حبر-
-على مدى عقود، تشكّلت الحياة في قرية المخيبة الفوقا في شمال الأردن حول ينابيع المياه الحارّة، فازدهرت الزراعة والسياحة الاستشفائية في المكان، عن حال القرية اليوم بعد جفاف ينابيعها.
عمّار الشقيري، رامي قاقيش، تصوير مؤمن ملكاوي
-
قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، بدأ رجلٌ يسكن صحراء الجزيرة العربية، وينحدر من قبيلة شمّر، رحلة البحث عن المياه لماشيته قاطعًا آلاف الكيلومترات باتجاه الشمال، حتى حطّ في قرية «كفر حارب» في مرتفعات الجولان.
تزوج الشمّري في القرية. وبعد وفاته أخذ ابنه الوحيد «محارب» قطيع الماشية جنوبًا للبحث عن مصدر للمياه. توقف عند نهاية مرتفعات الجولان، أجال بصره في أسفل الوادي، وشاهد نبع مياهٍ يتوسط شجر نخيل وقصب وحوله مجموعة بيوت، فنزل بقطيعه إلى النبع ولم يعد إلى الجولان، إذ قال حينها: «حلالنا يورّد على النبع، وإحنا نشرب منّه».
يتوسط هذا النبع قريةَ «المخيبة الفوقا» الواقعة في أقصى الشمال الغربي من الأردن، وقد وفّر المياه لأهل القرية من أجل ريّ مزروعاتهم وسقاية مواشيهم، بالرغم من ارتفاع حرارة مياهه ورائحة الكبريت المنبعثة منها.
اليوم، بعد عقود على نزول «محارب» إلى جوار النبع، شهدت فيها القرية تحولات من انتعاش السياحة الاستشفائية والزراعة وتراجعها، يطل حفيده الثالث يوسف (60 عامًا) من سطح بيته ليرى كيف جفّ النبع لأول مرة بعد آلاف السنين من تدفقه.
هذا النبع واحدٌ من عشرات الينابيع الحرارية المنتشرة بين الأردن وفلسطين، شكّلتها حركة الصفائح الأرضية، وتتدفق مياهها عبر شقوق في طبقات الأرض بدرجات حرارة تتراوح بين 31 إلى 60 درجة مئوية.[1] يطلق جفاف هذا النبع سؤالًا حول مصير بقية الينابيع الحرارية الممتدة على جانبي صدع البحر الميت، وتحذيرًا من خطر جفاف آبار المياه الجوفية في مختلف مناطق الأردن، المصدر الرئيس لمياه الشرب.
يوسف، حاملًا بطاقة هوية صدرت لجدّه محارب، والذي هاجر من الجولان إلى قرية المخيبة الفوقا عند النبع.
في الحقيقة، كانت المياه الحارّة في «المخيبة الفوقا» تتدفق من نبعين اثنين متجاورين في وسط القرية، هما «المقْلى» و«البلسم»، ومنهما إلى بركة طبيعية ملاصقة تسمّى «الريح»،[2] قبل أن يجفّ نبع «البلسم» منذ 20 سنة تقريبًا، ويظل نبع «المقلى» يزوّد القرية بالمياه لتربية المواشي والزراعة والشرب.
على الضفة الغربيّة لنهر اليرموك، مقابل المخيبة وعلى بُعد ثلاثة كيلومترات فقط، تقع قرية الحمّة الفلسطينية، وتنبع في أرضها كذلك مجموعة ينابيع حرارية. منذ آلاف السنين، زار الناس الينابيع غرب النهر للسباحة فيها لاعتقادهم أن مياهها المعدنية تشفي بعض الأمراض.[3] وقد انتبه تجّار من بلاد الشام إلى الميزة السياحية لهذه الينابيع، ومنهم التاجر اللبناني سليمان ناصيف الذي بنى سنة 1936 حمامات ومرافق سياحية حول ينابيع حمّة فلسطين.[4]
عبَر ناصيف إلى الضفة الشرقية، واشترى مع تاجر آخر هو عثمان بحّوث ثلاثة آلاف دونم من أراضي المخيبة وأراضيَ مجاورة لها، بقصد بناء منتجع سياحي مشابه لمنتجع حمّة فلسطين على ما يبدو،[5] لكنه باعها إلى شبلي البشارات سنة 1952، كما يقول لحبر حفيده أبو مدحت البشارات.
