Tuesday 11th of December 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Jan-2018

"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم.." - د. محمد المجالي
 
 
الغد- هي سورة النور، السورة التي تطرقت إلى الآداب التي نحتاجها في حياتنا، فابتدأت بآية فيها من الجزالة والقوة ما فيها: "سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون"، ثم الحديث عن مهددات المجتمع المسلم، حيث الفواحش التي تدمر المجتمع وتستأصل قوته، فكان الحديث عن الزنا وعقوبته، وقذف المحصنات وعقوبته، وما قد يكون من اتهام بين الزوجين، وكيفية اللعان وانتهاء العلاقة بينهما، في صورة محكمة واقعية تعالج الخلل، وتربط النفس بالله تعالى، فالمجتمع مقدَّم على الفرد، دون إهمال لمتطلبات الفرد الخاصة، ولكنه الشعور بالإيمان وبالمسؤولية، فالأمة التي تريد أن تنهض لا بد من تماسك بنيانها وقوته، ولا بد من بيان الحقوق وتحمل المسؤولية.
ثم جاءت الآيات التي تحدثت عن حادثة الإفك، حيث اتهام أمنا عائشة رضي الله عنها، وهي آيات طويلة فيها من الدروس والعبر ما نُلزِم به أنفسنا بمنهج العفة، وأن نعامِل كما نحب أن نعامَل، وفيها براءة أم المؤمنين، وهي تعلم أن الله سيبرّئها، ولكنها لم تتوقع أن تنزل براءتها بآيات تتلى إلى ما شاء الله، فكل ما توقعته أن يخبر جبريلُ محمدا صلى الله عليه وسلم ببراءتها، ولكن الله كرمها وكرم أهلها، فكانت آيات تتحدث عن براءتها.
وكي لا يقع في المجتمع ما يحرفه إلى البيئة الفاسدة والفواحش، ذكر الله آدابا نتقي من خلالها أي خلل اجتماعي وأخلاقي، فبدأت الآيات بالتوجيه إلى الاستئذان في دخول البيوت، وغض البصر، وستر العورات، ومزيد من الاحتياط في جانب المرأة أن تخفي زينتها إلا ما ظهر منها، وبينت الزينة الظاهرة والباطنة، مع توضيحات في بيانها، وحثت الآيات على التزويج للمستطيع، ووجوب الستر عموما، وهنا جاءت آية النور وأين يكون النور، في بيوت الله، ووصفت همة أهل المساجد والجانب الروحي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم.
ولا شك تحدثت السورة عن المنافقين وأعذارهم، وهم الذين مشوا بخبر الإفك واتبعهم بعض المؤمنين، فكان الدرس قاسيا واضحا، فلا يمكن للأمة أن تسير في رغد وعزة إلا بقوة بنيانها الاجتماعي، وإن قوي فلا شك ستكون العلاقات في أعلى درجاتها، وستكون الدافعية نحو القوة بأصنافها الإيمانية والاقتصادية والعسكرية والعلمية، وهذا ما يرجوه كل مجتمع واع.
ليس عجيبا أن تأتي أهم آية من الآيات المبشِّرة للأمة في هذه السورة، وهي قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون"، جاءت بعد أن أمر الله تعالى بطاعته فقال: "قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوْا فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين"، فطريق التأييد من الله هو طاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهنا نتوقع من الكرم الإلهي كل شيء، فالدين دينه، والأمر له سبحانه، فحين يتوجه الإنسان المسلم إلى الله من أجل نصرة منهجه، فهنا مطلوب الأخذ بالأسباب والإخلاص، وعندها لن يخيب الله من أطاعه وسار في صراطه المستقيم.
ومن العجيب أن الله أتبع هذه الآية بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول، وشيء من الطمأنة للمؤمنين بأن أمر الكافرين أهون مما نتوقع فقال: "لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض، ومأواهم النار ولبئس المصير".
هذه الآية المبشّرة هي من أعظم المبشرات، ففيها وعد وأي وعد! هو وعد الله، وفيها ثلاثة أمور يتطلع إليها كل مسلم، خاصة في هذا الزمان وكل زمان ينتكس فيه أمر المسلمين، وهذه الثلاثة هي استخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم، وأن يبدلهم من بعد الخوف أمنا، وهي الآن من أكثر الأمور التي نفتقدها، رغم زعمنا بأننا مسلمون.
استوقفتني كلمة الاستخلاف حيث الوعد الأول، فالإنسان خليفة في الأرض بمعنى أنه يخلف بعضهم بعضا، ولكن الآية هنا تتحدث عن وراثة أرض الكافرين، وهذا الذي يتناسب مع صيغة الوعد، ومع البشارتين الأخريين حيث تمكين دين الله، والأمن بعد الخوف، فالآية مشعرة بحالة من الضياع والخوف وقلة الدين، ومع ذلك لا بد من السعي والأخذ بالأسباب وطاعة الله تعالى ورسوله، فالأيام دول، والحق لا شك غالب، ولكن لا بد من نهضة وعمل وحسن تخطيط وتوكل على الله تعالى.
هذا الدين لا يحتاج أكثر من أناس مخلصين صادقين في عزمهم وإرادتهم ووضوح تصورهم، فليسوا وحدهم في الميدان، فالله معهم، لا هم لهم ولا غاية إلا نصرة منهج الله، فهم يعيشون لله وفي الله ومع الله، حياتهم لله، وأعمالهم في سبيل الله، ومشاعرهم في ظاهر أمرهم وباطنه مع الله، وما أجمل العيش حين يكون الله هو الغاية والمقصد والمعية.
وحين يذكر الله تعالى الطاعة المطلقة له ولرسوله عليه الصلاة والسلام فهي المفتاح لكل أمل وغاية نريدها في الدنيا والآخرة، الطاعة لله فيما أمر ونهى، وحين يقترب العبد من ربه أكثر فيبالغ في الطاعة والعمل الخالص لله، فهي مجلبة لحب الله لعبده، فكيف لا ينصره ويؤيده ويتولاه!؟
هي دعوة لكل إنسان في هذا الزمان خاصة أن يثق بربه وبوعده، فالبشارة جاءت في سياق الطاعة وفي ثنايا العبادة الخالصة لله، وحين تكون الهزيمة فلا بد أسبابها معروفة، وقلب المعادلة بحاجة إلى قرار حاسم في التغيير، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات