Sunday 16th of June 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Jun-2019

هل ماتت الديمقراطية في تركيا؟ الجواب في إعادة انتخابات بلدية إسطنبول

 الغد-كمال كيريسشي* – (معهد بروكينغز) 10/5/2019

يقال ان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي انتخب رئيساً لبلدية إسطنبول في العام 1994، أشار مرة إلى أن “مَن يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا”. وفي هذا الادعاء شيءٌ من المنطق، إذ تضم المدينة قرابة 15 في المائة من الناخبين الأتراك الذين يصل عددهم إلى 57 مليونا، وتستأثر بنسبة 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ولذلك، يمكن تخيل مدى خيبة إردوغان عندما فاز مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، بالمنصب في 31 آذار (مارس) الماضي. 
دعونا ننتقل بالزمن إلى 6 أيار (مايو)، عندما ألغى المجلس الأعلى للانتخابات نتائج الاقتراع، معلقا بذلك ولاية إمام أوغلو ومحددا التاريخ لإعادة الانتخابات في 23 حزيران (يونيو). ولا غرابة في أن يكون أردوغان قد رحب فوراً بالقرار، معتبراً أنه يمثل برهاناً على قوة الديمقراطية التركية وسيادة القانون. وفي غضون ذلك، كتب أحد الصحفيين الداعمين للحكومة أن القرار ساعد على تفكيك مؤامرة دولية مروعة (وغير محددة) ضد تركيا.
غير أن داعمي إمام أوغلو تظاهروا في شوارع إسطنبول، في ما اعتُبر أول تعبير واسع النطاق عن الغضب الشعبي منذ احتجاجات متنزه غازي في العام 2013. وحتى الرئيس التركي السابق عبدالله غول، مؤسس حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان الآن، انتقد القرار بشدة، واصفا إياه بأنه برهان على انتكاس الديمقراطية في تركيا.
ويدفع قرار المجلس بالديمقراطية التركية خطوة كبيرة أخرى نحو الهاوية، إلا في حال احترمت جولةُ إعادة الانتخابات معايير عقد انتخابات “حرة وعادلة”، والتي تعكس بصدق مشيئة سكان إسطنبول.
ما الذي حصل؟
أسفرت الانتخابات المحلية التي جرت في كل تركيا في 31 آذار (مارس) عن نتائج مفاجئة، والنتي أظهرت خسارة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية في عدد من المدن الكبرى المهمة (من بينها العاصمة أنقرة، بالإضافة إلى إسطنبول).
بشكل عام، عُزيت هذه الخسائر إلى فترة من التقلب الحاد في اقتصاد البلاد. وبالإجمال، لم يقتنع الناخبونب أن اللوم عن مشاكل تركيا الاقتصادية يقع على متآمرين داخليين وخارجيين يسعوَن إلى تقويض دولةٍ تركيةٍ كانت تزدهر في ظل قيادة أردوغان. وبالإضافة إلى ذلك، لم يحبذ الناخبون الرسالةَ التقسيمية التي أطلقتها حملة أردوغان، والتي قالت أن “بقاء” الدولة التركية و”استمراريتها” يعتمدان حرفياً عليه وعلى تحالفه السياسي مع حزب الحركة القومية اليميني. وخلال الحملة بأسرها، وصفَ أردوغان المعارضة بأنها مجموعة من الإرهابيين والخونة. وأخيراً، في حالة إسطنبول تحديداً، بث إمام أوغلو بأسلوبه غير المتأنق –وإنما الشعبي والودي- هواءً نقياً في مناخٍ سياسي تزداد عدائيته باطراد. وساعد ذلك على جذب ما يكفي من سكان إسطنبول، ومعاً تمكنوا من قهر جهود أردوغان بكسب الفوز لمرشحه المفضل بن علي يلدرم، وهو موالٍ عنيد ورئيس وزراء سابق. ويجدر ذكر أن إمام أوغلو شغل سابقاً منصب رئيس بلدية في إحدى المناطق التابعة للمدينة، وبالكاد كان اسمه معروفاً.
اتضح حتى قبل انتهاء عملية إحصاء عدد الأصوات أن حزب العدالة والتنمية وأردوغان لا يتقبلان الخسارة بسهولة. فقد أوقفت فجأة وكالة الأناضول التي تديرها الدولة نقل النتائج بعد أن ادعى يلدرم الفوز على إمام أوغلو على الرغم من أن أكثر من 1 في المائة من الأصوات لم تكن قد أحصيت بعد ومن أن التقدم بلغ حوالي 5 آلاف صوت فقط. وعلى نحو غير معهود، أوقف مجلس الانتخابات إصدار النتائج. ولكن، عندما اكتملت الحسابات، أعلن المجلس فوزَ إمام أوغلو بفارق يصل إلى قرابة 24 ألف صوت، الأمر الذي أفضى فوراً إلى اعتراضات من يلدرم، الذي ادعى بطريقة ما أنه لو كان له صوتٌ واحد إضافي فقط في الصناديق المتضمنة أكثر من 31.100 صوت لفاز هو في الانتخابات.
