Wednesday 21st of February 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Feb-2018

الثقافة محراك الشعوب - د. فيصل غرايبة

 الراي- يتمتع السلوك البشري بامكانيات ضخمة من المرونة، وبخاصة عندما يتم التواصل بسرعة بين المجتمعات والأفراد بواسطة الكلمة المقروءة أو المسموعة، وتتأثر هذه السرعة بطبيعة اللغة نفسها كأهم رمز ثقافي يملكه البشر، كما يستمد الانسان من عالم الرموز الثقافية حرية العمل والاختيار والاختلاف عن الآخر، ومن هنا فإننا ندرك أن حدوث ثورة الاتصالات لا يرجع الى تكنولوجيا الاتصال فحسب، وانما الى طبيعة عالم الرموز الثقافية أيضا، ومن هذا المنطلق نفهم أنه ليس من العجب أن تفشل تنبؤات دراسات السلوك في كثير من الحالات في التوقعات الحقيقية لسلوك الناس.

وإذا ما تذكرنا- مثلاً- قول الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي: اذا الشعب يوما أراد الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر، نجده يؤشر الى دلالة قوة المدلول الميتافيزيقي لقيم الحرية والعدالة والمساواة كرموز قادرة على شحن الأفراد والجماعات بطاقات هائلة.. وها نحن نرى ان وطننا العربي نتيجة لعالم الرموز الثقافية، وعن طريق انتشار الرموز الثقافية واللغة العربية على رأسها قد حققت الانصهار الثقافي على يد الانتشار الاسلامي المتآخي مع الوجود المسيحي ولغة الضاد- لغة القرآن ولغة الجميع-، فأعطى لهذه الرقعة الجغرافية تواصلها الروحي والثقافي شيئا من الخلود والأبدية. ألا ان الثقافة الغربية تفوقت في العصر الحديث على غيرها من الثقافات لا بل وطغت عليها في كثير من المفاصل، وهو ما تمثل بالاختراعات والابداعات التي أخذت الثقافات الأخرى تحذو حذوها وهاهي الصين تبرز على الساحة العالمية من جديد عن طريق الصناعة والتجارة وتغزو بإنتاجها العالم بشكل متسارع، ولكنها عجزت حتى الآن عن نشر ثقافتها الرمزية على النحو الذي ذكرنا.
ان القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى إستعداد ذهني مناسب لتكنولوجيا العصر وإبداعاته، ويتطلب اتساعاً في الرؤية، لكي تواكب الشعوب والمجتمعات النامية, ومنها مجتمعنا العربي, مواقف وأفكار ورؤى الشعوب والمجتمعات المتقدمة، وخاصة أن هذا الزمن يتميز بالانفتاح بين الشعوب والتفاعل بين المجتمعات،اذ لا تستطيع الأمم أن تسد النوافذ أمام القادم من أفكار واتجاهات وابتكارات واختراعات وصناعات.. وليس بامكان الشعوب أن تقي عاداتها وتقاليدها وأعرافها من تأثير التيارات الخارجية التي تحاول تغييرها. فوسائل الاتصال تطورت بسرعة وبامكانها الوصول إلى بصر العالم وسمعه في كل بقعة وقد قدمت نفسها بصورة جاذبة ومؤثرة ومثيرة، مما يجعل الفرد والمجتمع في توق إلى التغيير والتجديد، فكراً وعملاً، خاصة إذا ما أحس الإنسان(الفرد والمجتمع) أن من واجبه ومصلحته اكتساب ما استجد واستحدث من وسائل الحياة وأساليب العيش.
لقد أصبح الانفتاح العالمي يؤثر على مجمل الحياة الانسانية ويؤثر فيه الاقتصاد الأقوى بصورة أكبر، وتبتلع فيه الثقافات الحديثة وسريعة التأثير الثقافات الهادئة التقليدية الراكدة، وهذا هو التحدي الأكبر لمختلف شعوب العالم وأممه، ويتطلب منها أن تنمي قدرتها لتختار ما يتلاءم مع ظروفها، وتحسن المزج بين الأصالة والتجديد وبين التقليدية والحداثة، لتغدو أكثر قوة بالإنتاج المادي والثقافي وأكثر إشعاعاً بالمعرفة والابتكار وأكثر تماسكاً بالعلاقات والتفاعلات.
وما دامت أمتنا لم تصل بعد إلى دور الشريك الفاعل المتفاعل في الحضارة العالمية الراهنة، وما دام وطننا ما يزال يقوم بدور المستقبِل المتلقي، فان حال العرب كما حال الكثير من شعوب الدول النامية ينكمش إلى حالة تقمص لحضارة المجتمع الغربي الذي صار له قصب السبق ليحتل الصدارة، حتى تتمكن تلك الأمم ذات الحضارات المختلفة من اللحاق بقطار العالم المتحضر أو التناغم مع إيقاع العصر. ان الأمة التي تضيف إضافة جديدة خلاقة للحضارة العالمية هو الذي يزيد من احترام الآخرين لها وإدخالها بحساباتهم السياسية والاقتصادية والثقافية، ويجعلها أكثر حضوراً هو هيبتها المستمدة من ثقافتها وجهدها نحو الازدهار.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات