الغد
معاريف
بقلم: د. موشيه العاد
منذ عهد الانتداب وحتى أيامنا هذه لا يزال البريطانيون يفضلون الخطوة التي تبدو صحيحة وواجبة في لحظة معينة، حتى لو كان السؤال الأهم حقا هو ماذا ستكون نتائجها. فمقاطعة منتج مصدره في المستوطنات هي مثال جيد على ذلك. الفكرة من خلفها واضحة: إذا كانت المستوطنات هي جزء من المشكلة فينبغي فرض عقوبات اقتصادية عليها. غير أن الطريق من المنتج الذي على الرف إلى تغيير الواقع السياسي أطول بكثير مما يخيل.
أحد الأمثلة التي تجسد هذا بالملموس هو قصة شركة "صودا ستريم". على مدى سنين عمل مصنع "صودا ستريم" في ميشور ادوميم وشغل نحو 1.300 عامل، بينهم مئات العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية. تحولت الشركة الناجحة إلى أحد أهداف حركة المقاطعة الدولية بسبب موقع المصنع خلف الخط الأخضر. في 2014 أعلنت "صودا ستريم" عن نقل المصنع إلى النقب. اغلق المصنع في ميشور ادوميم في العام 2015، وانتقل العمل إلى منطقة لهافيم. في أعقاب الانتقال فقد مئات العمال الفلسطينيين مكان عملهم. الشركة نفسها لم تختفي. ما لا يفهمه الأوروبيون هو أن مقاطعة المنتج ليست بالضرورة مقاطعة المستوطنات.
على مدى قرابة عقدين جرت في دول مختلفة محاولات لمقاطعة أو تقييد تسويق منتجات مصدرها المستوطنات. الهدف: خلق ثمن اقتصادي للعمل خلف الخط الأخضر وتحفيز إسرائيل على تغيير سياستها. غير انه يوجد فارق جوهري بين المس بالمنتج وبين المس بالآلية التي تنتج وتوسع المستوطنات. المصنع يمكنه أن ينتقل إلى أراضي إسرائيل. المنتج يمكنه أن يباع في السوق الإسرائيلية أو في أسواق أخرى. أحيانا يكون ممكنا تغيير مبنى العمل بحيث تضر المقاطعة بقدر اقل مما خطط لها.
هنا ينشأ تناقض. فسياسة هدفها ممارسة الضغط على إسرائيل وتحسين وضع الفلسطينيين من شأنها، إذا لم تكن تترافق وسياسة استكمالية أن تمس بالذات بالأشخاص الذين يعملون في المصانع التي يمارس عليها الضغط. فإذا كانت بريطانيا ودول أخرى تريد أن تقلص العمل الاقتصادي في المستوطنات، فان عليها أن تفكر بالتوازي كيف تسمح للعامل الفلسطيني أن ينتقل من مصنع في المستوطنات إلى مصنع فلسطيني وليس من قاعة الإنتاج إلى قاعة البطالة.
توجد أسباب أخرى لفشل المقاطعة المرة تلو الأخرى. فمثلا من الصعب متابعة مصدر المنتج. منتج ينتقل من المصنع إلى معمل التغليف، إلى شركة التسويق، إلى المصدر والمورد، يمكنه أن يتنقل بين الأيادي مرات عديدة. منتج زراعي يمكنه أن يدخل إلى سلسلة توريد. شركة إسرائيلية يمكنها أن تسوق وتصدر منتجات مصدرها يهودا والسامرة. إذا كان مصدر المنتج غير قابل لتشخيص مصداق فإن إنفاذ المقاطعة يكون إشكاليا.
وماذا ينبغي لهم في بريطانيا أن يفهموا أيضا؟ أن المقاطعة للمنتج ليست بالضرورة ضغطا على أصحاب القرار. ينشأ هنا فخ. إذا كانت المقاطعة صغيرة ومركزة، فان تأثيرها الاقتصادي محدود. إذا ما وسعت بحيث تصبح ذات تأثير اقتصادي كبير فإنها تبدأ بالمس أيضا بالشركات، بالعمال وبالعمل غير الذين مرتبطين مباشرة بالمستوطنات.