الغد -
كشفت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن حجم التمويل المتاح لعملياتها في الأردن لم يتجاوز نحو 80 مليون دولار من أصل 280 مليون دولار تمثل إجمالي احتياجاتها المالية للعام الحالي، لتبلغ نسبة التمويل نحو 29 % فقط خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، في وقت تحذر فيه المفوضية من انعكاسات اتساع فجوة التمويل على قدرتها وشركائها على الاستمرار في تقديم المساعدات والخدمات الأساسية للاجئين الأكثر ضعفاً.
وتأتي هذه الفجوة التمويلية رغم عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين من الأردن إلى سورية، إذ لا يزال نحو 345 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى المفوضية في المملكة، فيما تؤكد المفوضية أن استمرار العودة لا يعني انتهاء الاحتياجات الإنسانية للاجئين الذين ما يزالون في الأردن، وفق المتحدث باسم المفوضية يوسف طه.
وأوضح طه لـ"الغد" أن من أسباب تردد اللاجئين السوريين بالعودة، المخاوف المتعلقة بالأمن، وتعذر الحصول على الخدمات الأساسية، وشحة فرص العمل، إلى جانب أوضاع السكن والممتلكات، مؤكداً أن المفوضية ترى أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، وأن قرار توقيتها يجب أن يبقى قراراً فردياً تتخذه الأسر اللاجئة بناء على تقييمها لظروفها الخاصة.
تحديات غير مسبوقة
وفي موازاة ذلك، أشار طه إلى أن المفوضية وشركاءها الإنسانيين في الأردن يواجهون تحدياً غير مسبوق نتيجة النقص الحاد في التمويل، إذ لم يتوفر سوى 29 % من الاحتياجات المالية المطلوبة لميزانية المفوضية في الأردن للعام 2026.
وبين أن هذا العجز يؤثر على قدرة الجهات الإنسانية على الاستمرار في تقديم المساعدات الأساسية والخدمات المنقذة للحياة للفئات الأكثر ضعفاً، بما يشمل الدعم النقدي والرعاية الصحية وخدمات الحماية والتعليم، فضلاً عن المساعدات الموجهة للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
وأكد أن استمرار الأردن في استضافة اللاجئين وتحمل مسؤولية إنسانية كبيرة يستدعي استمرار الدعم الدولي، وألا تترك المملكة وحدها في مواجهة أعباء اللجوء، لافتاً إلى أنه مثلما حظيت أزمة اللجوء السوري باهتمام ودعم دوليين واسعين في بداياتها، فإن المرحلة الحالية لا تقل أهمية، وقد تكون أكثر حساسية.
وشدد على ضرورة ألا يغفل المجتمع الدولي الأردن والدول المستضيفة الأخرى، وأن يعزز دعمه بما يضمن استمرار الحماية والخدمات الأساسية للاجئين، إلى جانب الحفاظ على استقرار المجتمعات المستضيفة وقدرتها على الصمود.
تداعيات إنسانية
ويأتي تراجع تمويل عمليات المفوضية في الأردن ضمن أزمة تمويل أوسع تواجهها المنظمة على المستوى العالمي، دفعتها إلى التحذير من تداعيات إنسانية مباشرة قد تطال ملايين اللاجئين والنازحين قسراً وعديمي الجنسية.
وكانت المفوضية حذرت في تقريرها "تآكل الحماية: التكلفة الإنسانية لنقص التمويل" من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً وعديم الجنسية باتوا مهددين بفقدان مساعدات وخدمات حيوية نتيجة النقص الحاد والمستمر في التمويل.
وبحسب التقرير، تواجه أنظمة دعم وحماية اللاجئين ضغوطاً متزايدة، خصوصاً في أزمات النزوح الكبرى حول العالم، فيما دفعت القيود التمويلية المفوضية إلى تقليص عدد من برامجها الأساسية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على هذه البرامج لتأمين احتياجاتهم الأساسية والحصول على الحماية.
وتظهر أرقام المفوضية حجم التراجع في الموارد المتاحة، إذ انخفض التمويل من 5.2 مليار دولار في العام 2024 إلى 3.9 مليار دولار في العام 2025. وحتى نهاية تموز (يوليو) 2026، لم تتلق المفوضية سوى 32 % من أصل 8.5 مليار دولار تحتاجها لتغطية عملياتها خلال العام الحالي، رغم وصول أعداد الأشخاص المشمولين بولايتها والمحتاجين إلى الحماية إلى مستويات قياسية.
وحذرت مديرة العلاقات الخارجية في المفوضية دومينيك هايد من أن انعكاسات نقص التمويل تتجاوز مجرد تخفيض قيمة المساعدات أو عدد المستفيدين منها، لتطال في بعض الحالات البنية الأساسية لمنظومة الحماية نفسها.
وقالت هايد إن توقف عمليات التسجيل أو إغلاق البيوت الآمنة أو اختفاء خدمات حماية الأطفال يعني عودة المخاطر التي فر منها اللاجئون والنازحون، بما فيها العنف والاستغلال والانتهاكات، لتلاحقهم مجدداً في أماكن النزوح.
وأضافت إن ذلك يبقي الأسر في دائرة من الهشاشة، وقد يدفع بعض الأشخاص إلى النزوح مرة أخرى بحثاً عن الأمان، أو يجعلهم أكثر عرضة للاتجار بالبشر.
وأكدت أنه "لا يمكن تقليص خدمات الحماية إلى ما لا نهاية دون أن تنهار المنظومة بأكملها"، موضحة أنه عند الوصول إلى مستوى معين من التخفيضات، لا تعود المشكلة مقتصرة على وصول الخدمات إلى أعداد أقل، وإنما قد تتوقف بعض الخدمات بالكامل، ما يترك الفئات الأكثر عرضة للمخاطر من دون الحماية التي تحتاجها.
التمويل المرن
وفي ظل اتساع فجوات التمويل، تشدد المفوضية كذلك على أهمية ما تصفه بـ"التمويل المرن"، الذي يسمح لها بتوجيه الموارد والخبرات إلى المناطق والبرامج التي تكون الحاجة إليها أكبر، والتحرك بصورة أسرع مع تغير الاحتياجات والأولويات الإنسانية.
وقالت هايد إن هذا النوع من التمويل يتيح لفرق المفوضية توفير الخدمات الأساسية والاستمرار على الأرض عند تفاقم الأزمات، كما يمنحها القدرة على الاستجابة لحالات الطوارئ الجديدة من دون التخلي عن الأزمات الإنسانية التي تراجعت عن دائرة الاهتمام الدولي والإعلامي.
وتدعو المفوضية في هذا السياق الجهات المانحة والشركاء إلى زيادة الدعم وتوفير تمويل عاجل ومرن، للحفاظ على برامج الحماية والخدمات الأساسية، ومساعدة اللاجئين والنازحين على تجاوز الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الإنسانية، وتمكينهم من إعادة بناء حياتهم بقدر أكبر من الاستقرار.
وتضع هذه المعطيات عمليات المفوضية في الأردن أمام تحد مزدوج؛ فمن جهة تتواصل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ومن جهة أخرى ما يزال مئات الآلاف منهم في المملكة بحاجة إلى أشكال مختلفة من الدعم والحماية، في وقت لا يغطي فيه التمويل المتاح سوى أقل من ثلث الاحتياجات المالية المقدرة للعام الحالي.