Thursday 14th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    27-Sep-2019

حين يجلد الشاعر أمته

 د. محمد عبدالله القواسمة

ظاهرة جلد الشاعر العربي لأمته ظاهرة قديمة، عرفها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي؛ فهذا الشنفرى من شعراء الصعاليك في إحدى قصائده المنسوبة إليه، والمعروفة بـ»لامية العرب»، يعلن أنه لا يطيق البقاء بين قومه؛ فهو يميل إلى العيش بين حيوانات الصحراء ؛لأنها أكثر رحمة و ألفة منهم.
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل
ثم لا حظنا أبا نواس في العصر العباسي يقلل من شأن العرب من خلال ذمه أشهر القبائل العربية، التي يرى بأنها لا قيمة لها في الدنيا والآخرة، ويأتي ذلك لانبهاره بحضارة بغداد بما فيها من خمارات ومجون:
يبكي على طلل الماضين من أسد
لا در درك قل لي من بنو أسد
ومـن تميم ومن قيس ولفهما
ليس الأعاريب عند الله من أحدِ
لقد تطورت هذه الظاهرة، ظاهرة جلد الذات العربية، وازدادت حدة في العصر الحديث، هذا العصر الذي تكالبت فيه على العرب النكبات الكثيرة، وكانت نكبة فلسطين ومواقف العرب المتخاذلة منها في مقدمة الأسباب التي جعلت الشاعر العربي يجلد أمته بقسوة، على نحو ما نرى عند عمر أبي ريشة، ومظفر النواب، وأحمد مطر، ونزار قباني وغيرهم.فهذا الشاعر عمر أبو ريشة يتساءل عن أمجاد أمته العربية:
أمتي هل لك بين الأمم
منبر للسيف أو للقلم
إنه يدين تخاذلها، ويعجب من صمتها الذي لم تعرفه عبر تاريخها الطويل، عندما يقام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين المقدسة. يقول:
ألإسرائيل تعلو راية
في حمى المهد وظل الحرم
كيف أغضيت عن الذل ولم
تنفضي عنك غبار التهم ؟
وهذا الشاعر مظفر النواب يشتم الجميع حتى نفسه، في قصيدته «وتريات ليلية» وليس السبب غير موقف العرب من قضيتهم الأولى فلسطين:
يا شرفاء مهزومين
ويا حكامًا مهزومين
ويا جمهورًا مهزومًا
ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا..
ونكابر ما أوسخنا
ولا أستثني أحدًا
وهذا الشاعر أحمد مطر يرى أمته العربية لا قيمة لها بين الأمم، أقطارها مفتتة يعادي بعضها بعضًا:
مَلايين مِنَ الأصفارِ   
يَغرَقُ وَسْطَها البَحْرُ..
وَحاصِلُ جَمْعِها: صِفْرُ!
أما نزار قباني فإنه يعلن وفاة أمته العربية، وهو يتساءل عن موعد إعلان وفاتها، إنه يتخيل وجود البلاد العربية تخيلًا فحسب، ويتخيل نفسه إنسانا كريمًا عزيزًا،له وطنه الذي يأوي إليه،إنه يحاول أن يوجد بلاده العربية من خلال الرسم، ولكنهم يمنعونه من ذلك.
أحاول رسم بلادٍ
تسمى مجازا بلاد العرب
سريري بها ثابتٌ
ورأسي بها ثابتٌ
لكي أعرف الفرق بين البلاد وبين السفن...
ولكنهم...أخذوا علبة الرسم مني.
ولم يسمحوا لي بتصوير وجه الوطن...
ويأتي الشاعر محمد نصيف ليلامس جلد أمته بقليل من القسوة في قصيدة «القدس ترف على أجنحة الجراح»؛ إذ يكتفي بانتظار أمته العربية لتداوي جراح المدينة المقدسة التي احتلها العدو. لقد خطفوا حلمه في تحريرها، وتركوهليعاني عذابات الشوق والانتظار، انتظار النصر.
متى نحث خيول الزحف جامحة
فالشوق أتعبنا والزحف ما أزفا
يا قدس إن كؤوس الحزن تدمينا
وحلمنا قبل أن يروي الظما خطفا
أخيرًا يطل علينا الشاعر صلاح جرار من بين الشعراء الأكاديميين في مجموعته التي تحمل عنوان «ترويدة الغيم والشفق» ليظهر في قصيدة «وجع الروح» أن تخاذل قومه العرب من أسباب علته في هذا الوجود بل إن صمتهم على عدوهم مصدر عجبه؛ لهذا فهو يراهم كالخشب لا يحسون ولا يحيون :
قوم لهم من علتي سبب   
قد نالني من صمتهم عجب
ناديتهم والروح موجعة
والقلب محزون و مضطرب
وسألتهم عونًا على زمني
فكأن من ناديتهم خشب
الذي نريد أن نقوله في هذا المقام إن الشاعر العربي اعتاد أن يقف في وجه أمته العربية، بوصفه كما يرى نفسه حارس قيمها، والغيور على ماضيها التليد، يلومها ويعاتبها حينًا،ويهجوها هجاء مقذعًا حينًا آخر، وفي أحيان كثيرة لا يكتفي بالهجاء واللوم بل يلعن كل من فيها، وحاضرها وماضيها. لكن، مع ذلك ،لا تخلو قصائد كثير من الشعراء،حتى من بين هؤلاء الذين جلدوا أمتهم، من الأمل في المستقبل الذي يصنعه اطفال هذه الأمة، مثل الشاعر خليل حاوي في قصيدة» الجسر «، ونزار قباني في قصيدة «أطفال الحجارة».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات