الغد
معاريف
يوعنا غونين
كانت نسبة التصويت أعلى بكثير من المعتاد، والطوابير الطويلة التي وقفت على مداخل مراكز الاقتراع فعلت ما عجزت الاستطلاعات عن توقعه. عند إعلان النتائج تبين بوضوح أن زعيم اليمين الشعبوي، الذي كان يبدو أن أي شيء لن ينجح في إزاحته من منصبه، قد خسر. لسنوات أحكم قبضته على مؤسسات الدولة والإعلام وصور خصومه كخونة وسوق نفسه باعتباره الضمانة الوحيدة للاستقرار والأمن. في عهده تفشى الفساد وأدى الإهمال إلى كارثة تسببت بقتل مواطنين. حتى بعد ذلك استمر في الحكم والتحريض، لكن المواطنين سئموا، وتدفقوا إلى مراكز الاقتراع لاسقاطه.
نعم، قرأتم ذلك بشكل صحيح. هذه ليس مقال تنبؤ، ولم يأت الغد بعد، هذا ما حدث قبل يومين في صربيا. هزم الكسندر فوتشيتش، صديق نتنياهو، على يد حركة احتجاج اندلعت في أعقاب انهيار سقف محطة قطار في مدينة نوفي ساد. تسببت الكارثة بقتل 16 شخصا. خلال عامين تقريبا ناضل المواطنون لمحاسبة المسؤولين عن هذا الانهيار. في هذا الأسبوع دفع هؤلاء الثمن أخيرا.
ربما يظهر هذا للإسرائيليين كخيال علمي. ففي الواقع الذي نعرفه، حتى المذبحة وإطلاق سراح الرهائن والحرب التي لا تنتهي، لم تكن كافية لإبعاد المسؤولين. بالنسبة لهم سقف سقف، أما بالنسبة لنا فقد سقطت السماء.
لم تكن صربيا وحدها هي التي انتصرت في المعركة ضد القوى التي تسعى إلى تدمير الديمقراطية قبل يومين. ففي البرازيل، في نفس اليوم، هزم الرئيس لولا ديسلفا فلافيو بولسينارو، ممثل اليمين المتطرف وابن الرئيس السابق غير بولسينارو (الذي حكم عليه بالسجن بسبب التخطيط لانقلاب عسكري من أجل البقاء في الحكم). خسر لولا الجولة الأولى بفرق صغير، لكنه تمكن من قلب النتيجة في الجولة الثانية، خلافا للتوقعات، بفضل حشد شعبي غفير حشد جمهور واسع من الناخبين. وفي البرازيل، مثلما في صربيا، كانت نسبة التصويت حاسمة.
من غير الواضح ما الذي يمكن أن يفعله بنيامين نتنياهو لإقناع الرأي العام بضرورة إزاحته. فما كشف عنه في الأسبوع الماضي وحده كفيل بإسقاط أي حكومة في أي دولة سليمة. أرسل طائرات إلى الحدود الإيرانية على أمل أن يسقطها الإيرانيون. وقد أحبط رئيس الأركان ايال زمير والإدارة الأميركية مساعيه لإشعال حرب قبل الانتخابات. هيأ نتنياهو الرأي العام للعقوبات الاقتصادية بوعد مطمئن بإمكانية الالتفاف عليها باستخدام العملة المشفرة. ووعد حاخام مشتبه فيه بجرائم تحرش جنسي ضد قاصرين بمنصب نائب وزير مقابل انسحاب حزبه من الانتخابات. وحصل مستشاره المقرب يونتان اوريخ على 1.2 مليون شيكل اثناء الحرب لتمويل مشاريع في دول اجنبية. أما رئيس الحكومة نفسه فيتنقل بين الاستوديوهات كي يشرح للمواطنين انهم سيدمرون اذا لم ينتخبوه. لا يظهر عليه العجز فقط، بل يظهر عليه الجنون التام.
"عشرة أيام قد تهز العالم"، هكذا وصفت "الغارديان" البريطانية سلسلة الانتخابات في البرازيل وصربيا وإسرائيل وامريكا قبل أيام. اربع حملات انتخابية "قد تدفع العالم اكثر نحو الاستبداد الذي يسلكه حاليا أو تشير إلى عودة محدودة إلى المعايير الديمقراطية". ومنذ ذلك الحين فاز "الأخيار" في اثنتين منها، واليوم جاء دورنا.
في شوارع بلغراد وساوباولو رقص الناس وتعانقوا وبكوا من شدة الفرح. قال طالب يحتفل في بلغراد لوكالة "رويترز": "الآن يمكننا تنفس الصعداء". يجدر بنا التوقف عند هذه الكلمة "نتنفس"، لن تحل كل المشكلات، وبالتأكيد ليس في يوم واحد. ولكن على الأقل سنتوقف عن الشعور باننا في خضم مسيرة مرهقة ومستمرة نحو الهلاك. لقد وصفت الأجواء في صربيا قبل أيام بانها "نشوة". يمكننا نحن أيضا ان نعيش أمسية كهذه. ولكن كي نخرج إلى الشوارع للاحتفال يجب علينا أولا الخروج من البيوت للتصويت، جميعنا.