Wednesday 21st of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Dec-2015

في نقد مقولات العولمة الرأسمالية ( 3 حلقات)/هشام البستاني

مسار  تحرري-
(1\3)/
كيف تسعى المراكز الرأسمالية إلى إزالة جميع الضوابط التي تمنع رؤوس أموالها من الحركة؟

مدخل: في تعريف المصطلح الذي استهلك وأُهين

العولمة مفهوم صار يتحدث فيه الجميع، يسبغون عليه تعريفاتهم ورؤاهم الخاصة دون الاستناد إلى خلفيّات معرفيّة معمّقة، وحوّلوه إلى ما يشبه الظاهرة التي جاء في سياقها: مسلّعاً وسطحياً ومُستهلكاً و”ذاتياً”: فصار تارة يستعمل في سياق الإشارة إلى التكنولوجيا وانتشارها الكاسح (خاصة تكنولوجيا الاتصالات والإعلام الحديثة مثل الإنترنت والفضائيات)، وتارة إلى عالمية الفكر أو الفكرة، وتارة إلى تحوّل الكوكب إلى “قرية صغيرة” يسهل على قاطنيها التواصل والتعارف والحوار؛ بينما قسمها آخرون إلى عولمات متعددة ومتمايزة: عولمة اقتصادية، وعولمة ثقافية، وعولمة عسكرية، وهكذا.. يتعاملون مع كل دائرة من هذه الدوائر وكأنها منفصلة مستقلة عن الدوائر العولمية الأخرى، وعن الأساس الذي أفرزها، أي الرأسمالية؛ ومن الرأسمالية بالتحديد نستطيع أن نبدأ بالتعريف.

العولمة هي ميكانزمات أو آليات عمل الرأسمالية في سياق تاريخي معيّن هو عالم انهيار المنظومات المقاومة (دول “اشتراكية”، نقابات عمالية، حركات تحرّر…الخ)، والمشاريع البديلة؛ أو لنقل أنها آليات الرأسمالية في شكلها الكاسح غير المنضبط (دون أن ننسى أن شرط انضباط الرأسمالية هو شرط خارجي: المقاومة والصراع ضدّها)؛ شكلها القويّ المهيمن؛ وبحيث تسعى المراكز الرأسمالية الكبرى إلى إزالة جميع الضوابط والقوانين والمعوّقات التي تمنع رؤوس أموالها من الحركة من مكان إلى آخر لتعظيم أرباحها من خلال المضاربة في الأسواق المالية المختلفة، والاستغلال المزدوج لعمّال الأطراف (من خلال “الاستثمار” في بلدان توفر الأيدي العاملة الرخيصة غير المحميّة) وعمّال المراكز (عبر ابتزازهم بنقل مراكز الإنتاج إلى الأطراف) على حدّ سواء؛، وتوفير تكاليف مصاريف كثيرة مثل مصاريف المحافظة على البيئة في البلدان التي لا توجد بها حماية قانونية للبيئة والإنسان ومصاريف البنى التحتية من ماء وكهرباء وأرض، وهذه توفرها الدول الفقيرة بأسعار مخفضة (تشجيعيّة) لـ”اجتذاب الاستثمارات”.

تُفرض سياسات العولمة (فتح الأسواق) على دول الجنوب من خلال مؤسسات تدّعي أنها دولية، وهي في الحقيقة تمثل مصالح الدول الكبرى، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها. هذا الفرض يأتي على شكل شروط سياسية/اقتصادية من قبل هذه المنظمات من أجل إقراض الدول الفقيرة التي تسعى لإحداث “تنمية” في مجتمعاتها. ثمة تسلسل تاريخي نستعرضه بعجالة لنفهم الظاهرة ونتائجها أكثر: استعمَرت الدول الكبرى دول الجنوب واستعبدت شعوبها ونهبت ثرواتها وهيمنت على مواردها (وما تزال)، واستعملت كل ذلك لإحداث قفزات كبيرة في مجتمعاتها وتنمية قدراتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما زاد من امكانياتها في الهيمنة أيضاً. نتيجة لذلك أصبحت دول الجنوب المنهوبة دولاً فقيرة –مُفقرة إن أردنا الدقة-، وفاقمت “التركة الاستعمارية” من فقرها: الجغرافيا المفتّتة والمفككة للـ”دول” التي خلّفها الاستعمار وصمّمها لتكون مفرغة من أية امكانية لتحقيق الاستقلال والسيادة والتنمية؛ والأنظمة السياسية القمعية التي ارتبط معظمها بالاستعمار السابق ارتباطاً عضوياً، وهي في جلّها أنظمة فاسدة استكملت حلقة النهب والارتهان.

كلّما أرادت الدول المُفقرة القيام بـ”برامج تنمية” احتاجت قروضاً كبيرة، عندها تقوم الدول الكبرى التي نهبتها بإقراضها إيّاها من حصيلة النهب (أي تُقرضتها الأموال التي نهبتها منها في الأساس)، وكنتيجة لاستشراء الفساد والقمع في بنية الأنظمة الحاكمة لدول الجنوب، فإن أغلب هذه القروض يستقر في جيوبها وجيوب الشرائح المرتبطة بها، دون إحداث “التنمية” المطلوبة، مما يستدعي المزيد من القروض، وهكذا، إلى أن غرقت دول الجنوب في الدين، وأصبحت عاجزة لا عن سداد الديون فقط، بل حتى عن سداد فوائدها. هنا دخلت الدول الكبرى مرّة أخرى -من الباب المُشرع هذه المرّة- بحجة مساعدة الدول المُفقرة على سداد ديونها المتراكمة، لتفرض عليها تبنّي برامج “إعادة الهيكلة الاقتصادية”، وتعني “إعادة الهيكلة” أموراً أساسية ثلاثة: انسحاب الدولة من مسؤولياتها التقليدية في المجال الاجتماعي مثل الصحة والتعليم وغيرها، وتحويل كل ذلك إلى القطاع الخاص (المدفوع بتحقيق الأرباح)؛ خصخصة القطاعات الصناعية والخدمية التي تملكها الدولة والتي أنشأتها بأموال المواطنين حتى يتوفر مقدار من الأموال لسداد فوائد الديون المتراكمة الناتجة عن الفساد وفشل خطط التنمية؛ وتعديل القوانين الاقتصادية بحيث تُلغى أية قيود أو ضوابط على حركة رأس المال، وتقدّم له ميّزات إضافيّة (مثل الإعفاءات الضريبية والأسعار التشجيعية للبنية التحتية مثل إيجارات الأراضي والماء والكهرباء، وهي كلها أمور تُدفع بالأصل من جيب المواطن بشكل ضرائب، وتذهب لتوفير بنى تحتية لمشاريع معفاة من الرسوم والضرائب).

عند إلغاء القيود والضوابط القانونية للاستثمار وحركة رأس المال، وعندما تخلع الدولة كل ما قد يمكنّها من تنظيم اقتصادها، ستعجز الشركات المحلية أو رأس المال المحلي عن منافسة الشركات الكبرى التي تملك ميزانيات ضخمة وإمكانات وخبرات هائلة مدعومة بدول كبرى ذات جيوش جرارة وإرادات سياسية لا تنضبط إلا بما يحقق مصالحها. فتسيطر الشركات الكبرى هذه المرة، دون استعمار مباشر في أغلب الحالات، على المشهد الاقتصادي كاملاً في البلدان الفقيرة؛ فتهيمن على الصناعات الاستخراجية والتحويلية وغيرها من الصناعات، إضافة إلى القطاعات الخدمية عالية الربح مثل الاتصالات، وتحقق وفورات هائلة من خلال اعتمادها على الأيدي العاملة الرخيصة غير المحميّة، ومن ثم تقوم ببيع منتجاتها بإعادة التصدير في نفس الدول وبأسعار كبيرة جداً بعد أن تُخرج منافسيها المحليين من السوق بالإغراق أو تخفيض الأسعار لمدة محدودة أو بشراء المنافسين وغيرها من الآليات.

العولمة، إذن، هي ظاهرة اقتصادية في الأساس، آلية متعلقة بالرأسمالية، لم تأت هكذا –لوحدها- كظاهرة منفصلة مستقلة، بل هي نتيجة للتطور “الطبيعي” للرأسمالية، أي استجابة الرأسمالية للتغيرات التي طرأت على الواقع الموضوعي: ازدياد قوّتها الكبير مقابل الضعف الشديد لمعسكر القوى التي تُصارع ضدّها. لكن تعزيز الظاهرة الاقتصادية يتطلب استدعاء أدوات أخرى مساندة مثل أشكال الدعاية والبروباغاندا الداعمة للأنماط السلوكية الاستهلاكية؛ وابتداع قراءات “فلسفيّة” تؤسس للهيمنة وتبرّرها وتحاول تثبيط المقاومة ضدّها، وتضلّل المتضرّرين منها؛ ونشر مجموعة كبيرة من المصطلحات والمفاهيم النظرية الدعائية الموجهة تحديداً الى بلدان الجنوب، وذلك لخدمة هدفين رئيسيين: الأول دفع الجنوب لتبني نظم اقتصادية/سياسية تسهّل اختراق المراكز لها والحاقها بنيوياً بشكل كامل؛ والثاني: تغيير المفاهيم المعرفية والاستراتيجية عند جمهور المتأثرين سلباً بالاختراق والإلحاق (وهم معظم البشر)، وبحيث تتبنى الظواهر المقاومة الصادرة عنهم خطاباً منعكساً عن الخطاب الدعائي، وهو ما يُسهّل إجهاض هذه الظواهر، أو توظيفها، أو إبقاءها تراوح مكانها دون أن تتقدم.
مقولات العولمة: 1- السوق الحرّ

الخرافة النظريّة الكبرى التي ساقتها الرأسمالية على العالم هي ما تسميه “اقتصاد السوق الحر” (Free Market Economy)، وهي مجرّد مفهوم مخصص فقط للدعاية التي تدفع باتجاه فتح العالم بشكل كامل أمام بلدان المراكز وشركاتها، على النقيض الكامل مما تمارسه دول المراكز نفسها؛ هذا إضافة إلى أن السوق لا يمكن أن يكون حراً من الأصل. هذه الخرافة تستدعي خرافة أخرى تقول بأن دور الدولة في المراكز والأطراف قد انتهى، وأن الكلمة اليوم هي لـ”حكومات خفية من أصحاب الشركات المتعدية للحدود”، رغم أن الدولة –كبنية سياسية- تحضر بقوة في عالمنا المعاصر، وهي الأداة الأولى (في الدول الرأسمالية) للتدخل في الأسواق الداخلية (لحمايتها) والخارجية (للهيمنة عليها)، وهي الأداة الأولى (في دول الأطراف) لإنفاذ البرامج الاقتصادية الإلحاقية وقمع أي معارضة ضدها.

الأب الروحي لنظرية السوق الحر هو عالم الاقتصاد النمساوي فريدريش فون هايك. في مواجهة اقتصاد كينزي تتدخل فيه الحكومات للحفاظ على استقرار الاسواق، رفض فون هايك اي تدخل حكومي على الاطلاق في السوق، معتبراً أن السوق قادر بميكانزماته الذاتية على تصحيح نفسه بنفسه، وتحقيق التوازن والسعادة والرفاه والحرية لجميع الأفراد، وأن السوق الحر من أية قيود هو الضمانة الأمثل لرأسمالية تحقق الازدهار للبشر.

كان التطبيق الاول لمدرسة “السوق الحر” على مستوى العالم في الجنوب لا في الشمال، وتحديداً في تشيلي السبعينيات تحت قيادة الديكتاتور الدموي أوغستو بينوشيه الذي أطاح –بدعم مباشر من المخابرات الأمريكية- بالرئيس الاشتراكي المنتخب ديمقراطياً سالفادور اليندي.

منذ أن بدأ نشاط  منظمات مرتبطة بالحرب الباردة لمواجهة “الخطر الشيوعي” تحت ذريعة مواجهة “التوتاليتارية” (مثلاً مؤسسة فريدوم هاوس – Freedom House)، والبروشورات والأدبيات الصادرة عنها تدعو للديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، وحرية السوق؛ وبحيث جُعلت حرية السوق شرطاً لا بد منه لتحقق الحريات الأخرى، لا استقامة لها دونها؛ لكني لا أجد ما يدعو للاستغراب بأن تكون تجربة “السوق الحر” الأولى هي ضمن نظام يحكم بالحديد والنار، بل إن هذه التجربة الأولية تؤكد أن حرية السوق لا علاقة لها بالحرية أساساً، ناهيك عن تعلقها بحرية الرأي والتعبير وحقوق الانسان.

كان العقل المخطط لتجربة تشيلي هو أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاجو ميلتون فريدمان، أحد أهم دعاة السوق الحر، إضافة الى تلامذته اللاتينيين الذين آُطلق عليهم اسم “أولاد شيكاجو” (Chicago Boys) نسبة إلى كلية الاقتصاد في جامعة شيكاجو التي تتلمذوا فيها على يد فريدمان. لقد منيت “مُعجزة” فريدمان في تشيلي بفشل ذريع رغم الدعاية الهائلة التي قالت غير ذلك. يورد جريج بالاست العضو الامريكي الوحيد في مجموعة “أولاد شيكاجو” المؤشرات التالية على هذا الفشل ضمن كتابه (The Best Democracy Money Can Buy):

عام 1973 عندما استحوذ بينوشيه على السلطة كان معدل البطالة هو 4.3%. أما في العام 1983، وبعد عقد من تطبيقات السوق الحر، وصلت البطالة الى 22%. انخفضت الأجور الحقيقية بنسبة 40% خلال حكم الجنرالات. قبل استلام بينوشيه الحكم، كان 20% من التشيليين يعيشون تحت خط الفقر، هؤلاء تضاعفوا الى 40% عندما غادر بينوشيه الحكم. وليوقف العربة المتدهورة -يقول بالاست- لجأ بينوشيه إلى النماذج الاقتصادية الكينزية والاشتراكية (تأميم البنوك والصناعات وعلى رأسها صناعة استخراج النحاس – العصب الاساسي لاقتصاد تشيلي).

تجارب السوق الحر في دول المراكز كانت لاحقة على التجربة الفاشلة في تشيلي، فبصعود مارغريت ثاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة اوائل ثمانينيات القرن الماضي، دخلت العديد من أطروحات فون هايك وفريدمان حيز التنفيذ في المراكز. فثاتشر كانت السباقة إلى خصخصة (Privatization) المؤسسات والشركات المملوكة للقطاع العام في بريطانيا، وريغان كان الرائد في إزالة القيود القانونية التي تحدّد (تنظّم) النشاط الرأسمالي (Deregulation). لكن هل سار “تحرير الاسواق” في المراكز الرأسمالية الى نهاية الطريق كما كان الأمر في تشيلي؟ وهل دفع ذلك الدولة إلى الانسحاب الكامل من السوق وتركه ساحة “مفتوحة” أو “حرة”؟

اثر انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية بداية التسعينيات، و”بقاء” أو “انتصار” النسخة الكينزية أو نسخة دولة الرفاه ذات التأثر الكبير بالاشتراكية من الرأسمالية، أصبح العالم ساحة مفتوحة بدون عوائق أمام رأس المال، وصار لا بد من تحول نظري في المراكز الرأسمالية: داخلي باتجاه إعطاء رأس المال مزيداً من المرونة والحماية، وخارجي بتمهيد الطريق له للاستحواذ والربح دون ضوابط. في سياق ذلك، تم دفع دول الجنوب دفعاً لتبني مفهوم “السوق الحر” الحقيقي من خلال اشتراطات سياسية واقتصادية للاقتراض من مؤسسات تسمى تمويهاً “دولية” مثل البنك وصندوق النقد الدوليين (ما يسمى خطط “التصحيح” أو “اعادة الهيكلة”)، او من خلال الابتزاز والرشاوي والعمولات وتوزيع الوكالات على ممثلي السلطة وتَشَكُّل ما يسميه جيمس بتراس “الطبقة الرأسمالية المتعدية للحدود الوطنية” (Transnational Capitalist Class) – طبقة كمبرادورية مرتبطة عضوياً برأس المال في المراكز، أو من خلال التدخل السياسي والغزو العسكري المباشر.

أسواق الجنوب “الحرة” (كما يريدها الشمال الرأسمالي) يجب أن تكون أسواق مفتوحة بالكامل بلا ضوابط قانونية لحمايتها، وبدون أي تدخل من قبل الدولة لضبطها او التحكم بها، بلا حواجز جمركية، بلا معاملة تفضيلية للسلع الوطنية، بلا قيود على الاستثمار القادم من المراكز، بلا قيود على حرية حركة رأس المال الداخل والخارج، وبدون أي دعم حكومي لأي قطاع أو سلعة أو خدمة، وبشرط ألا تكون الدولة نفسها لاعباً رأسمالياً – أي لا تملك أية قطاعات أو شركات أو مؤسسات. أي ببساطة اقتصاد سوق حر حقيقي. فهل يطبّق الشمال المعادلة التي يروّجها في دول الجنوب؟

سأورد تالياً نماذج من الدول الرأسمالية الكبرى، نفس الدول التي تروج للاقتصاد الحر بحرارة كبيرة، تثبت أن اقتصاداتها ليست حرّة على الاطلاق، وأن حرية السوق التي يراد لها أن تكون في الجنوب هي مجرد أداة للاستحواذ عليه، وسيجد القارئ أن أمثلة التدخل الحكومي في الأسواق الرأسمالية الكبرى ليست طارئة أو استثنائية، بل هي السمة العامة والاساسية:

خلال الأسبوعين التاليين لانهيار الأسواق المالية عام 2007-08، أقرت الحكومة الامريكية خطة بقيمة 700 مليار دولار لإنقاذ الأسواق المالية المنهارة في الولايات المتحدة، فيما ضخ البنك المركزي الياباني 800 مليار ين في أسواقه المالية، بينما أممت الحكومة البريطانية بنك بنغلي آند برادفورد ضمن إجراءات أخرى لاحتواء إنهيار الأسواق المالية، وأممت الحكومة الآيسلندية ثالث أكبر بنك في البلاد وضخت فيه 600 مليون يورو ضمن إجراءات حمائية أخرى لمنع انهيار الأسواق.

عام 2006، ضغطت الحكومة الامريكية لمنع صفقة بيع إدارة ستة من موانئها لشركة إماراتية (وهي شركة موانئ دبي العالمية)، وهو ما أدى إلى انسحاب الشركة الإماراتية من الصفقة في النهاية. وفي نفس العام تدخلت الحكومة الفرنسية “بكل ثقلها” لتمنع شركة “إنيل” الإيطالية من الاستحواذ على شركة “سويز” الفرنسية التي تعمل في مجال الكهرباء والماء، وأصدرت تعليمات باندماج “سويز” في شركة “جاز دو فرانس” الحكومية الفرنسية، وصرح رئيس الوزراء الفرنسي آن ذاك دومنيك دو فيلبان أن هذه الخطوة مهمة للغاية بسبب “الأهمية الاستراتيجية للطاقة بالنسبة لفرنسا”، فيما وصفت إيطاليا هذه الخطوة بأنها ترقى إلى “عمل من أعمال الحرب”، ووصف فالفيو كونتي الرئيس التنفيذي لشركة “إنيل” الإيطالية الخطوة الفرنسية بأنها ترقى لحد تأميم شركة “سويز”.

في إسبانيا، وفي نفس العام 2006، عرقلت الحكومة هناك عرضاً قدمته شركة “إي أو إن” الألمانية لشراء شركة “إنديسا” الإسبانية للكهرباء، ثم أعلنت أنها ستوسع السلطات التي تمنع الشركات الأجنبية من تملّك أصول إسبانية للطاقة. وقد حكمت محكمة العدل الأوروبية بعدها بأن الحكومة الإسبانية قد تجاوزت القانون الأوروبي في هذه القضية مما يثبت لجوء إسبانيا إلى حماية قطاعاتها وأسواقها حتى ولو بطرق “غير قانونية”.

وبينما تدعم بلدان الشمال قطاع الزراعة فيها بمليارات الدولارات سنوياً، تقوم بالضغط بكل قوتها في منظمة التجارة العالمية من أجل رفع حماية دول الجنوب عن الزراعة فيها! ويورد جريج بالاست أن الولايات المتحدة هي أكبر بلد فيه ملكية حكومية في العالم، فمثلاً: تمتلك الحكومة الفدرالية الأمريكية ما يزيد عن الـ 2.85 تريليون دولار من رأسمال الشركات الأمريكية، فإذا أضفنا المؤسسات التي تمتلكها الدولة أو الحكومات المحلية مثل شبكات المياه، يصبح الإجمالي الحكومي المُستثمر في الولايات المتحدة كممتلكات عامة يتجاوز بحجمه سوق الأسهم. وهذا الكلام قبل الازمة المالية العالمية وانهيار الأسواق الذي استحوذت فيه الحكومة الأمريكية على المزيد من القطاعات.

وثمة أدوات أساسية التالية تتبناها دول الشمال الرأسمالية كأدوات مركزية من أجل التدخل في الأسواق لصالحها، وتثبت أن المؤثر الأول في الأسواق والاقتصادات هي الدول الرأسمالية لا السوق، وهي:

1- تحديد أسعار الفوائد من قبل البنوك المركزية – وهو تدخل حكومي بارز يؤثر بشدة على الاقتصاد، فمثلاً: خفض سعر الفائدة يؤدي إلى خفض قيمة العملة وبالتالي تشجيع التصدير وتشجيع شراء المنتجات المحلية داخلياً، كما يؤدي إلى زيادة الضخ النقدي في الأسواق عبر الاقتراض مما يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية؛ أما رفع سعر الفائدة فيؤدي إلى ضبط زيادة الإنفاق في الأسواق وتحفيز التوفير وضبط زيادة العرض من المنتجات وضبط التضخم؛ إضافة إلى أن تغيير سعر الفائدة على الدولار الامريكي تحديداً (وبالتالي التغير المرافق لقيمته) يؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض أسعار كل السلع على المستوى العالمي لأنها ببساطة تُقَيّم بالدولار.

2- عمليات سوق العملات (Money Market Operations)، أي تدخل البنوك المركزية في سوق العملات بواسطة شراء أو بيع العملات المحلية، لكي يتم تعديل سعرها مما يؤثر على حركة التجارة العالمية. إضافة الى ذلك، لا يوجد أي سوق عملات مُعوّم أو حر بالكامل (Free Floated Market) بل إن جميع أسواق العملات هي أسواق تدخل كامل أو تدخل جزئي (Managed Floated Market).

3- الضرائب والرسوم، وتحدد أو تقترح عادة من قبل وزارات المالية في الدول، وهي عملياً تدخل حكومي لسحب وموازنة الطلب والعرض على المال للتحكم في حالة الاقتصاد وتجنب السقوط في حالات من الركود أو التراجع أو التضخم. وتعتبر كل الضرائب بمثابة “حركات تصحيح” اقتصادية، كما أنها تتدخل في تحفيز أو تثبيط الإنتاج في قطاعات معينة.

4- معاهدات التجارة البينية أو الإقليمية (مثل النافتا وغيرها)، وهي تدخّل لتشجيع التبادل التجاري بين مناطق معينة وتفضيل التبادل التجاري البيني بينها، أو تُصمم لضمان النمو ضمن قطاعات خدمية أو صناعية محددة ضد دول أخرى تنتج تلك السلع إو تقدم تلك الخدمات بشكل أكثر كفاءة أو أرخص من المتوفر ضمن منطقة المعاهدة.

5- المقاطعة والحصار الاقتصادي، وهي أداة تدخّل حكومية كبرى في السوق تُمنع بموجبها  دولة أو دول من إدخال بضاعتها ومنتجاتها (أو سلع محددة) إلى دولة أو دول أخرى.
6- الدعم المباشر لقطاعات أو صناعات محلية لمنع المنافسة من الخارج أو لإغراق المنافسين في الخارج أو كليهما، مثل دعم القطاعات الزراعية في دول الشمال الرأسمالية التي تحدثنا عنها سابقاً.
7- إنشاء الحكومات أو تشريعها لإنشاء صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي التي تتطلب اشتراكاً إجباريا فيها من قبل المنتفعين في أغلب الاحيان، وهذه المؤسسات تسحب النقد من الأسواق (تقلل العرض النقدي)، ولديها أجندة سياسية تتمثل بالاستثمار في قطاعات معينة ضعيفة لضمان نموها، وللهيمنة على القطاعات الاستراتيجية دون الإيحاء بسيطرة حكومية مباشرة.

8- التدخل في أسواق المال مثل ضمان أصول الشركات أو ديونها أو شراء هذه الديون لصالح الخزينة أو إقراض الشركات أو تبديل ديون الشركات بأذونات خزينة البنوك المركزية (علماً بأن أذونات خزينة البنوك المركزية هي بحد ذاتها تدخل من خلال الإيحاء البنوك التجارية لشرائها أو بيعها).

10- هيئات تنظيم أسواق رأس المال (مثلاً SEC في الولايات المتحدة) وهي تدخل حكومي مباشر لحماية صغار المستثمرين من عمليات التزوير والتلاعب.

هكذا، وببساطة شديدة، نستطيع القول أن العمليات الاقتصادية كلها تقريبا تقوم على التدخل، وأن نموذج “السوق الحر” هو ليس نموذجاً لا قياسياً ولا كونياً، إنه نموذج يُروَّج فقط لفتح الأسواق والهيمنة، خصوصاً في الاطراف، فيما تَستخدم المراكز الرأسمالية كل ما لديها من خيارات وحيل ووسائل من أجل حماية أسواقها وضمان فعالية ومرونة رؤوس أموالها للاستحواذ على مزيد من الأسواق الخارجية، والجنوبيّة منها على وجه الخصوص (أسواق العالم الثالث) لأنها الأقل حماية والأكثر قابلية للخضوع للابتزاز والأكثر اختزانا للموارد والثروات.

التجارة الحرة هي إحدى أدوات الدعاية الذكية لمشروع الهيمنة – الأساس الموضوعي للرأسمالية الباحثة دوماً عن الربح. والسوق الحر هذا لا علاقة له بالتنافسية، بل بالاختراق والإغراق والاحتكار، ولا علاقة له بالحرية، بل بالاحتلال والقهر، ولا علاقة له بالرفاه، بل بالاستغلال، ولا علاقة له بالتبادلية، بل الحركة باتجاه واحد: من الداخل المحميّ إلى خارج ينبغي ألا يكون كذلك. والسوق الحر هو وصفة نظرية مفذلكة ببراعة للإلحاق العضوي ومنع أي شكل اقتصادي بديل من التبلور، والأزمة المالية الأخيرة وما حصل خلالها من ضخ لمئات المليارات من الدولارات واليوروات الحكومية في أسواق المراكز الرأسمالية الكبرى ما هي إلا الفضيحة المجلجلة لخرافة السوق الحر.


 (2\3)
كيف يتحوّل العالم إلى قرية صغيرة يسهل بيعها وشراؤها؟


نقدم لكم الجزء الثاني من ثلاثية نقد مقولات العولمة الرأسمالية والذي يفند مقولات الاستهلاك والفردية والقرية الكونية وحرية المرأة ومسؤولية الشركات الاجتماعية. لقراءة الجزء الأول اضغط هنا.
مقولات العولمة: 2- الاستهلاك، والفردية، والأنا المطلقة والنهائية
يفترض بالحاجة أن تُحفّز الطلب؛ لكن مع نشوء خطوط إنتاج سلع الإستهلاك الموسّع، دخل العرض على معادلة الطلب؛ ومع التنوع السلعي الهائل الذي نتج عن تطور الرأسمالية وتراكم فائض القيمة، صار رأس المال يبحث عن آليات أكثر تأثيراً لتصريف هذا التنوع السلعيّ الهائل من جيوب المستهلكين الذين هم في الأصل عُمّال لديه، هكذا نشأ الاستهلاك بالقوة، أو خلق الطلب، وبتنا نرى آليات تسويق هجومية تؤدي إلى تغيير أنماط الحياة، وتشكيل الأحلام، وإعادة بناء المفاهيم والوعي، بل تقدّم فلسفة متكاملة للوجود تتمحور حول الفرد ورغباته المباشرة، وخلق رغبات لهذا الفرد لا تنتهي ولا تُشبع، وبحيث لا يشعر هذا الفرد بالتحقّق إلا بـ”الامتلاك” أو “السعي للامتلاك” دون الامتلاك الفعلي في الحدّ الأدنى: امتلاك السيارة والمنزل والهاتف الخلوي والملابس والأجهزة المُعلن عنها في وسائط وبآليات لا تتوقف عن أن تصبح ذات جاذبية أكبر وأكبر، وتصبح مقاومتها أصعب وأصعب.

تحوّلت الحقبة كلّها إلى حقبة الفرد المنغمس حتى ما فوق أذنيه في السلعة الاستهلاكية: يُمضي يومه مطاردا الأوهام التي تبيعه إياها إعلانات الصفحات الكاملة واللوحات الكبيرة في الطرق، موعوداً بالربح السريع، واكتساب إعجاب الآخرين، وفرض احترامه وتميزه، من خلال الشراء والاستهلاك، يظل يطارد السراب دون أن يصل، وخلال هذه المطاردة، يُفرغ القليل المتبقي في جيوبه في بئر منتجي السلع الاستهلاكية الذي لا يشبع ولا يمتلئ. الفرد الأناني الفارغ الراكض وراء أحلامه الاستهلاكية، حوُّل الآن إلى “إيقونة”، إلى “قيمة عليا”، بل وإلى “ضرورة”، واستتباعاً لذلك يُحوَّل العالم، والطبيعة، والكون كله، إلى مشاريع ممتلكات شخصية. فلا قيمة للعالم والطبيعة والكون إن لم تكن مجرد أشياء متعلقة بهذا الفرد المطلق.

يقول إعلان إحدى شركات الهواتف الخلوية: “حين ترى السماء بيتك، والقمر مصباح غرفتك؛ حين ترى البحيرات مرآتك، والحقول الخضراء حديقتك؛ حين ترى العصافير فرقتك الموسيقية، ومنحنيات الجبال مخططاتك البيانية؛ ستدرك أن العالم عالمك.” لا قيمة –والحال هكذا- للطبيعة، والكون كله، خارج الفرد الاناني المستهلك مسلوب الإرادة. ويعاد بذلك إنتاج المجتمعات (تفكيكها بالأحرى) إلى مجرد أفراد أنانيين متنافسين يتسابقون ويدوسون بعضهم بعضاً من أجل مطاردة “الحلم”. هذه الصيغة هي الصيغة الاجتماعية الأمثل للرأسمالية: المجتمع مُفتّت إلى حلقاته الأصغر، ضعيف ومدفوع برغباته الأنانية الاستهلاكية الصغيرة: الأفراد أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض، كل يقاتل من أجل “مرآته” و”مصباح غرفته” المفترض.

ولكي يحاول هذا الراكض خلف الأحلام أن يصل إلى أرض السلع الموعودة، عليه أن يقتل نفسه في العمل، ويصبح عبداً للنقود، حيث لا قيمة لأي شيء آخر، فيصير إنساناً رخيصاً يسهل شراؤه وتوظيفه، لا يهمه الآخرون ممن هو على استعداد للدوس عليهم لتحقيق أهدافه الذاتية، ناسياً أو متناسياً في خضمّ ذلك كلّه، وفي خضمّ انتماءه إلى “الهوية الشركاتية” (Corporate Identity) وانتماءه إلى العلامة التجارية (Brand) كبديل عن هويّته كعامل أو حتى كإنسان عضو في مجتمع، أنه مجرد أداة، مُسنّن في آلة، نموذج مكرر من فردٍ مُعلّب تُنتجه الرأسمالية، وينسى أو يتناسى أنه يركض خلف “الحلم”: مجرد سراب يستنفذ نفسه للوصول إليه بلا طائل، ويعيش ويموت في خضم هذه المحاولة.

القيم النقيضة، قيم الجماعية والمشاركة والعدالة الاجتماعية، خرجت من التداول، أو لنقل أُخرجت من التداول على يد البروباغاندا الرأسمالية لقيم الفردانية والأنانية والاستهلاك، وصار الباحث عن الخلاص الجماعي مجرّد شخص “أحمق” بالمفهوم الاجتماعي، أو “حالم” في أحسن الأحوال، وصار لا بد لإنجاز مشروع العدالة الاجتماعية، البدء من تحت الصفر فيما يتعلق بالوعي الاجتماعي.

المجتمعات التي توصف بأنها “بدائية” هي أكثر تطوراً من هذه الزاوية، فالمجتمعات الفلاحية والبدوية تعاونية و”اشتراكية”/تشاركيّة، فالفلاحون يزرعون ويحصدون معاً، وكذلك الأمر عند بناء دارٍ لأحدهم أو إقامة فرحٍ أو عزاءٍ لآخر، البدو كذلك يخرجون إلى الغزو ككتلة واحدة، ويبسطون نفوذهم على رقعة جغرافية لم تكن مملوكة لأحد، كانت “أرض العشيرة”، مشاعيّة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسكان الأصليين لأميركا وأستراليا ونيوزيلندا، كانت مجتمعاتهم قائمة لآلاف السنوات دون أن يكون لديهم مفهوم “الملكية الخاصة للأرض”. فكرة الملكية الخاصة للأرض دخلت مع الاستعمار، بل إنَّ الاستعمار أدخلها عُنوة لتخريب وتصفية الأنماط الإنتاجية والاقتصادية “التقليدية” الجماعية وإحلال أنماطه الرأسماليّة مكانها ليضمن تأبيداً للتبعية وليسهل عليه الاستحواذ والإلحاق.

الآن صارت مصطلحات حقبتنا هي “التنافسيّة” و”الرّيادة” وغيرها من المفاهيم التي تستدعي الفرد المنسلخ عن المجموع لتحقيق ذاته، هو ذاته الفرد الذي سيصبح ضعيفاً دون المجموع، متحولاً بالضرورة إلى انتهازي يسهل استغلاله وابتزازه، ويظل يدور في هذه الدوامة التي يخسر بها الفرد، ويخسر فيها المجموع. الرابح الوحيد هنا هو الأقليّة الرأسمالية.
مقولات العولمة: 3- القرية الكونية

أكذوبة أخرى متعلقة بالعولمة، وأتناولها هنا بعجالة لارتباطها المباشر بالنقطة السابقة المتعلقة بالأنانية والفردانيّة والاستهلاك، هي قضية “وحدة العالم” وتحوله إلى “قرية صغيرة” من خلال تطور وسائل النقل والاتصالات.

الرأسمالية تريد أن توحّد جزءاً من العالم/”القرية” فقط، وهو السوق، لتحقق هيمنتها عليه، أما المجتمعات ففي وحدتها خطر كبير، وعليه فهي تسعى إلى تفتيت المجتمعات: إلى طوائف وإثنيات وعشائر، وإلى أفراد أنانيين متنافسين. أما حرية الحركة عبر القرية فمضمونة ومتاحة فقط لرأس المال، أما البشر فممنوعون من الحركة إذا ما تعلّق الأمر بالحركة من الجنوب المُفقر إلى الشمال؛ ويتطلّب الأمر اجراءات معقّدة للحصول على تأشيرات يرفض الكثير منها، أو المخاطرة بالحياة عبر قوارب الموت وطرق التهريب.

أما “قرية العولمة الصغيرة” القائمة على وسائل التواصل، تخلو من التواصل، وكثيرة هي الدراسات التي تتحدث عن الأثر الانعزالي الهائل الذي تحدثه منصّات الميديا الاجتماعية المختلفة مثل “فيسبوك” و”تويتر” وغيرها، دون أن ننسى أن مواقع مثل “جوجل” و”فيسبوك”، ومن خلال معرفتها لبيانات المستخدم وميوله والمواقع التي يتردد عليها وأنساقه الشرائية عبر الانترنت، صارت قادرة على المزيد من التحكم التسويقي من خلال استغلال البيانات الهائلة المتاحة لها من المستخدمين. وهنا تجتمع مرّة أخرى ما تناولته في القسم السابق: الفردانية والانعزالية والأنانية؛ والاستهلاك؛ مع تمكين أكبر للاثنين من خلال الامكانيات التفصيلية لدراسة ميول الأفراد وتوجّهاتهم التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماع ومحرّكات البحث، والامكانيات الأكبر الناتجة عنها والمتعلّقة بتكييف الاستهلاك وخلق الطلب.
مقولات العولمة: 4- حرية المرأة

في المستوى البدائي: تعلمت الجماعات البشرية أنَّ وجودها الجماعي هو ضمان بقائها؛ وتعلمت القوى التي ترنو إلى الهيمنة مبدأها الأهم: “فرّق تسد”؛ والآن تأتي الرأسمالية (من خلال مجموعة من المفاهيم الليبرالية) لتؤكد لنا أن مفاهيم “الجماعية” و”الشمولية” والتحرر الاجتماعي الكلي أصبحت “خارج العصر”، وأن المقاربات الكلياتية عبثية ولا جدوى منها في سياق نظام كونيّ تسرّب إلى كل شيء.

المجتمع كيان واحد كلي ترتبط عناصره وتؤثر بعضها ببعض بشكل عضوي. لا يمكن الحديث مثلاً عن “ديمقراطية” و”مشاركة شعبية” في ظلّ انعدام للعدالة والمساواة الاقتصادية. لنأخذ مثلاً الانتخابات الأمريكية: يحتاج أي مرشح رئاسي في حملته الانتخابية لمليارات الدولارات التي تدفعها في النهاية الشركات الكبرى واللوبيات القوية، وبالتالي فإن أي رئيس أمريكي (أو حتى أي مرشح قادر على المنافسة الحقيقية) يمثل هذه المصالح، ولا يمثّل المواطن العادي الذي يظن أنه يعيش في كنف ديمقراطية. الحرية في هذا النموذج مشروطة إلى درجة التحديد التام للخيارات – إنها ديكتاتورية مُتعلقة بانعدام المساواة الاقتصادية: أموال أكثر تعني سلطة أكبر.

نفس الشيء ينطبق على قضية المرأة التي تقدّمها الرأسمالية على أنها واحدة من مناطق فتوحاتها الكبرى، من حيث إنه لا توجد قضية مرأة منفصلة بالكامل عن قضية التحرّر الاجتماعي للمجموع: كيف ستتحرر المرأة إن لم يتحرّر الرجل، ولم يتحرّر المجتمع، ولم تتحرّر الأوطان؟ هذه كلها مستويات متعددة لقمع وظلم وهيمنة واحدة، التحرّر في جزئية منها مرتبط ببقية الأجزاء.

إنَّ عرض موضوع تحرّر المرأة كقضية جندرية جنسوية منفصلة يُضيّع الموضوع. هل كل النساء ينتمين لمصالح موحدة؟ الجواب قطعاً لا. هل تتساوى كوندوليزا رايس مع معتقلة فلسطينية في السجون الصهيونية مثلاً؟ أو هل تتساوى آنجيلا ميركل مع فلاحة كادحة في واحدة من قرى الأردن؟ هل لهما نفس المصالح؟ هل تتشاركان بقضية واحدة رغم وحدة الجندر؟ قطعاً لا. هنا ستفشل النظرة الجندرية الصرفة في تحديد أساس الصراع والتناقضات والطبيعة المختلفة للمصالح. ثم ألا يتطلب تحرير المرأة في السياق الاجتماعي والاقتصادي والجنسي تحرير الرجل بالضرورة وإخراجه من قوالب التفكير النمطية والشوفينية والبطرياركية والدوغمائية؟ إذاً هي ليست قضية “تحرير المرأة”، بل تحرير كليهما في منظومة تحرّر كلية تُلغي بُنى القمع من أساسها.

المشكلة أن خطاب تحرّر المرأة المفصول عن سياقاته الاجتماعية والاقتصادية والطبقيّة، يمكن احتواؤُه وتوظيفه في السياق الليبرالي/الرأسمالي، ويمكن ملاحظة كيف أنَّ دولاً كبرى تدعم خيارات التدخّل والعدوان والاحتلال والقمع، تخصّص ميزانيات كبرى لتمويل برامج “تحرّر” المرأة و”الديمقراطية” و”حقوق الطفل” و”حقوق الإنسان”، وهي أكبر منتهك لها في العالم. لماذا؟ لأن فصل القضايا عن السياقات الاقتصادية/ الاجتماعية/ السياسية يُخرج هذه القضايا عن إمكانية تحقُّقها الموضوعي كبرنامج تحرّري حقيقي أو كجزء فعّال منه.

إضافة إلى ذلك، سينحو خطاب تحرّر المرأة والحال كذلك منحىً ذرائعياً، وتُصبح المرأة باحثةً عن تحقيق المصالح الأنانية الذاتية لا الاجتماعية الجماعية. لننظر مثلاً إلى بعض (وبالتأكيد ليس كل) نساء مجتمعاتنا اللواتي يُردن الجمع بين الحقوق التي يرتّبها المجتمع الحديث (العمل، الاستقلال المالي، حرية الحركة واتخاذ القرار … الخ) مع الحقوق التي يرتّبها المجتمع التقليدي (المهر بمقدمه ومتأخره عند الزواج، الذهب عند الزواج، أن ينفق الزوج على المنزل والعائلة، أن يجهّز الزوج المنزل، أن ينفق الزوج على تكاليف الزواج المختلفة، أن ينفق الزوج على الأولاد وتعليمهم…إلخ) من منطلق النفعية والذرائعية الصرفة. يردن الحقوق من النمطين دون تحمل المسؤوليات المترتّبة على أي منهما؛ وبعض المنظّمات النسائية تسير على نفس الطريق، فمثلاً نراهنّ يجهدن في إثبات عذرية قتيلة “الشرف” (وهو ما يعزّز المفاهيم البطرياركية) ولا يقلن شيئاً عن حريّة المرأة الجسديّة والجنسية.

هذا الشكل من “التحرّر” سيدفع باتجاه مزيد من الشوفينية ومزيد من التقوقع الجندري، وتتحول معركة التحرّر الاجتماعي التي تشمل الرجل والمرأة معاً، إلى معركة ذرائعية على مناطق نفوذ ومصالح بين الرجل والمرأة: معركة ذات طابع فئوي/ فردي/ أنانيّ تنسجم مع ما تحدّثنا عنه في الأقسام السابقة.
مقولات العولمة: 5- المسؤولية الاجتماعية للشركات والأثرياء

الأزمات المالية هي أزمات يسببها الأغنياء ويدفع ثمنها الفقراء، هذا هو المنطلق الأساسي لأي حديث عن أزمات مالية، وهنا يجب أن نميّزها عن الأزمات الاقتصادية، من حيث إنَّ الأولى (الأزمات المالية) تتعلق بالمضاربات المالية وحركة النقد، وترتبط برأس المال المالي المتجمّع في البنوك أو صناديق الادخار أو أية أطر شبيهة، وتعتمد في جني الأرباح لا على النشاطات الإنتاجية بشكل أساسي بل على المضاربات المالية في أسواق الأسهم والنقد والسلع، بينما تتعلق الثانية (الأزمات الاقتصادية) بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وهياكله وتشمل القوى المنتِجة والمالية على حدّ سواء.

رأس المال المالي يتأتّى عن طريقين: الأول هو التراكم الرأسمالي الناتج عن ارتفاع فائض القيمة (الفرق بين سعر بيع السلعة وكلفتها الفعلية) نتيجة للخفض الهائل في كلف الإنتاج، وارتفاع الاستهلاك نتيجة لترويج النمط الاستهلاكي بالقوة من طرف الشركات الرأسمالية. فيؤدي الاستغلال الهائل للعمال عن طريق خفض أجورهم إلى حدود غير معقولة أو نقل الإنتاج إلى بلاد أو مناطق يسهل فيها استغلالهم ولا يتمتعون فيها بضمانات قانونية، ورفع ساعات العمل من 8 ساعات إلى 12 و 14 ساعة يومياً دون دفع أية أجور إضافية بحجة أنَّ هذه هي “متطلبات العمل”، وأخذ العمل إلى المنزل، وتوظيف العمال بعقود سنوية ليظلوا تحت خطر فقدان العمل، ومكننة العمل لتقليل الاعتماد على العنصر البشري، وتجاوز متطلبات الحفاظ على البيئة التي ترفع كلف الإنتاج؛ يؤدي كل هذا وغيره إلى خفض كلف الإنتاج إلى حدود لم تكن مسبوقة في التاريخ، وبالنتيجة حصول تراكم ضخم لرأس المال المالي الناتج بشكل مباشر عن عرق الأكثرية العاملة، في حسابات الأقلية الثرية، تزيد منه أنماط الاستهلاك الهائلة وأشكال الترويج والتنميط التي تعزّزها والتي ناقشتها سابقاً.

الثاني هي تراكم أعداد كبيرة من الادخارات الصغيرة التي يقوم بها صغار المدّخرين في البنوك أو في صناديق الادخار والتقاعد، مُنتِجة بالتالي رأس مالٍ مالي كبير لا يملك أصحابه السيطرة عليه، بل يسيطر عليه كبار الأثرياء من أصحاب البنوك والمؤسسات المالية الذين يستعملون هذه الأموال في عملياتهم دون الرجوع إلى وحساب مصالح أصحابها.

إذاً، رأس المال المالي الذي يزيد بواسطته الأثرياء ثراءهم، ويصنعون بواسطته الأزمات المالية التي تقع نتائجها على رأس الفقراء وحدهم، مصدره الأساسي هو الفقراء، وهؤلاء هم من يموّلون عمليات زيادة إثراء الأغنياء، وزيادة إفقار أنفسهم.

رأس المال المالي المتراكم هذا يؤدي بالمتحكّمين فيه إلى البحث -من أجل تحويله إلى رأس مال مربح-عن منافذ “مالية”: أي أن يدرّ المال مالاً دون الدخول في نشاطات إنتاجية فعلية، وتحقيق أرباح دون كلف إنتاج على الإطلاق. من أجل هذا يُوظَّف رأس المال في المضاربات على الأسهم والعملات والسلع، أو في عمليات الإقراض. إن توظيف هذه الكميات من الأموال الضخمة في عمليات مالية فقط (لا عمليات إنتاجية) سيؤدي بالضرورة إلى أزمات كبرى.

مشكلة الأزمات المالية أنها تؤثر بالضرورة على البنى الاقتصادية وتسبب أزمات اقتصادية عامة. لنأخذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي ما تزال آثارها مستمرة حتى اللحظة كمثال: في الولايات المتحدة، استحوذت البنوك المقرِضة على 4 مليون منزل، دافعة بـ20 مليون مواطن من المقترضين الفقراء إلى الشارع؛ كما تم شطب 2 مليون وظيفة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2008؛ تبعها شطب 600 ألف وظيفة أخرى في الشهر الأول من عام 2009؛ والمسرَّحين كلهم طبعاً من العمال والموظفين العاديين الفقراء. إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار السلع، مما رتب على الناس أعباء إضافية كبرى. أما على جانب الأغنياء،فدفعت حكومة الولايات المتحدة ما يقارب 1 ترليون دولار (1000 مليار دولار) من الأموال العامة (أي أموال الناس) لإنقاذ الشركات الخاصة (أي شركات الأثرياء) المنهارة: بيرستينز، ليمان بروذرز، فاني ماي، فريدي ماك، ميريل لنش، ايه آي جي، وهي كلها شركات مالية لا إنتاجية.

أما المتسببون بالأزمات المالية من مديري الشركات وكبار المضاربين، فخرجوا رابحين: فمثلاً عام 2006، قبض كبار موظفي خمسة من شركات وول ستريت (هي بيرستينز، جولدمان ساكس، ليمان بروذرز، ميريل لنش ومورغان ستانلي – وثلاثة من هذه الشركات انهارت ولم تعد موجودة!) ما قيمته 40 مليار دولار كمكافآت، وهو مبلغ يساوي ضعف مجموع زيادات الرواتب المتحصلة لـ93 مليون عامل أميركي في الفترة من 2000 إلى 2006. كيري كيلينغر المدير التنفيذي لبنك واشنطن ميوتشوال المنهار خرج بتعويض مقداره 20 مليون دولار، فيما قبض ريتشارد سايرون المدير التنفيذي لشركة فريدي ماك المنهارة 14 مليوناً كتعويضات، في حين لم يكن دانيل مَدْ المدير التنفيذي لشركة فاني ماي المنهارة بمثل حظهم فقبض 10 ملايين دولار فقط.

في أي مجتمع يشكل فيه الأثرياء طبقة أقلية، كما هو الحال في مجتمعاتنا الرأسمالية المعاصرة، يكون الثراء هو التعبير المباشر عن انعدام العدالة الاجتماعية، والتعبير المباشر عن العسف والقهر الذي تمارسه هذه الطبقة على الأغلبية المتبقية من الناس. إنَّ مصدر الثروة المباشر هو استغلال الناس والتلاعب بهم وبأموالهم كما رأينا في الأزمات المالية الكبرى التي عصفت بالعالم منذ التسعينات (بداية تحرير التجارة وتحرير حركة رأس المال المالي في العالم) وحتى الأزمة الأخيرة التي يعتبرها البعض قمة جديدة تساوي أو تتغلب على “الكساد العظيم” في ثلاثينات القرن الماضي.

إنَّ الحديث عن “دور اجتماعي” للأثرياء في الأزمات المالية أو الاقتصاديّة هو حديث ينزع المسؤولية عن دورهم الحقيقي في التسبب بالأزمات المالية، ويمحي مسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية والجنائية عن آثارها. البنك وصندوق النقد الدوليان (ومن خلفهما الدول الكبرى وشركاتها) اللذان دفعا بلداً كاملاً هو الأرجنتين إلى الانهيار مؤثرين بذلك على حياة ملايين الناس، لم يُحاسبا لا كمؤسسات ولا كإدارات. إنَّ منطق استغلال الأثرياء للناس وأموالهم، والتسبب بالأزمات المالية، ومن ثم استعمال الأموال العامة لخدمة الأثرياء واستكمال مشاريعهم، على أن يوزع الأثرياء بعض “الصدقات” هنا وهناك من منطلق “دورهم الاجتماعي” في التفاعل مع “أبناء مجتمعهم” هي أوهام يذرّها هؤلاء في العيون. مليارات الدولارات التي دُفعت لإنقاذ الشركات المالية في الولايات المتحدة، كان يجب أن تُدفع للناس الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم وتضاعفت عليهم أسعار السلع، فيما كان يجب أن يُلقى كبار مديري المؤسسات المالية في السجون نتيجة لتدميرهم حياة ملايين البشر. لكن في عالم يتحكم به رأس المال، يدفع الفقراء الضريبة دائماً. وكذا الأمر في دولنا التي اقتصاداتها هي مجرد ملحق بالاقتصادات الكبرى.

الدولة والقوانين التي تحكمها، هي تعبير مباشر عن مصالح الطبقة التي تهيمن عليها. فالدولة الرأسمالية هي تعبير عن مصالح رأس المال، والأدوات القانونية والمؤسساتية التي تجترحها تأتي في سياق إدامة هيمنة رأس المال وتعزيز أرباحه وآليات عمله. بالإمكان ملاحظة هذا الأمر لا على مستوى الدول فقط بل على مستوى العالم، من خلال منظمات “عالمية” مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي منظمات تحاول أن تفرض “التجارة الحرة” باتجاه واحد على بلدان العالم، وتتدخل سياسياً واقتصادياً من خلال ما يسمى “برامج إعادة الهيكلة” لربط اقتصادات الأطراف باقتصادات الدول الكبرى عضوياً، وتحويلها إلى أسواق ومصادر للعمالة الرخيصة. لذا لا دور للدولة الرأسمالية أو الدولة الوسيطة سوى دورها في تعزيز نفوذ الطبقة التي تمثلها. دولة الأثرياء لن تحقق مصالح الفقراء. فقط دولة الفقراء، حيث الطبقة الحاكمة تمثل أغلبية الشعب من الفقراء، هي التي ستبحث عن تأمين حاجات الناس الأساسية للجميع، وتصبح الصحة والتعليم والسكن والعمل أموراً تحظى برعاية الدولة المباشرة.

الأزمة المالية التي عصفت وما تزال بالعالم، أثبتت وبشكل واضح مدى الاستغلال الذي يمكن أن تصل إليه الرأسمالية في تعاملها مع الناس، ومدى لامُبالاتها بمعاناتهم، وقوّة الخطاب الذي تستخدمه لتضليلهم ونفض المسؤولية عن نفسها.

----------------------------------------------------------------

    3/3
هل للعولمة الرأسمالية ثقافة؟ وهل ثمة عولمة ثقافية؟/هشام البستاني //

نقدم لكم الجزء الثالث والأخير من سلسلة نقد مقولات العولمة الرأسمالية والذي يفند مقولات المجتمع المدني وصراع الحضارات وحوار الأديان. لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا.
مقولات العولمة: 6- المجتمع المدني والـNGOs

مفهوم “منظمات المجتمع المدني” هو مفهوم ملتبس يشابه في التباسه مفهوم “العولمة”، يُستعمل لوصف مجموعة من المنظمات والفعاليات التي لا رابط مشترك بينها، بل قد تمثل مصالح متعارضة، فمثلاً: منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال تعتبر من منظمات المجتمع المدني رغم التناقض الكلي بين الاثنتين اللتين تمثلان مصالح متعارضة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمنظمات محسوبة على الأنظمة وأخرى محسوبة على المعارضة، ومنظمات مرتبطة بالمراكز الامبريالية وأخرى تمثل الطبقات المسحوقة…الخ. “المجتمع المدني” (بالمعنى الليبرالي) ليس جسماً موحداً ولا يشكل نقيضاً أو بديلاً أو حتى حالة موازية للسلطة، بل يتحرك بدرجات مختلفة من الاستقلالية عن (أو التبعية لـِ) السلطة أو الحكومات أو أجندات الدول الإمبريالية التي تموّل نشاطات العديد من المنظمات التي قد تنضوي تحت هذا التعريف.

“المجتمع المدني” بهذا المعنى هو مفهوم تم افتعاله في مواجهة العمل الشعبي والمنظمات الشعبية الطابع، فبدلاً من النضال القاعدي الطبقي الذي يرمي إلى الإطاحة بأشكال الاستغلال وإقامة أشكال أكثر عدالة مكانها، تحوّل الأمر إلى مكاتب مكيّفة ومراسلات إلكترونية وورشات عمل في فنادق 5 نجوم وأموال تُوظّف في معالجة ثغرات نظام الاستغلال وإبقاء الناس فقراء بما لا يتجاوز حدّ الانفجار: إعطائهم مسكنات ومهدئات بصيغة مساعدات وقروض ومشاريع صغيرة تعيق إنضاج أي برنامج تحرري وعدالة حقيقية، بل وتحقق أرباحاً لنظام الاستغلال القائم.

هكذا تبرز مجموعة من المؤسسات التي تحمل عناوين كبيرة مثل “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” و”حرية الصحافة” و”حقوق المرأة والطفل” وغيرها من العناوين الجزئية، كممثلة لما يسمى “المجتمع المدني” وهي محض مؤسسات يملكها ويديرها أفراد، وليس لها هيئات عامة، ولا فيها انتخابات، وتتموّل غالباً من السفارات الأجنبية أو الجهات المانحة المرتبطة بحكومات بلدانها أو أحزابها أو السياسات المتعلقة بها.

نستطيع، إذن، الاستنتاج أن مثل هذه المؤسسات ليست مؤسسات “مجتمع مدني محلّي” بل هي مؤسسات مرتبطة “عولميّاً”، وهي تلعب أدواراً حساسة: فهي تقوم بالأبحاث والدراسات لصالح المموِّلين موفّرة لهم معلومات هامة مثل توجّهات الرأي العام وأدوات التأثير فيه ومحدّداته..إلخ؛ كما تقوم بترويج مفاهيم ومصطلحات “عولميّة” الطابع تخدم الهيمنة وتؤسس لبقائها، كما تتناول القضايا بشكل معزول عن سياقاتها العامة كما أسلفت: فتتناول –مثلاً- الديمقراطية دون الإشارة إلى الاحتلال أو الاستعمار، ودون الإشارة إلى انعدام العدالة الاجتماعية، وبهذا تُفتَّت القضايا إلى جزئيات منفصلة بلا سياق؛ وأخيراً فإنَّ الكثير من هذه المؤسسات يدعم الاحتلال ويساعده ويخفّف كُلفه تحت غطاء العمل الإنساني، وبهذا فهو يُساعد على إطالة أمد الاحتلال ويسهّل مهامّه، فالمعروف أن الهدف من أية مقاومة هو تكبيد الاحتلال أكبر ما يمكن من الخسائر بحيث تصبح الكلفة المترتبة على الاحتلال أعلى من العوائد الناتجة عنه، والمعروف في القانون الدولي أن أية قوة محتلة لبلد آخر تكون مسؤولة عنه بالكامل من حيث توفير جميع الخدمات والإدارة وغيرها، هنا تدخل المنظمات غير الحكومية (NGOs) و”مؤسسات المجتمع المدني”، فتبدأ بتنفيذ برامج صحية أو برامج تتعلق بشبكات المياه أو الصرف الصحي أو غيرها، هذا يزيل أعباء كبرى عن قوة الاحتلال ويوفر عليها مصاريف مالية وبشرية كبيرة، مما يقلل –بالتالي- الكلفة على القوّة المحتلة ويُطيل أمد الاحتلال ويساعده، ونماذج مثل هذه المنظمات موجود في العراق وفلسطين بكثرة.

ومن المهم أيضاً ملاحظة عدم اكتفاء الدول الكبرى باختراق النخب والقيادات في مختلف الصعد والقطاعات، بل التحول إلى اختراق القواعد والشعوب بآليات “التسويق الاجتماعي”، ببرامج تعقد في المدارس والجامعات وتعنى بإيجاد جيل كامل من الشباب المؤدلج رأسمالياً، والمأخوذ بنمط السوق الحر و”الريادة” والتنافس، و”العولمة” بأشكالها الهمجية المعاصرة كنهاية للتاريخ.

مقولات العولمة: 7- صراع الحضارات والحرب على الإسلام

ربما يبرز مفهوم “صراع الحضارات” إلى جانب مقولة “نهاية التاريخ” على أنهما المُنتَجان “الثقافيّان” الأبرز للرأسمالية في مرحلتها المعولمة، هذا القسم معنيّ بالنقاش التفصيليّ لهذين المفهومين والبحث في مدى “ثقافوّيتهما” إن جاز التعبير.

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، خرج مُنظّران اثنان للتعبير عن رؤية الرأسمالية لتلك المرحلة: أولهما هو فرانسيس فوكوياما الذي تحدث عن “نهاية التاريخ”، أي الانتصار النهائي للرأسمالية واستتبابها كنظام اجتماعي/اقتصادي شمولي وأوحد للبشرية، منهية بذلك الصراعات، ليستقر المجتمع البشري إلى ما لانهاية بصيغة ما بعد الحرب الباردة. فوكوياما وعبر هذه الأطروحة حسم محصلة حركة التاريخ والمجتمعات باتجاه انتصار الرأسمالية في مرحلتها “المعولمة” انتصاراً نهائياً، وعليه نظّر فوكوياما إلى أنَّ الليبرالية الرأسمالية هي الوحيدة القادرة على إنهاء الصراعات وتحقيق السعادة للبشرية.

المنظّر الثاني هو صامويل هنتنغتون، صاحب مفهوم “صراع الحضارات”، والذي (بعكس فوكوياما) لم ير نهاية للتاريخ في انتصار الرأسمالية على المعسكر الاشتراكي، بل على العكس، وجد فيه بدايةً أو تبلوراً لصراعٍ آخر يأخذ الشكل “الثقافيّ”: صراع “الحضارة” اليهو/مسيحية (اليهودية المسيحية) في مواجهة “الحضارات” الشرقية: الإسلام والبوذية وغيرها. بالنسبة لهنتنغتون إذن، ما زال تاريخ الصراع مفتوحاً، وما زالت الرأسمالية “متوتّرة” لم تنجز استقرارها الكامل.

من الواضح أنَّ المفهومين متناقضين: ففوكوياما عبّر عن أيديولوجيا ليبرالية مثالية أقرب إلى الميتافيزيقية، واستلهم نموذج دولة “القيم والمؤسسات”، و”الديمقراطية”، و”الحريات الفردية”، و”حكم القانون”، و”الازدهار المؤسَّس على الحرية الاقتصادية”، و”دولة الرفاه الاجتماعي” الرأسمالية، على أساس أنَّ هذا هو النموذج الرأسمالي الذي سيستمر مقدماً الرفاه والسعادة للبشر. نسي فوكوياما (أو ربما لم تسعفه مثاليّته في هذا السياق) أنَّ رأس المال هدفه الأول هو تعظيم أرباحه بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، ولم تكن دولة الرفاه الاجتماعي التي أنجزها سوى ثمن اضطرت الرأسمالية لدفعه درءاً “للخطر الشيوعي” الذي كان يعد بمساواة وتوزيع عادل للثروة بين جميع الناس، وتنازلاً أمام الحركات العمّالية القويّة في الغرب والتي استلهمت هذه المثُل وعملت من أجل تحقيقها. وعليه، كان لا بد للرأسمالية من أن تدفع جزءا قليلاً من أرباحها للوقوف في وجه النموذج الأكثر عدالة منها. في ظل هكذا ظروف، كانت دولة الرفاه الاجتماعي أقل كلفة بكثير من مواجهة ثورات عمالية داخل الدول الرأسمالية نفسها.

وبحسب قانون العلّة والمعلول، فما إن تنتفي العلّة (وهي هنا المنظومة الاشتراكية من جهة، والحركات العمّالية القويّة من جهة أخرى) حتى تتخلى الرأسمالية عن تمويل دولة الرفاه، ونشهد تحولها الأيديولوجي المتسارع إلى “النيولبرالية”، وهو التحوّل الموضوعي الذي فشل فوكوياما في استقرائِه. هكذا سحبت الرأسمالية مساهماتها في السياق الاجتماعي: فعدّلت برامج الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي بما يقلل بشكل كبير مكتسبات الناس في الدول الصناعية، إضافة إلى سحب حقوق العمال، والتخلّي عن مجانية التعليم، إضافة إلى ابتزاز عمال الدول الصناعية بعمال العالم الثالث، وهو الاستغلال المزدوج وألعوبة الرأسمالية لوضع العمال في مواجهة بعضهم البعض بدلاً من مواجهة الرأسمالية.

وأخيراً، كان لا بد للقطب الأوحد المتبقي (الامبريالية الأمريكية) من الخروج لغزو العالم ونهب ثرواته وبسط الهيمنة عليه بشكل واضح ومباشر: من جهة لضبط القوى الاقتصادية الأخرى الصاعدة (أوروبا، الصين، اليابان) ومحاولة إبقائها تحت العباءة الأمريكية، ومن جهة ثانية للقضاء على أية مشاريع مناقضة أو أية أشكال مسلحة مقاومة ضدها. هذا يجيب على السؤال حول السبب الذي أوصل العالم “المتحضّر” إلى هذه المرحلة: هو لم يصل “إلى هذه المرحلة”، بل إنَّ هذه المرحلة كامنة في البنية العضوية للرأسمالية وتنتظر فقط الظرف الموضوعي الملائم لتتجلّى.

بهذا يصبح فوكوياما خارج السياق: فلا التاريخ انتهى، ولا الصراعات، ولا استتب الأمر للرأسمالية.

هنتنغتون في جانب منه أكثر ماديّة من فوكوياما، فهو يعي أنَّ التاريخ والصراعات داخله ما زالت مفتوحة، ولكنه كفوكوياما: ميتافيزيقي، ويطرح خطاباً مضللاً من حيث تعريفه لأُسّ الصراع على أنه “حضاري”. أيديولوجيا هنتنغتون (صراع الحضارات) هي أيديولوجيا تضليلية وتبريرية في آن، تحمل جوانب دقيقة وصحيحة (استمرارية التاريخ والصراع وعدم تحقيق الانتصار النهائي للرأسمالية)، ولكنها تشكل الأرضية المثالية للدعاية الرأسمالية في الداخل والخارج، من حيث إنَّ عدوان القوى الكبرى على الآخرين هو ضروري ومبرَّر للحفاظ -بالمعنى الوجودي-على “الحضارة اليهو/مسيحية” في وجه الآخرين من “الهمج”. كما تشكل تلك الأيديولوجيا أرضية مناسبة لتزوير الصراع عند المستهدَفين (شعوب الجنوب) من صراع على موارد وبشر وجغرافيا سياسية (صراع مادي) إلى صراع على أديان وحضارات (صراع ميتافيزيقي).

سأفصّل فيما يلي التضليل الذي يطرحه هنتنغتون: فهو موجه للداخل لإقناع شعوب الدول الرأسمالية الغربية تحديداً بأن هناك خطراً ماحقاً يتهدّدهم، وأنه لا بدّ من الخروج لسحق هذا التهديد في مكانه قبل انتقاله إليهم، وبأن هذا الخطر لا يطال جزئيات متفرقة بل هو شامل لكل مكونات الحياة كما يعرفونها (خطر ضد “الحضارة” نفسها) لذلك فالمعركة معه معركة حياة أو موت. وبهذا تتم إعادة إنتاج “إمبراطورية الشر” (الاسم المبتكر للاتحاد السوفيتي في حينه) بشكل جديد، أكثر تجريداً هذه المرة، وأكثر صعوبة في التحديد. إنه العدو المثالي للرأسمالية: شبحيّ، ولا يمكن إمساكه حقاً، وقابل للتشكيل وإعادة التشكيل كل مرة. كما لا يجب أن يخفى علينا المحتوى العنصري في خطاب هنتنغتون حين يضع الأوروبيين والأمريكيين “المتحضرين” من الجنس الأبيض، في مواجهة الملوّنين “الهمج” من العرب والأفارقة وشعوب الصين وجنوب شرق آسيا. هذا الخطاب العنصري قادم من الماضي الكولونيالي للرأسمالية، ومن مراحل أبعد في التاريخ (نتذكر ديمقراطيات الإغريق العنصرية التي يعتبرها هنتنغتون وفوكوياما دليلاً على ديمقراطية المجتمعات الغربية)، وما زال هذا الخطاب حاضراً ومؤثراً بقوة في وعي ولا وعي المواطن الأوروبي/الأمريكي.

أما التأثير الخارجي لهذا الخطاب، فيتمثل في تضليل الشعوب المعتدى عليها من حيث تشويه فهمها لطبيعة الصراع الذي تواجهه، ودعم ترويج خطاب ميتافيزيقي مقابل متطابق مع الدعاية الإمبريالية، فتصبح محاولات الهيمنة على البشر والموارد لاستغلالها في البنية الرأسمالية للإمبريالية حروباً “صليبية” ذات طابع ديني (أي حضاري، حيث لا يمكن الفصل بين الديني والحضاري في العقل العربي وفي خطاب هنتنغتون على حدّ سواء)، ويصبح العدوان من أجل السيطرة على احتياطيات النفط وتأمين الأسواق والعمال العبيد حرباً على الإسلام، حرباً على “الحضارة”، حرباً دينية، ويخرج هنتنغتون نهاية عام 2001 وبعد أحداث 11 سبتمبر بمقالٍ في مجلة “نيوزويك” الأمريكية له عنوان صارخ: ” “The Age of Muslim Wars- عصر الحروب الإسلامية، فيما يكتب فوكوياما -في نفس العدد- مقالاً تحت عنوان أكثر وضوحاً: “”Today’s New Fascists – فاشيو المرحلة الحالية الجدد، وهي عبارة وجدت طريقها إلى جورج بوش نفسه عام 2006. (راجع مجلة نيوزويك، ديسمبر 2001 – فبراير 2002، الإصدار الخاص بمؤتمر دافوس).

انطلت هذه الألعوبة المفاهيمية على الشعوب المضطهدة، فصارت تتبنّى نفس المنظومة الدعائية التي تروّج لها الرأسمالية، وصارت تقول أن هناك حرباً على الإسلام والمسلمين تماماً كما يقول هنتغتون، وأصبحت تيارات الإسلام السياسي (المعتدلة منها والمتطرّفة على حدّ سواء) شريكة في ترويج هذه الأطروحة لأنها تجذب إليها الجماهير، أو على الأقل تضمن لها تعاطفاً جماهيرياً كبيراً، وأصبحت كلمات بوش الابن حول “حروبه الصليبية” في العراق و”اتصاله مع الله” هي الأكثر التصاقاً بالذاكرة.

من البسيط جداً إثبات أن رأسماليي الولايات المتحدة لم يأتوا للتبشير باليهو/مسيحية في المنطقة العربية، كما لم يأتوا للتبشير بالحداثة التي يضعها كلٌّ من هنتنغتون وفوكوياما نقيضاً للإسلام والمسلمين. لم تلحق بالجيوش الجرارة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى العراق أرتال البعثات الدينية ولا كتائب ترويج الحداثة والديمقراطية، بل لحقهم رجال “البزنس” من كبرى الشركات الأمريكية، بينما قاموا على الأرض بأكبر الفظائع التي تُثبت تضليل دعايتهم: من القتل والدمار والتعذيب والاغتصاب (كذبة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان) إلى تمكين ودعم الطائفية والمذهبية والإثنية (كذبة الحداثة).

تزوير الصراع، وتضليل المضطهَدين يجعلهم يتبنّون دعاية هنتنجتون على أنها استراتيجيتهم الحقيقية، سيؤدي إلى أن يقوم المقاومون باجتراح آليات مقاومة غير قادرة على تحقيق النصر، لأنهم من جانب يحاربون وهماً أو شبحاً دعائياً، مبتعدين عن الأسس الموضوعية للصراع، إضافة إلى أنهم سيساهمون بتمكين الرأسمالية ودعايتها من خلال تبنّيهم لها بالمقلوب.

الإسلام ليس هدفاً بحد ذاته، الهدف هو الموارد والأسواق والثروات، وأياً كانت العقبة أمام الاستحواذ على هذه الأمور، فهي تتحول إلى هدف من منظور الرأسمالية. قارة كاملة هي أميركا الجنوبيّة ليست مسلمة أو إسلامية، ولكنها أيضاً مُستهدفة من قبل الإمبريالية لأنها عقبة في طريق تحقيق الهيمنة على الموارد والأسواق والثروات، لكن “المعالجات” الإمبريالية لكل عقبة تحكمها عدة أسس يأتي على رأسها حجم الثروات، والجغرافيا السياسية التي تحتويها، وقوة المقاومة وحجمها: فاحتياطيات النفط والغاز الموجودة في المنطقة العربية وآسيا الوسطى، ووجود مراكز محتملة لمشاريع غير خاضعة بالكامل للإمبريالية الأميريكية (مصر عبد الناصر، عراق صدام حسين، إيران)، جعلها “قوس الأزمات” المفضّل (بحسب تعبير برجنسكي) ومنطقة العمليّات الرئيسية، وكون أغلبية قاطني هذه المنطقة من المسلمين لا يعني أن حرب النهب والاستغلال هي حرب على الإسلام – أي حرب دينية.

حالة أخرى: قارة بكاملها هي أفريقيا، تُنهب ثرواتها من الذهب والماس والنفط وغيرها، ويُذبح أبناؤها يومياً بمئات الآلاف بواسطة الحروب الأهلية والمجاعة والإيدز والتدخل العسكري المباشر، ويُرتكب بحق أبنائها فظائع أكبر بكثير مما يرتكب بحق العرب أو المسلمين، ولكن (وبحكم تغييبهم عن الإعلام العالمي) لا نراهم ونعتقد أن “المسلمين” هم المضطهدون الوحيدون على هذه الأرض، فهل ما يُرتكب بأفريقيا مثلاً هو حرب على الإسلام؟ وكيف تتسق مقولة “الحرب على الإسلام” مع الحالة الأفريقية؟ هذا دليل واضح على أن المسألة هي حروب نهب وهيمنة واستغلال لا حروباً دينية أو حرباً على الإسلام.

الرأسمالية والإمبريالية ليست عندها مشكلة مع الإسلام، حتى هنتنغتون يقول بأن “طبيعة العقائد والتعاليم الإسلامية، والتي يمكن لمعتنقيها استعمالها لتبرير الحرب أو السلام على حدّ سواء، مثلها مثل التعاليم المسيحية” ليست من أسباب عصر الحروب الإسلامية، فيما يذهب فوكوياما إلى ما هو أبعد من ذلك حيث يرى أملاً في بروز إسلام “ليبرالي” يعزل ويزيل الشرعية عن “الإسلام الراديكالي”. إذن المشكلة ليست مع الإسلام، وإنما مع نسخة منه هو “الإسلام المقاوم”، ولنكون أكثر تحديداً، المشكلة هي مع “المقاوم” من أية خلفية أيديولوجية.

مقولات العولمة: 8- حوار الأديان

الفرز القائم على الدين فرز تضليلي، فالمسلم، كما المسيحي أو اليهودي أو غير المؤمن، هو إما من الطبقة التابعة للرأسمالية و/أو المستفيدة منها، وبالتالي فولاءاته محسومة ومعروفة، وإما من الطبقات المسحوقة والمضطهَدة، وهذا له مصلحة في مواجهة الظلم الواقع عليه. ليس للدين علاقة بالمسألة.

 وكما أن خطاب “صراع الحضارات” هو خطاب وهمي وتضليليّ، فخطاب “حوار الأديان” هو خطاب وهمي وتضليليّ أيضاً ومن جانبين أساسيين: الأول أنه يفترض الخلاف والتعارض على أساس الدين ابتداءً، وإلا لما كان هناك حوار، والثاني أنه يتضمن تشخيص حالة الصراع القائمة على أنها صراع أديان يُمكن حلّه أو تلطيفه بالحوار ما بينها، وينفي أساس الصراع الموضوعي (الهيمنة والاستغلال والنهب والاحتلال).

حوار الأديان هو محاولة أخرى لتوجيه الأنظار بعيداً عن التناقضات الأساسية مع الرأسمالية وأهدافها الحقيقية. في مواجهة الرأسمالية، تأخذ المواجهة المُنتجة الطابع الطبقي، أما التوظيفات الدينية فهي إما توظيفات لشراء الوقت (حوار الأديان) أو لتقوية المشروع الامبريالي (التفتيت الديني والمذهبي والطائفي).

يبقى من تفاصيل العولمة و”ثقافتها” شيء يسمى “التعدّدية الثقافية”، وهو ما بحثه بشكل معمّق كل من سمير أمين وسلافوي جيجيك في دراستيهما المنشورتين في نفس هذا العدد من “المجلة الثقافية” التي تظهر فيها هذه الورقة أيضاً، وأكتفي بالإحالة إليهما في التوسع حول هذا المصطلح.

خاتمة: هل للعولمة الرأسمالية ثقافة؟ وهل ثمة عولمة ثقافية؟

لا يمكن اعتبار الأنماط الاستهلاكية والتسليع “ثقافة”، ولا يمكن تصنيف الأدوات والاستراتيجيات المصممّة لدفع البشر إلى مزيد من الشراء وتنميط مفاهيم وإعادة انتاجها لتتعلّق برغباتهم الأنانية الفردية الاستهلاكية المباشرة على أنها أدوات واستراتيجيات “ثقافية”، وبالمثل لا أستطيع  اعتبار مقولات ذات مضمون دعائي وتضليليّ أنها مقولات “ثقافية”.

بل أستطيع الاستنتاج باطمئنان أن الرأسمالية المعاصرة لا ترى في الثقافة إلا ما يُمكّنها من إعادة إنتاجها كسلعة للاستهلاك الواسع النطاق: الفيلم الهوليووديّ، الرواية كجنس أدبي قابل للتسويق، الموسيقى التجاريّة، وهكذا؛ وهي بهذا تفكّك فعلياً الثقافة، وتلغي حسّها النقدي والاستشرافيّ والمتمرّد، وتثبّت مكانها “قيماً” أخرى مرتبطة مباشرة بالاستهلاك؛ وسيأتي اليوم الذي يصبح فيه الإعلان التجاري (بوسائطه المتعدّدة) هو مصدر “المعرفة” الأوّل في حال استمرّ تصاعد صناعة الإعلان وقوّة إعادى التشكيل المصاحبة له.

لا أدري من أين يأتي منظرو ما يُسمى بـ”العولمة الثقافية” بالمحتوى للكلمة الثانية من مصطلحهم المفضّل هذا، لكنهم بالتأكيد واقعون تحت تأثير الخطاب الكاسح للكلمة الأولى منه.