ثم قدم حزب العدالة والتنمية عدداً من الطعون الرسمية للمجلس، مدعياً أن مخالفات جرت في مراكز الاقتراع ومطالباً بإعادة عد الأصوات في عدد من أقسام مدينة إسطنبول الفرعية. وتمت معالجة هذه الطعون، مما سمح لإمام أوغلو بتسلم ولايته بعد تأخير لمدة ثلاثة أسابيع. لكن واحداً من الطعون ادعى بأن بعض المسؤولين الرسميين الذين خدموا في مراكز الاقتراع ليسوا من المدنيين، كما يقتضي القانون. واعتبر الطعن هذا العمل جزءاً من جهودٍ مدبَرة لمنع يلدرم وحزب العدالة والتنمية من الفوز. وخضع سبعة قضاة من أصل أحد عشر في المجلس أمام الضغط السياسي الهائل وأصدروا قراراً بإلغاء الانتخابات، مطلقين بذلك العنان لموجة من الانتقادات الحادة واسعة النطاق. وصدر عن كلٍ من رئيس اتحاد نقابات المحامين التركي ومعلق صحفي محافظ بارز انتقادٌ مهم مفاده أن المجلس لم يفسر سبب إلغائه قسماً واحداً فقط من الانتخابات. فعلى عكس المنافسة بين إمام أوغلو ويلدرم، اعتُبر التنافس الذي جرى للفوز بمناصب رؤساء البلديات للمناطق الفرعية وأعضاء المجالس البلدية والمخاتير صالحاً، على الرغم من أن عملية التصويت لهذه المناصب جرت أمام هؤلاء المسؤولين الرسميين نفسهم الذين اعترض حزب العدالة والتنمية عليهم. وهكذا، اعتبر إمام أوغلو وقائد حزب الخير المعارض ميرال أكشينار أن هذا القرار يطرح بالفعل علامات استفهام وتشكيك حول الانتخابات الرئاسية السابقة التي جرت في حزيران (يونيو) 2018 وفاز بها أردوغان، بالإضافة إلى استفتاء نيسان (أبريل) 2017، الذي منح أردوغان سلطات تنفيذية هائلة، وقد أُجريت هاتان العمليتان تحت إشراف هؤلاء المسؤولين الرسميين أنفسهم.
كيف وصلنا إلى هنا؟
لا يشكل هذا القرار مفاجأة عندما يستذكر المرء أن أردوغان سعى إلى تعطيل منظَم لضمانات الديمقراطية. ويشير بعض المراقبين إلى احتجاجات منتزه غازي في العام 2013 باعتبارها بداية حكمه السلطوي، لكن هذا التعطيل يتصل بشكل أوثق باستفتاء العام 2010، الذي هدف إلى تمهيد الطريق أمام لبرلة أكبر في تركيا. وقد حصلت المبادرة على مباركة الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الليبراليين الذين عملوا بجهد لحشد الدعم لها تحت شعار “نعم. ولكن لا يكفي”. وبدل تنفيذ إصلاحات إضافية كجزء من جهود تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، استخدم أردوغان النتائج المؤاتية لإضافة تشريع يلغي تدريجياً استقلالية السلطة القضائية ويضعها في نهاية المطاف تحت سيطرته الكاملة. ويُعتبر هذا الاستفتاء وما تبعه نقطةَ تحول في جهود أردوغان لترسيخ حكمه السلطوي.
شكل العام 2014 نقطةَ تحول أهم، فقد أصبح أردوغان الرئيسَ التركي الأول المنتخَب من الشعب (في السابق كان البرلمان ينتخب الرئيس). وقال إنه يمثل مشيئة الشعب وأيد استبدالَ النظام البرلماني بنظام رئاسي.
وشكلت محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) 2016، التي تم تحميل مسؤوليتها في تركيا بالإجمال للموظفين والمدنيين المرتبطين بجماعة غولِن، “هديةً من الله”، بحسب تعبير أردوغان، والتي أتاحت له “تطهير” الجيش ثم توسيع الرد على الانقلاب لسحق المعارضة المتبقية. واستغل أردوغان ما حدث أيضاً لتطبيق نظام الطوارئ، مهمشاً بذلك البرلمان ومزيلاً الضوابط والموازين المتبقية على سلطته.
وفي استفتاء أثار الكثير من الجدل في نيسان (أبريل) 2017، وبأغلبية ضئيلة بلغت 51.4 في المائة فقط، ثبت أردوغان ولايته الرئاسية بحكم الواقع في الدستور. وتتسم سلطته الآن بعدم وجود ضوابط ورقابة كافية، وبتَركُزٍ كثيف للسلطة في يد صاحب منصب واحد وإشراف برلماني محدود وتدهور جدي لاستقلالية القضاء. ومع تحقيقه هذه النتيجة، تم انتخابه في حزيران (يونيو( 2018 لترؤس هذا النظام الجديد للحكم، والمتسم مركزي جداً.
ماذا بعد؟
جاء قرار مجلس الانتخابات نتيجةَ لهذه العملية الممتدة على عقدٍ من الزمن. ووفق عضو معارض سابق في البرلمان التركي، تعكس هذه الخطوةُ انتقالَ تركيا “إلى دولة سلطوية بوضوح، من دون ديمقراطية الاقتراع ولاحتى سيادة القانون”.
كما كتبت مجلة “الإيكونوميست” مؤخراً، سوف يحاول أردوغان الآن أن يستعيد المدينة لحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه، “بالإكراه أو الحُسنى”. فالمخاطر الاقتصادية والسياسية مرتفعة. ولكن، وكما حدث في 31 آذار (مارس)، لن تشكل إعادة الانتخابات منافسةً بين المرشحَين على رئاسة إمام أوغلو ويلدرم للبلدية. لكن ما يتم التصويت عليها فعلياً هو شرعية قرار المجلس بإبطال نتائج الانتخابات الأولى والإيمان بقدرة أردوغان على إقامة “دولة تركية أقوى وأكثر ازدهاراً وديمقراطية وبسلطة قضائية أكثر استقلالاً”، كما وعد في السابق. وبذلك، سوف تكون الانتخابات منافسة بين خطاب أردوغان، الذي يتسم بالشعبوية والتقسيمية والغضب، و”القوة الهادئة” التي يتحلى بها إمام أوغلو والمدعومة بخطاب شامل وإيجابي. وبالنسبة لناخبين ضاقوا ذرعاً بحملة الإدانات والاتهامات والمؤامرات المروعة التي تهدد أمن تركيا ويطلقها أردوغان، سوف يكون التصويت ليلدرم صعباً.
ولكن، حتى إن فاز يلدرم، فسيكون من الصعب معرفة كيف سيتمكن أردوغان من معالجة مشاكل تركيا المتكدسة والفوز بقلوب الناخبين وعقولهم والمحافظة على حكمه حتى الانتخابات التالية المقررة في العام 2023. فالاقتصاد يشهد تدهوراً سريعاً مع تزايد التضخم والبطالة بثبات، وتخسر الليرة التركية من قيمتها بوتيرة مقلقة، ويغادر الاستثمار الأجنبي المباشر (بالإضافة إلى الرأسمال البشري) تركيا، علماً بأنها تحتاج إليهما بشدة. ومن الناحية السياسية، يقلص خطاب أردوغان وسياسته قاعدتَه الانتخابية. وهو يواجه انتقادات علنية متزايدة مع استقالة معلقين صحفيين داعمين للحكومة من مناصبهم وتعبيرهم عن تأييدهم إمام أوغلو. وينخرط وزراؤه السابقون وزملاؤه القادة في الحزب في جهود لتشكيل حزب سياسي بديل يحترم المبادئ الأساسية لحزب العدالة والتنمية حقاً، على الرغم من تحذير أردوغان بـ”بعدم ارتكاب خيانة”. وتبرز أيضاً أزمات سياسات خارجية وأزماتٌ استراتيجية هائلة تتطلب حلاً سريعاً، بدءاً من انتشال تركيا من ورطة سورية، وصولاً إلى حل الأزمات المتفاقمة مع الولايات المتحدة واتخاذ القرار في ما إذا كانت تركيا ستبقى جزءاً من التحالف عبر الأطلسي أم لا.
يتطلب النظام الذي وضعه أردوغان أن يعالج هو بمفرده قائمة المشاكل المتزايدة. وليس سراً أن أكثر من 21 ألف قرار تنتظر توقيعه لبدء التنفيذ. غير أنه لا يمكن لأي إنسان أن يهتم بهذا القدر من القرارات من دون تقاسم السلطة. ويُعتبَر قرار المجلس شبيهاً بتسديد أحدهم هدفاً في مرماه الخاص، الأمر الذي أوصل أردوغان إلى مفترق طرق، فهل سيُصلح النظامَ الذي وضعه أم سينهار تحت ثله؟ كلا القرارَين صعب، غير أن الشرط اللازم لتحقق الاحتمال الأول يتمثل في الحرص على أن تكون الانتخابات المقررة في 23 حزيران (يونيو) حرةً وعادلة. وسيكون البديل موت الديمقراطية التركية، وهو شأن كارثي على البلاد وعلى إرث أردوغان، الذي ساعد تركيا من قبل على التمتع بديمقراطية ليبرالية واستقرار وازدهار ومكانة دولية مرموقة.
 
*زميل رفيع في “توسياد” للسياسة الخارجية، مركز العلاقات المتحدة وأوروبا، مدير مشروع تركيا.
سوف يحاول أردوغان استعادة منصب عمدة مدينة اسطنبول لحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه، “بالإكراه أو الحُسنى”
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات