خلط ذلك كله بجدوى زراعة الشمندر أو القطن في الاغوار.. !
 
وبعد.. تلك سطور كتبتها في ($) قبل اثنين وعشرين عاماً وقد رأيت أن اضعها أمام القراء اليوم لمقصدين اثنين اولهما حثهم على ان يكتشفوا بأنفسهم الساسة اللدْنيين الذين يسرحون ويمرحون بين ظهرانينا وربما يكونون وراء كثير من خيباتنا ! وثانيهما الاشارة الى تخلف معاجمنا المتداولة منذ زمان طويل واقدمها عندي ((لسان العرب))، ليس بالطبع لخلوها من كلمة بسيطة كـ ((اللدْنيّ)) اذ لم اعثر عليها الا عبر غوغل، بل لتخلفها عن الاساليب العصريه في قواميس اللغات الاخرى، فمتى تتحرك مجامع اللغة العربية بالقيام بواحد على الاقل من واجباتها العديدة التي ما زالت مقصرة فيها !؟
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات