هل السقوط الأميركي أمر محتوم كما يتوقع بعض المفكرين.. ومن سيرث عرش القوة العالمية؟
وكالات -
هل السقوط الأميركي أمر محتوم كما يتوقع بعض المفكرين والإستراتيجيين، أم أن الولايات المتحدة ما زالت تملك من أوراق القوة ما يسمح لها بتأجيل أفول نفوذها وإعادة ترتيب موقعها في النظام الدولي؟ وبينما تتراكم المؤشرات على تراجع الهيمنة الأميركية، تبرز أربع قوى دولية تستعد لمرحلة قد تعيد رسم موازين القوة، هي اليابان والصين وألمانيا وتركيا، مستندة إلى قدرات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، وإلى إرث تاريخي لم يختف من حسابات قادتها.
في كتابه "صعود وهبوط القوى العظمى"، الصادر عام 1987، رأى المؤرخ البريطاني بول كينيدي أن الولايات المتحدة بدأت تسلك المسار الذي عرفته إمبراطوريات سابقة، بعدما تحولت من أكبر دائن إلى أكبر مدين في العالم، وتزايدت أعباؤها العسكرية والتزاماتها الخارجية على نحو يستنزف مواردها ويحد من قدرتها على مواصلة الهيمنة.
ولم يكن كينيدي وحده من تحدث عن الأفول الأميركي؛ ففي عام 2011 كتب ستيفن والت مقالاً بعنوان "موت العصر الأميركي"، أشار فيه إلى تراجع قدرة واشنطن على تشكيل النظام العالمي، بالتزامن مع صعود قوى مستقلة، وتعثرها في حروب متعددة، وتضخم ديونها. كما حذر ريتشارد هاس من أن سياسات الانكفاء والهجوم على الحلفاء والانسحاب من المؤسسات الدولية يمكن أن تسرّع تراجع النفوذ الأميركي.
حروب تستنزف الهيبة
وتفاقمت هذه المؤشرات مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي وفرت خلالها واشنطن الأسلحة والدعم السياسي لإسرائيل، في وقت اصطدمت فيه إرادتها بمواقف غالبية دول العالم داخل الأمم المتحدة، حيث حظيت القرارات المؤيدة للحقوق الفلسطينية بأغلبية واسعة.
ثم جاءت المواجهة العسكرية مع إيران لتضع النفوذ الأميركي أمام اختبار أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من نجاح واشنطن في استهداف قيادات إيرانية بارزة، فإن الرد الإيراني طال قواعد أميركية في المنطقة، وألحق أضراراً بقدراتها، وأثار تساؤلات لدى حلفائها بشأن فعالية المظلة الأمنية الأميركية. وفي منتدى الدوحة للأمن، تحدث توم برّاك، مستشار الرئيس الأميركي، عن إخفاق 23 تجربة لتغيير الأنظمة في مناطق مختلفة، داعياً إلى مراجعة السياسات السابقة، ومؤكداً أن واشنطن تريد أن تكون طرفاً مساعداً لا جهة تفرض الحلول.
اليابان.. كسر قيود الهزيمة
في شرق آسيا، تبدو اليابان من أبرز القوى التي تعمل على استعادة مكانتها العسكرية. فبعد عقود من القيود التي فرضتها هزيمة الحرب العالمية الثانية، تتجه طوكيو إلى توسيع قدراتها الدفاعية، في ظل تصاعد التوتر مع الصين وكوريا الشمالية.
ورصدت اليابان نحو 310 مليارات دولار للإنفاق العسكري خلال الفترة بين 2023 و2027، وبدأت تحويل مدمرتين إلى حاملتي طائرات قادرتين على تشغيل مقاتلات "إف-35 بي"، فضلاً عن شراء صواريخ "توماهوك" الأميركية وتطوير صواريخ محلية بعيدة المدى.
وتضم قواتها نحو 247 ألف عسكري، إلى جانب أسطول بحري متطور وقدرات تكنولوجية وصناعية كبيرة. كما تستند طوكيو إلى اقتصاد يتجاوز 4.2 تريليونات دولار، وموقع متقدم في صناعة الروبوتات والمعدات الدقيقة وأشباه الموصلات.
لكن عودة اليابان إلى القوة العسكرية الواسعة تصطدم بذاكرة آسيوية مثقلة بتاريخ توسعها الإمبراطوري، وبالتنافس المتصاعد مع الصين.
الصين.. القوة التي تفضل الاقتصاد
أما الصين، فتملك مقومات أكثر اكتمالاً لمنافسة الولايات المتحدة، إذ تمتلك ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم، وجيشاً يتجاوز مليوني جندي، وأسطولا بحرياً ضخماً يضم مئات القطع القتالية، فضلاً عن ترسانة صاروخية ونووية متنامية.
ولا تقتصر قوة بكين على السلاح؛ فاقتصادها يحتل المرتبة الثانية عالمياً، كما تتقدم في التكنولوجيا والفضاء والحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا يبدو أن الصين تسعى إلى تكرار النموذج الإمبراطوري الأميركي، من خلال نشر قواعد عسكرية في مختلف القارات، بل تركز على توسيع نفوذها الاقتصادي وسلاسل الإمداد والتجارة، مع الاحتفاظ بقوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها وردع خصومها.
ألمانيا.. طموح قيادة أوروبا
وفي قلب أوروبا، تبرز ألمانيا بوصفها مرشحاً لملء جزء من الفراغ الذي قد يتركه تراجع الالتزام الأميركي بأمن القارة. فاقتصادها الذي يتجاوز 5.4 تريليون دولار، وقاعدتها الصناعية والتكنولوجية، وانخفاض مديونيتها مقارنة بدول صناعية أخرى، تمنحها قدرة كبيرة على تمويل مشروع إعادة التسلح.
وقد تجاوزت ميزانيتها العسكرية لعام 2026 نحو 124 مليار دولار، في إطار خطة لتحديث القوات الجوية والدفاع الصاروخي والدبابات والمدرعات، وتطوير القدرات الاستخباراتية والفضائية والسيبرانية.
وتتزامن هذه التحركات مع خلافات متزايدة مع إدارة ترامب، وإعلان واشنطن خططاً لسحب آلاف الجنود من ألمانيا. كما أكد المستشار فريدريش ميرتس أن أوروبا لم تعد تستطيع الاعتماد تلقائياً على الحماية الأميركية. لكن طموح برلين يواجه تحديات سياسية وتاريخية، أبرزها القيود التي فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، والحساسية الأوروبية تجاه عودة القوة العسكرية الألمانية.
تركيا.. إرث عثماني وقدرات صاعدة
أما القوة الرابعة فتتمثل في تركيا، التي تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي يصل أوروبا بآسيا، وإرث عثماني امتد عبر ثلاث قارات، وقدرات عسكرية وصناعات دفاعية آخذة في التطور.
وتنتشر القوات التركية في مناطق عدة، بينها سوريا والعراق وليبيا والصومال، فيما تتوسع أنقرة في اتفاقات التعاون الدفاعي مع دول إقليمية. ويضم جيشها نحو 480 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، وتملك أسطولاً جوياً وبحرياً متطوراً، إلى جانب صناعة متنامية للمسيّرات والمقاتلات والسفن الحربية. كما تجاوز إنفاقها العسكري 44 مليار دولار، وأصبحت الصناعات المحلية توفر أكثر من 80 % من احتياجاتها التسليحية.
اقتصادياً، تحتل تركيا موقعاً متقدماً ضمن مجموعة العشرين، وإن كانت لا تزال بعيدة عن الصين وألمانيا واليابان من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي.
من يرث القوة الأميركية؟
تكشف هذه المقارنة أن تراجع الهيمنة الأميركية، إن تسارع، لن يعني بالضرورة انتقال القيادة العالمية إلى دولة واحدة. فالصين تمتلك التفوق الاقتصادي والعسكري الأوسع بين القوى الصاعدة، واليابان تملك التكنولوجيا والقدرات الصناعية، وألمانيا مؤهلة لتعزيز موقعها الأوروبي، فيما تستثمر تركيا موقعها الجغرافي وإرثها العسكري وصناعاتها الدفاعية لتوسيع نفوذها.
وبينما يرى بعض المفكرين أن أفول الإمبراطوريات مسار تاريخي لا يمكن إيقافه، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمصير الولايات المتحدة، بل بطبيعة النظام الذي سيحل محلها: هل سيكون عالماً متعدد الأقطاب تتوزع فيه القوة، أم مرحلة تنافس جديدة بين قوى تسعى كل منها إلى فرض قواعدها ومصالحها؟