Sunday 16th of June 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Jun-2019

الغاز مقابل السلام

 الغد-ميخائيل تانشوم* – (فورين بوليسي) 28/5/2019

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
قد يكون التوازن الاستراتيجي الذي أبقى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط هادئة نسبياً خلال السنوات الأخيرة على وشك الاختلال. في 3 أيار (مايو)، أعلنت تركيا أنها ستبدأ عمليات تنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة الساحل الجنوبي لقبرص، في المنطقة الاقتصادية الحصرية التي تطالب بها الحكومة المعترف بها دولياً في جنوب قبرص الذي تهيمن عليه الأغلبية اليونانية. وتجادل أنقرة بأنها تدافع عن حقوق القبارصة الأتراك في النصف الشمالي من الجزيرة المقسمة عرقياً، والذين هم شركاء قانونياً في مُلكية الغاز الطبيعي للجزيرة -وإنما المستبعدون من المشاركة في استغلاله. وفي 12 أيار (مايو)، تقدمت تركيا خطوة أخرى وأعلنت عن عزمها إرسال سفينة حفر ثانية إلى المياه القبرصية.
تأتي سياسة حافة الهاوية التي تنتهجها تركيا رداً على محاولات من مصر، واليونان وقبرص وإسرائيل لتأسيس معمار للطاقة، والذي يستثني تركيا من تسويق الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط. وعلى سبيل المثال، انخرطت مصر وقبرص في العامين 2017 و2018 في محادثات حول إبرام صفقة تقضي ببيع الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا باستخدام المرافق المصرية للغاز الطبيعي المسال -وهو ما سيضمن أن يتجاوز الغاز البحري الذي تنتجه المنطقة خطوط الأنابيب التركية في طريقه إلى أسواق الاتحاد الأوروبي. وفي شباط (فبراير) 2018، أعلنت شركة الطاقة الإيطالية العملاقة “إيني”، التي كانت قد اكتشفت في العام 2015 حقل “ظهر” المصري الهائل للغاز، والمجاور للمياه الإقليمية القبرصية، عن اكتشاف مهم للغاز في حقل “كاليبسو” القبرصي المجاور.
مع شعورها بالحصار، سرعان ما أغلقت البحرية التركية الطريق أمام سفينة الحفر التي تمتلكها شركة “إيني” قبل أن تتمكن من الوصول إلى موقع الحفر الذي تقصده في المياه الإقليمية القبرصية، وأجبرت الشركة على سحب سفينتها. لكن هذا العمل دفع نيقوسيا أقرب إلى القاهرة من السابق؛ حيث وافقت قبرص على توريد الغاز القبرصي إلى المرافق المصرية للغاز الطبيعي المسال من أجل التصدير. وبعد أن وقعت قبرص هذا الاتفاق، حذت حذوها إسرائيل، التي كانت تدرس في السابق بناء خط أنابيب إسرائيلي-تركي للغاز تحت البحر، وتعاقدت على بيع غازها لمصر أيضاً.
يثير التصعيد الأخير في هذا السباق الكثير من القلق. ويمكن أن يؤدي أي استفزاز من أي طرف إلى نشوب صراع مسلح في المنطقة العالقة مسبقاً في شبكة معقدة من النزاعات والخصومات الإقليمية.
لكن بالوسع تجنب الكارثة في حال أعطيت لكل الأطراف طريقة للازدهار بالاستفادة من هبة الغاز الطبيعي في المنطقة. وبشكل خاص، تستطيع الأطراف أن تلتقي معاً في حال معاملة الغاز الطبيعي والكهرباء المولدة منه كسلع إقليمية يتم تداولها من خلال مركز افتراضي يدار بشكل مشترك خارج المنطقة المحايدة في قبرص.
على النقيض من إنشاء مركز فيزيائي محسوس يقع حيث تلتقي الكثير من خطوط الأنابيب وحيث يكون مطلوباً من مختلف الأطراف إجراء تحويلات مباشرة، والتي يجب فيها إخراج كمية الغاز نفسها التي تكون موضوعاً مسبقاً في النظام عند إحدى المراحل في ذلك المكان المادي المحدد مسبقاً، فإن وجود مركز افتراضي يسمح للمشترين والبائعين بأن يحجزوا كميات مختلفة للدخول والخروج من النظام من دون وجهة محددة سلفاً -يمثل المركز الافتراضي جميع نقاط الدخول والخروج في منطقة السوق. هذا النوع من المركز (على غرار “نقطة التوازن الوطنية” الناجحة إلى حد كبير في المملكة المتحدة)، الذي يمتاز بالمرونة ويجعل التداول أسهل، هو بالضبط ما تمس الحاجة إليه لتطوير مركز إقليمي حيث تكون الدول مترددة من ربط بناها التحتية وأسواقها التصديرية بشكل مادي.
سوف تترتب العديد من الفوائد على معاملة الغاز الطبيعي كسلعة إقليمية مشتركة. فعن طريق تجميع الإمدادات في المنطقة، سوف تحصل كل دولة على سعر أفضل لغازها. كما أن مركز الاتجار الافتراضي سوف يفرض الشفافية أيضاً على أسواق الغاز في المنطقة باعتباره كياناً مستقلاً ومحايداً وفق القانون السويسري، أو القانون البريطاني أو المحكمة التجارية الدولية في ستوكهولم، والممارسة في عقود تجارة الطاقة. وسوف يساعد الانتفاح على التقليل من الفساد وعلى تسهيل التوصل إلى اتفاق لتقاسم عوائد الغاز الطبيعي، وهو عنصر ضروري وأساسي لكل خطة ترمي إلى إعادة توحيد شطري قبرص.
يمكن أن يضيف إنشاء التبادل التجاري الافتراضي في المنطقة القبرصية المحايدة زخماً لعملية إعادة التوحيد بطرق أخرى أيضاً. فالمكاتب وخدمات الحاسوب التي توضع هناك يمكن أن يديرها القبارصة الشماليون والجنوبيون معاً كآلية لبناء الثقة. وبمجرد أن يبدأ التبادل التجاري نشاطه، سوف يصبح الطرفان صاحبي حصة في التطوير السلمي لاستشكاف الغاز الطبيعي القبرصي وإنتاجه.
سوف تمتد الفوائد إلى ما وراء قبرص أيضاً. ويمكن إجراء تداول العقود، جزئياً على الأقل، من خلال مؤسسة “إسطنبول لتبادل الطاقة” التركية، التي تديرها “إيبياس”. وباعتبارها مؤسسة رائدة وفريدة من نوعها في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، تقف “إيبياس” في الطليعة من حيث تحرير سوق الطاقة التركي، وقد أسست سجلاً ممتازاً من خلال تشغيل سوق لتجارة الكهرباء، حيث ضمنت ظروف سوق شفافة وموثوقة ووصولاً متساوياً لكل المشاركين في السوق.
من خلال ربط المنصة بمبادرة “إسطنبول لتبادل الطاقة”، وكذلك بالتبادلات في الإسكندرية وأثينا والقاهرة وتل أبيب والأماكن الأخرى في المنطقة، سوف يزيد المركز الافتراضي من سيولة سوق الغاز الطبيعي في شرق المتوسط ويخلق حوافز للتعاون عبر الحدود. ولا يهدف التبادل الافتراضي إلى الحلول محل مشروع قائم أو مخطط له، وإنما يهدف إلى زيادة فعالية هذه مثل هذه المشاريع من خلال العمل كأفضل منصة في المنطقة لاكتشاف الأسعار.
وبالإضافة إلى ذلك، سوف تحقق معاملة الغاز الطبيعي في المنطقة كسلعة مشتركة أكثر الاستخدامات فعالية للمرافق القائمة عبر منطقة شرق البحر المتوسط. وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن مصر تمتلك منشأتين رئيستين لإسالة الغاز، فإنها تفتقر إلى المرافق المناسبة للتخزين. ولدى تركيا وفرة منها. وسوف يكون ضم هذه البنى التحتية أكثر منطقية بكثير من بناء منشآت مكررة في بلدان عدة.
وهناك فوائد جيوسياسية أبعد من التبادل الافتراضي: يمكن أن يساعد مركز التبادل الافتراضي على تطوير إنتاج الغاز الطبيعي في غزة عن طريق تزويد غزة بمنفذ للصادرات، والذي لا يعتمد على تلبية المصالح المصرية والإسرائيلية. وبفضل الشفافية التي سيفرضها وجود مركز تبادل افتراضي، فإن الحكومة في غزة ستكون أكثر ترجيحاً لأن توجه العوائد التي تُجنى من صادرات الغاز إلى تحسين حيوات سكان القطاع.
بالمثل، يمكن أن يساعد التسويق الإقليمي ومركز التبادل الافتراضي إسرائيل ولبنان على التغلب على نزاعهما حول الحدود البحرية، عن طريق توفير آلية للتقاسم المشترك للعوائد في الحقول الواقعة في المنطقة المتنازع عليها. وفي نهاية المطاف، يمكن أن يجتذب المركز الافتراضي استثمار القطاع الخاص اللازم لاستكشاف وتطوير الغاز الطبيعي السوري الطبيعي غير المستغل بعد في المياه الإقليمية. ثم يمكن أن تساعد عوائد هذه المبيعات على تمويل إعادة إعمار البلد بعد الحرب الأهلية.
عن طريق تشجيع وتعزيز تجارة الكهرباء بين الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، سوف يؤسس التبادل الافتراضي أيضاً جسراً مهماً للتسويق اللاحق واسع النطاق للكهرباء التي يتم توليدها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الطاقة الشمسية في أوروبا.
وأخيراً، سوف يخلق التبادل الافتراضي فرص أعمال في حقول الغاز الطبيعي المسال، وخدمات تكنولوجية مالية للشركات المحلية وللمؤسسات الأجنبية من روسيا والاتحاد الأوروبي، والمنخرطة مسبقاً وبكثافة في قطاع الطاقة في شرق البحر المتوسط.
كما أن النهج الأكثر نجاعة من الناحية التجارية لتطوير وتسويق الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط هو النهج الذي يمكن أن يعزز التعاون الإقليمي أكثر ما يكون: يستطيع التبادل الافتراضي أن يصنع سلاماً حقيقياً في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.
 
*زميل في معهد ترومان البحثي لتعزيز السلام في الجامعة العبرية، وباحث مشارك غير مقيم في مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة باسكنت في أنقرة بتركيا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Gas for Peace
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات