الثقافة في مواجهة الإرهاب.. صوت الوحدة الوطنية يعلو على الفتنة وخطاب الكراهية
الرأي - فاتن الكوري
في مواجهة الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك وما خلّفته من ضحايا أبرياء ومصابين، تتجدد مواقف الرفض والإدانة للعنف واستهداف دور العبادة وتتأكد أهمية الدور الذي تضطلع به الثقافة والفنون والآداب في حماية النسيج الاجتماعي وترسيخ قيم المواطنة والتسامح والتآخي بين أبناء المجتمع الأردني.
وتعكس المواقف التي عبّرت عنها مؤسسات ثقافية وفنية وأدبية أردنية، كلٌّ من موقعه وبالوسيلة التي اختارها للتعبير، رفضاً واضحاً للاعتداء، وتمسكاً بالوحدة الوطنية والعيش المشترك، ورفضاً لكل خطاب يسعى إلى بث الكراهية أو استغلال الدين لإثارة الفتنة والانقسام. كما تؤكد هذه المواقف أن استهداف الأبرياء ودور العبادة لا يمسّ فئة بعينها بل يعتدي على قيم المجتمع بأكمله، وعلى حق الإنسان في الحياة والأمن والعبادة.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية الموقف الثقافي بوصفه جزءاً من الموقف الوطني العام، إذ لا تقتصر مسؤولية الثقافة على إنتاج المعرفة والإبداع والاحتفاء بالفنون والآداب، بل تمتد إلى الدفاع عن كرامة الإنسان، وتعزيز الوعي المجتمعي، ومواجهة الأفكار المتطرفة التي تنقض قيم التعايش والاحترام المتبادل.
وقفة بالشموع.. الفن وفاء للضحايا ورسالة للسلام
وفي موقف عبّر عن التضامن الإنساني مع الضحايا وذويهم، نظّمت نقابة الفنانين الأردنيين وقفة تضامنية بالشموع في باحة المركز الثقافي الملكي بمشاركة فنانين أردنيين وفاءً لأرواح الشهداء، وتأكيداً على رفض أشكال العنف والاعتداء على دور العبادة والإنسانية.
وجسّدت الوقفة من خلال إضاءة الشموع، مشهداً رمزياً حمل رسالة حزن وتضامن، وأكد أن الفن ليس منفصلاً عن قضايا المجتمع وآلامه بل يمتلك القدرة على التعبير عن الوجدان الإنساني، والدفاع عن قيم المحبة والسلام والتسامح والتآخي.
وأكدت النقابة أن الوحدة الوطنية والإنسانية ستبقيان أقوى من العنف والانقسام، في رسالة تضع الإنسان في صدارة الموقف، وترفض أن تتحول الجريمة إلى ذريعة للكراهية أو المساس بالعلاقات التي تجمع أبناء الوطن الواحد.
«اتحاد الناشرين»: «مواجهة التطرف تبدأ بالفكر والثقافة»
من جهته، أدان اتحاد الناشرين الأردنيين، في بيان صحفي، الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الكنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك، مؤكداً أن هذا الفعل الإجرامي يتنافى مع القيم الإنسانية وأعراف التعايش التاريخية التي جمعت الأردنيين، ويشكّل اعتداءً على النسيج الاجتماعي الوطني.
وشدد رئيس الاتحاد جبر أبو فارس على أن محاولات بث الفتنة وشق الصف الوطني لن تنال من تماسك الجبهة الداخلية، مثمناً جهود الأجهزة الأمنية وتضحياتها في حماية أمن المملكة واستقرارها.
وأكد البيان أن استهداف دور العبادة والمواطنين الآمنين يمثل خطاً أحمر، وأن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيه، بل تتطلب أيضاً معركة فكرية وثقافية شاملة، تعمل على تجفيف منابع الخطاب المتطرف، وتعزيز قيم التسامح والاعتدال والتعددية، وحماية الأجيال من الأفكار التي تحرّض على الكراهية والإقصاء.
ويبرز هذا الموقف أهمية الكتاب والنشر في بناء الوعي العام، ودور المعرفة في مواجهة الأفكار الظلامية، وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، بما يجعل الثقافة إحدى أدوات حماية المجتمع من التطرف والانغلاق.
«اتحاد الكتّاب والأدباء»: الإرهاب لن ينال من لحمتنا الوطنية
بدوره، أصدر اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين بيان شجب واستنكار، عبّر فيه عن بالغ الحزن والأسى إزاء الجريمة التي استهدفت الكنيسة، واصفاً الاعتداء بالإرهابي والجبان، ومؤكداً رفضه المطلق لهذا العمل الذي يناقض القيم الأخلاقية والإنسانية.
وتقدم رئيس الاتحاد الشاعر عليان موسى العدوان باسمه وباسم الهيئتين الإدارية والعامة، بأحر التعازي والمواساة إلى القيادة الهاشمية والحكومة الأردنية وأبناء الشعب الأردني وذوي الضحايا داعياً بالشفاء العاجل للمصابين.
وأكد الاتحاد أن الإرهاب لن ينال من أمن الأردن وكرامته ولن يستطيع المساس بلحمته الوطنية وتنوعه الاجتماعي مشدداً على أن المصائب لن تزيد الأردنيين إلا ثباتاً وتكاتفاً وتمسكاً بوحدتهم.
ويأتي موقف الاتحاد ليؤكد مسؤولية الكلمة والأدب في التعبير عن ضمير المجتمع، ورفض كل ما من شأنه تمزيق الروابط الإنسانية أو تحويل الاختلاف الديني والثقافي إلى مدخل للصراع فالكلمة التي تنحاز إلى الإنسان والحق والحياة تظل جزءاً من مواجهة التطرف وترسيخ الوعي الوطني.
«الفنانين التشكيليين»: «الاعتداء مساس بلوحة العيش المشترك»
من جانبها، أدانت رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين الاعتداء الإرهابي، معربة عن صدمتها وغضبها إزاء استهداف الكنيسة، ومؤكدة أن الجريمة لم تستهدف جدران مكان للعبادة فحسب بل طالت رمزية العيش المشترك والنسيج الاجتماعي الذي بناه الأردنيون عبر العقود.
وأشارت الرابطة إلى أن الفن والثقافة شكّلا على الدوام مرآة للأخوّة الراسخة بين الأردنيين وتجسيداً لقيم التسامح والمواطنة والمصير المشترك معتبرة أن محاولات زعزعة النسيج الاجتماعي غريبة عن تقاليد المجتمع الأردني وقيمه.
وشددت الرابطة على رفض الفكر التكفيري الذي يسعى إلى نشر الكراهية والاعتداء على دور العبادة الآمنة، مؤكدة أهمية الوحدة الوطنية ومشيدة بدور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية الوطن وملاحقة مرتكبي الجرائم، مع تقديم التعازي لأسر الضحايا والدعاء للمصابين بالشفاء العاجل.
وفي دلالة تتجاوز التعبير الفني المباشر، يحضر الفن التشكيلي هنا بوصفه مساحة لتجسيد التنوع والتعدد، وتأكيد أن اختلاف المعتقدات والخلفيات لا ينتقص من وحدة المجتمع، بل يندرج ضمن ملامح هويته الإنسانية والوطنية.
الثقافة في مواجهة خطاب الكراهية
وتلتقي هذه المواقف عند ضرورة عدم السماح للجريمة بأن تتحول إلى مدخل للفتنة أو التمييز أو أن تنال من العلاقات التاريخية التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن، حيث يشكّل العيش المشترك والمواطنة واحترام دور العبادة مبادئ أساسية في صون الاستقرار الاجتماعي.
كما تبرز هذه المواقف الحاجة إلى استمرار العمل الثقافي والفكري في مواجهة التطرف، من خلال الكتاب والفن والمسرح والسينما والأنشطة الثقافية، وتوسيع المساحات التي تتيح الحوار والتفكير النقدي، وتعزز لدى الأجيال الجديدة احترام الإنسان وحقه في الاختلاف والعيش بأمان وكرامة.
فالثقافة، في لحظات الألم الوطني، لا تكتفي برصد الحدث أو التعبير عن الحزن، وإنما تسهم في حماية المعنى الذي يجمع الناس، وتؤكد أن مواجهة الكراهية تبدأ برفضها فكرياً وأخلاقياً، وبترسيخ خطاب يؤمن بالتعددية ويصون كرامة الإنسان.
وبين وقفة الشموع وبيانات الإدانة، تتقدم رسالة المؤسسات الثقافية والفنية والأدبية لتؤكد أن الحزن على الضحايا مسؤولية إنسانية مشتركة، وأن حماية المجتمع من الفتنة مسؤولية وطنية جامعة، وأن الاعتداء على مكان للعبادة لا يمكن أن يبرر تعميم الاتهام أو استهداف أي فئة من أبناء الوطن.
إن الأردن، بتاريخه وتنوعه الاجتماعي، يستند إلى روابط وطنية وإنسانية تتجاوز الاختلاف الديني، وتؤكد أن المسلمين والمسيحيين شركاء في الوطن والمصير، وأن الإرهاب لن ينجح في تقويض هذه الشراكة. وستظل الثقافة والفنون والآداب منابر للدفاع عن الحياة والتسامح والتآخي، وصون وحدة المجتمع في مواجهة العنف والكراهية.