الغد
هآرتس
بقلم: ياعيل شترنهل
إذا لم تتمكنوا من متابعة التقلبات الأخيرة في سياسة الرئيس الأميركي ترامب في الخليج الفارسي، أنتم لم تفوتوا الكثير. فقد أعلن ترامب عن عملية جريئة لتحرير السفن في مضيق هرمز، ثم قام بإلغائها بعد يومين بذريعة أن اتفاق سلام بين الطرفين أصبح وشيكًا. تبين أن المبدأ الذي يوجه سلوك الرئيس بقي في ذهنه منذ بداية الحرب. فهو ممزق بين رغبته في تخليد اسمه في التاريخ كقائد عسكري ورجل دولة قام بتغيير العالم، والرغبة في كسب ود الجمهور الأميركي.
حتى بعد أكثر من شهرين على محاولات إخضاع إيران، يرفض ترامب الاعتراف بأن التوفيق مستحيل بين هذين الأمرين. النصر السريع والساحر الذي أمله لن يتحقق، وهو يواجه الآن خيارين، إما اتفاق دبلوماسي يتطلب تنازلات أو حرب طويلة مكلفة ودموية، حرب ستجعله شخصًا مكروهًا من قبل العامة، وستجعله نسخة طبق الأصل عن جورج بوش، الذي جر الولايات المتحدة إلى مشكلات في العراق وفي أفغانستان.
من الصعب لوم ترامب على عدم تقبله للوضع، فهذه هي طبيعته. لعقود دأب على تزوير الواقع ليناسب مصالحه. ووفقًا لتقارير صحفية عندما كان مطورًا عقاريًا تحايل على قوانين كثيرة، وانتهك دائمًا الاتفاقات مع شركاء العمل والمقاولين والموظفين. خلال مسيرته المهنية تورط ترامب في أكثر من 4 آلاف قضية قانونية، بما في ذلك 6 حالات إعلان إفلاس. ورغم ذلك تمكن من إعلان الإفلاس في كل مرة والانتقال إلى مشروع تجاري جديد دون أن يتحمل تبعية التعقيدات والإخفاقات التي واجهته.
خبرته في عالم الترفيه زادت حدة هذا التأثير. خلال المواسم الـ14 التي شارك فيها في برنامج الواقع "المتدرب" خاض تجربة في صياغة واقع شبه خيالي: حتى عندما لم يكن له دور في تحديد مسار المنافسة، بل كان يستجيب لتوجيهات المنتج، لعب أمام الكاميرا دور الحكم الأعلى الذي يقرر مصير المتسابقين. وخلال ذلك أصبح نجمًا تلفزيونيًا وحقق أرباحًا تجاوزت 200 مليون دولار.
لقد ترك ترامب برنامج "المتدرب" كي يخوض غمار الانتخابات للرئاسة، وهناك أيضًا ظهر أن الواقع يُصاغ وفقًا لإرادته. دخوله إلى عالم السياسة، الذي نُظر إليه في البداية كخدعة تسويقية، خلق حركة جماهيرية من لا شيء، وغير مسار الولايات المتحدة خلال فترة حكم باراك أوباما. لم توقف حملته الانتخابية أي تصريحات فاضحة أو فضائح من ماضيه المثير للجدل، عندما كان شابًا نيويوركيًا متهورًا. خلافًا للتوقعات والاستطلاعات ظهر انتخابه كرئيس للولايات المتحدة كدليل على براعته في قراءة أفكار مؤيديه، وقدرته على حشد تأييد الكثير من العمال والمزارعين الذين كانوا يمتنعون عن التصويت في السابق لعدم الشعور بوجود من يمثلهم.
رغم أن ولاية ترامب الأولى كانت مشوبة بفضائح كثيرة إلا أنه اجتازها بسلام ونجا من محاكمة العزل في الكونغرس. وعندما لم يتم انتخابه لولاية ثانية أقنع نفسه ومساعديه بأنه تمت سرقة الانتخابات منه. وبعد أربع سنوات نجح في إقناع عدد أكبر من الأميركيين بأن موهبته السياسية وخبرته في مجال الأعمال ستخفض غلاء المعيشة، وتحد من تدفق ملايين المهاجرين، وتعيد لهم الشعور بالسيطرة على البلاد.
إن التجربة الوحيدة التي تقارب ما يمر فيه ترامب في حربه مع إيران هي وباء الكورونا، الذي فاجأه مثل الصاعقة في يوم صافٍ، وكان خارجًا عن سيطرته كليًا. لقد كافح للرد على الأمر بعقلانية، وفي حالة لا تُنسى تكهن بشكل علني إذا ما كان ينبغي على الأميركيين حقن أنفسهم بمادة الإيكونوميكا، مادة تبييض تحتوي على صوديوم هايبوكلورات، من أجل القضاء على الفيروس في أجسامهم. وفي وقت لاحق من ذلك العام أقاله الشعب، لكن فيروس الكورونا كان حدثًا عالميًا شكل تحديًا لكل رئيس دولة في العالم، وهو لم يكن مسؤولية ترامب. فقد كانت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الفيدرالية مجهزة بخبراء قادرين على تقديم إرشادات مهنية للأميركيين، ووضع حكام الولايات سياسات الإغلاق وارتداء الكمامات، الأمر الذي أثار غضب واستياء الملايين. يعتبر فيروس الكورونا حدثًا صادمًا بالنسبة لمعظم الأميركيين، لكن ضرره ومعاناته لا تُنسب لترامب.
أما بالنسبة لإيران فالوضع مختلف. فلم تكن هناك ظروف خارجية، ولا يستطيع الرئيس لوم أي شخص آخر. هذه حربه، التي شنها رغم عدم وجود تهديد مباشر على الولايات المتحدة. ويبدو أنه كان على قناعة بأن هجومًا خاطفًا سيسقط النظام بعد 47 سنة، وسيسجل كإنجاز بمستوى نابليون. كانت هذه المجازفة خطأ كبيرًا، والآن يجد ترامب نفسه عالقًا في حملة انتخابات فاشلة ضد خصم جريء وعنيد ومحنك لا يخضع للإملاءات ولا يمكن السيطرة عليه.