يروي أبو مدحت البشارات كيف تحول جدّه من العمل مقاولًا في شقّ الطرق والتجارة إلى الاستثمار بالزراعة في قرية «المخيبة الفوقا» بسبب وفرة المياه فيها، القرية التي عمل أهلها في الزراعة وتربية المواشي، وانضمّت إليهم عائلات لاجئة مزارعة من شمال فلسطين مطلع الخمسينيات.[6]
كانت الحمّة الفلسطينية معروفة ويزورها أهالي بلاد الشام لتوفّر منشأة سياحيّة حول ينابيعها فيما ظلت مياه ينابيع المخيبة بشكل رئيسي مخصصة للزراعة، وتستقبل الزوّار بهدف السياحة الاستشفائية في مياهها المعدنية الحارّة بشكل ثانوي، إذ لم تكن القرية تحتوي على منشأة سياحية وإنما غرفة صغيرة بنيت إلى جوار النبع يستريح فيها الزوار.
وقد اعتاد أهالي المخيبة عبور نهر اليرموك بواسطة قارب صغير يسمى «الشختورة» للعمل حول المنشأة السياحية في حمة فلسطين، وبيع محاصيلهم من الموز والحمضيات، وبعض المشغولات اليدوية مثل سلال القصب.
عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية قرية الحمة الفلسطينية عام 1951 انتقلت إدارتها إلى السوريين، وصارت تعرف باسم «الحمّة السورية». وظل أهل المخيبة يعبرون النهر للعمل فيها بالرغم من تشييد شركة «الحمّة المعدنيّة الأردنيّة» عام 1964، منتجعًا سياحيًا في قريتهم حول الينابيع الحارة، كان يتكّون من ستّة شاليهات وثلاث برك سباحة ومطعم شعبي وفندق من طابقين يتسّع لـ12 غرفة، إلى أن احتّل الإسرائيليون الحمة السورية عام 1967 فتوقف عمل أهل المخيبة في منطقة المنتجع السياحي في فلسطين بسبب إغلاق الحدود.
انتقل النشاط السياحي من الحمة السورية إلى محيط منتجع شركة الحمة المعدنية الأردنية في قرية المخيبة، وصار الزوار يأتونها من بلاد الشام وبعض الدول العربية، وانتعشت أعمال أهل القرية، فعمل الشبان داخل المنتجع، وباع الأهالي محصول الحمضيات والموز للسياح، وكذلك المشغولات اليدوية وسمك الزينة، وازدحمت الطرق حوله بسيارات السيّاح القادمين من دول الخليج وبلاد الشام.
وقد أخذت ينابيع المخيبة أسماءها الشعبية من أسماء ينابيع الحمّة السورية وهي «المقلى» و«البلسم»، وصارت تعرف كذلك بـ«الحمّة السورية».
من أرشيف أبو مدحت البشارات من الحمة في الخمسينات.
بركة البجة في مشروع زارا (مسابح الحمة قديمًا).
يتذكر الناس في القرية، كيف كانت المياه تخرج من الأرض لتملأ برك السباحة في المنتجع، ثم ينساب الفائض منها غربًا عبر قناة رئيسية تمرّ من أمام المسجد حيث يتوضأ المصلّون، قبل أن تتابع مسيرها تحت مسار سكة حديد الحجاز فتروي أشجار الزينة على جانبي الطريق وتصل إلى المزارع ثم تصب في نهر اليرموك.
منذ السبعينيات، شقّ أهل القرية من القناة الكبيرة شبكةً من الأقنية أصغر حجمًا، تمرّ أمام بيوتهم على مدار اليوم، فيستحم الأطفال فيها، وتشطف النساء بيوتهن منها، وعندما يغلق المنتجع أبوابه في التاسعة مساءً كن يخرجن في مجموعات لملء جرار الفخار بمياه الشرب.
لقد تبدّل شكل الحياة في القرية بعد افتتاح المنتجع. يصف المختار أحمد أبو العيلة (56 عامًا) تسلسل مهن عائلته: «أبوي اشتغل بالزراعة، يتضّمن كل شجر المخيبة ويبيعهم بالحمّة السورية قبل الاحتلال، بعدها صار يروح يبيع بحسبة إربد، أنا اشتغلت بالبوظة على برّاد صغير، وتطور شغلي وصار عندي ستة برادات، ومنهن اشتريت باص شراكة، لما كانت الحمّة أزمة بدك ساعة مشان تقطع القرية».
هكذا، بدأ زمن السياحة في المخيبة حول النبعين، وبالتوازي مع ذلك انتعشت الزراعة، إذ وفرت الينابيع الحرارية المياه للمزارع التي توسعت في القرية، مثل مزارع آل البشارات التي فاقت ألف دونم مزروعةً بزراعات دخلت المنطقة لأول مرة في الستينيات مثل الأرز والفستق التي تحتاج إلى مياه كثيرة.
وساهمت ينابيع أخرى في ري الزراعات مثل عين «مشوّح»، وعين «محارب» نسبةً إلى «محارب الشمري». وقد تحولت القرية، بالرغم من صغر حجمها إذ لم يتجاوز عدد سكانها 1400 شخصًا حتى التسعينيات،[7] من قرية تعتمد على الزراعات البسيطة إلى قريةٍ تعيش على السياحة والزراعات الحديثة، وبدا أن مياهها لا نهائية.[8]
مزارع البشارات في الحمّة بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. أرشيف أبو مدحت البشارات.
الينابيع الحرارية في المخيبة جزءٌ من عشرات الينابيع الحرارية المنتشرة على طول المنحدرات الشرقية لحفرة الانهدام في الأردن،[9] وقد أسهمت إضافة للمياه السطحية والآبار الجوفية في توفير معظم الاحتياجات المائية للأردن حتى العام 1975.[10] لكن وفي تلك السنة بالتحديد فاقت كميات المياه المتاحة للاستعمال الاحتياجات الفعلية، إلّا أن نقص شبكات نقل مياه الشرب من مصادر توفّرها إلى مناطق الاستهلاك تسبب في أزمات حادة في بعض المدن كعمّان وإربد.[11]
لتجاوز هذه المشكلة، بدأت سلطة وادي الأردن عام 1981 التنقيب عن المياه الجوفية داخل حفرة الصدع، بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قيمته خمسة ملايين دولار. وبدأ التنقيب من قرية «رحمة» نواحي العقبة متجهًا إلى الشمال وصولًا إلى المخيبة عام 1982 بالقرب من نبعيْ المقلى والبلسم، كما يقول لحبر نائب المدير العام لسلطة وادي الأردن حينها منذر حدادين.
يشرح حدادين ما الذي جرى أثناء حفر آبار المخيبة، بأن الحفارات وصلت إلى عمق 900 مترٍ دون أن تجد المياه، وحين وصل عمق الحفر إلى 1164 مترًا تفجّرت المياه من باطن الأرض.
شجعت كمية المياه المستخرجة سلطةَ وادي الأردن على استكمال حفر آبار إضافية، فانتقلت كيلومترات قليلة إلى الشرق، في واد يطلق عليه «الشق البارد» بغرض الحفر حتى 500 مترًا، لكن المياه تفجّرت على عمق 245 مترًا وأوقعت الحفارة من شدة تدفقها، وبدا كأن المنطقة تطفو على «نهر مياه جوفية»، على حد تعبير حدادين.
ظلّ يوسف الشمري، حفيد «محارب»، يراقب على مدار الثمانينيات سحب المياه من آبار المخيبة، ويرصد تناقص تصريف نبعيْ المقلى والبلسم، وجفاف عيون «مشوّح»، و«محارب». وشعر أن: «حتّى الميّ اختلفت علينا، الميّ بلشت تتناقص شوي شوي».
نهر اليرموك بين الجولان وأطراف المخيبة.
تهاجر المياه الجوفية في باطن الأرض مثل هجرة الناس فوقها. في مناطق واسعة في الأردن تتسرّب مياه الأمطار بين الطبقات الصخرية حتى تستقر عند طبقة صخرية تعرف باسم خزّان B2/A7[12]. تهاجر المياه المتسربة في هذه الطبقة عند مرتفعات عجلون وإربد سنتيمترات قليلة في السنة في عدة اتجاهات، بعضها باتجاه الشمال الغربي، حيث تغذي آبار المخيبة وينابيعها. وتحتاج رحلة المياه هذه قرابة ثلاثة آلاف سنة حتى تصل إلى وجهتها، كما يقدر خبير المياه والأكاديمي إلياس سلامة في حديث مع حبر.
تمتد هذه الطبقة على مساحات واسعة من الأردن، وتعد واحدة من أهم الطبقات الصخرية لاستخراج المياه الجوفية، حيث توجد فيها معظم الآبار الجوفية في عمان والمفرق وعجلون.[13]
تواصل حفر الآبار الجوفية في هذه الطبقة في عموم الأردن لتأمين مياه الشرب، بسبب ازدياد الطلب على المياه وشحّ بعض المواسم المطرية، ومعه انخفض مستوى المياه الجوفية حتى صار هذا الخزّان عام 2017 جافًا جزئيًا، خاصةً بالقرب من المنحدرات الواقعة على جانب وادي الأردن،[14] فانخفضت الكميات المنتجة في آبار المخيبة إلى قرابة النصف،[15] وتناقص تصريف «المقلى» و«البلسم» من 17.2 مليون متر مكعب عام 1983 إلى 876 ألف متر مكعب عام 2024. وفي مناطق أخرى على طول صدع البحر الميت جفت ينابيع أخرى مثل ينابيع المخيبة، وبينها نبع أبو ذابلة في الشمال، ونبع عند دير علا في الأغوار الوسطى، فيما انخفض تصريف ينابيع في الشونة الشمالية وزرقاء ماعين.[16].
يعتمد الأردن على المياه المستخرجة من الآبار الجوفية لتوفير مياه الشرب وسد العجز في موازنته المائية، وقبل ثلاث سنوات حين مرّ على البلاد موسم شتاء دون المعدل أعلنت سلطة وادي الأردن نيتها حفر آبار مياه جديدة في مناطق عدة منها المخيبة.
بالتزامن مع انخفاض تدفق مياه ينابيع المخيبة بداية الألفينات، انتقلت ملكية شركة «الحمة المعدنية الأردنية» التي بنت المنتجع حول النبعين من الحكومة ومساهمين من أهل القرية إلى شركة زارة للاستثمار القابضة.
عمل المنتجع إلى أن توقفت الشركة عن تشغيله عام 2006، نظرًا لتكرار إغلاقه بقرارات من وزارات السياحة والصحة والبيئة بسبب مشكلة تلوّث مياه النبع. فقامت الشركة بهدمه وأزالت مختلف مرافقه بهدف إعادة تأهيله كاملًا. ومع هدمه توقف النشاط السياحي، ومعه تراجعت الأنشطة المعتمدة عليه في القرية من مشغولات يدوية ومحال بقالة.
طالت فترة إعادة تأهيل المنتجع ولم تنتهِ إلى اليوم، بسبب خلافات إدارية وفنية أطرافها شركة الحمّة المعدنية وبلدية خالد بن الوليد التي تتبع قرية المخيبة لها، ومالكو بعض الأراضي في المنطقة، وسلطة وادي الأردن. ومع استمرار تدفق المياه من الينابيع إلى القرية ومن ثم إلى النهر، أنشأ بعض أهالي القرية مسابح سياحية شعبية تعتمد على ما يسيل من مياه الينابيع، حتى بلغ عددها أربعين مسبحًا. وكان يوسف الشمّري أحد من أنشؤوا منتجعًا شعبيًا صغيرًا يحوي برك مياه ساخنة ومقهى.
في العام 2007، انخفض تدفق نبع «البلسم» إلى الحدود الدنيا وظل نبع «المقلى» يتدفق وحده ويكفي حاجات المسابح الشعبية ومزارع القرية.
مرّت سنوات دون أن يرى أهل القرية عمليات حفر جديدة للآبار الجوفية، حتى عامي 2024 و2025، عندما شاهد أهل القرية دخول حفارات إلى منطقة آبار المخيبة الحكومية من أجل تعميق بعضها، بحسب وصف أحدهم لحبر، فانخفض تدفق مياه المقلى إلى المسابح والمزارع إلى أن توقف.
جفت مزارع كثيرة في القرية، ومن داخل مزرعته يستذكر أبو مدحت البشارات مسيرة عائلته في الزراعة منذ قرابة 75 عامًا موسمًا موسمًا، ويقارنها بهذا الموسم الذي بدت فيه الكلمنتينا والبرتقال أصغر حجمًا وجافة بسبب نقص الري: «بحياتي كلها ما توقعت إنه ميّة النبع تجفّ، كل إشي عملتله حساب، كل شي إلا إنها تجفّ».
أغلقت بعض المسابح الشعبية التي تعتمد على مياه النبع، وعُرض بعضها للبيع، ومنها منتجع الشمري الذي سرّح ثمانية عمال. وركّب أصحاب أخرى أجهزة تسخين للمياه وصل سعر أحدها قرابة ثلاثة آلاف دينار، في محاولة لتقديم مياه ساخنة للسيّاح.
وفي شوارع القرية يتجول المسرّحون من المسابح دون عمل، فيما خفّضت أخرى لها إطلالة على نهر اليرموك أجور بعض العمال، حتى وصلت خمسة دنانير في اليوم. هذه الأيام تشهد القرية منذ الصباح حركة صهاريج المياه، وهي تنقل المياه المشتراة إلى بعض المزارع والمسابح الشعبية الصغيرة. لقد تحولت المخيبة من قرية تطفو على المياه إلى قرية تشتري المياه من أماكن أخرى.
جفاف بعض الأشجار في قرية المخيبة.
مسبح الشمري فارغًا.
مسبح الشمري أيام عمله.
العام الماضي، حاول أهالي القرية والمستثمرون فيها والبلدية مقابلة المسؤولين لوضع حلّ لجفاف النبع، وقاد يوسف المبروك الرئيس السابق لبلدية خالد بن الوليد، وفدًا إلى وزارة المياه دون أن يتمكن من الحصول على رد. وتواصلت شركة الحمّة مع سلطة وادي الأردن ووزارة الاستثمار، ولم تصلها أي رد كذلك بحسب ما قالته لحبر. فيما يقول عمر سلامة الناطق باسم وزارة المياه إن الوزارة تجري تواصلًا مع أصحاب العلاقة، وسيكون هناك اجتماع معهم للوقوف على الواقع وإيجاد الحلول المناسبة.
يوسف الشمري مطلًا على نهر اليرموك.
يطالب الأهالي والشركة بوقف عمل المضخات على جميع الآبار كي يعود تدفق المياه في النبع. ويقولون إنهم عاينوا كيف يرتفع تدفق النبع، ولو بشكل بسيط، حين تنقطع الكهرباء عن المضخات لفترات قصيرة بسبب ظرف طارئ. فهل يمكن أن يعود النبع من جديد؟
يقدر إلياس سلامة أن النبع يحتاج إلى وقف الضخ من الآبار المجاورة، بالإضافة إلى عودة ارتفاع مستوى المياه الجوفية في المنطقة، حتى يعود إلى التدفق. مضيفًا أن ارتفاع مستوى المياه الجوفية في المنطقة بطيء ويحتاج إلى سنوات طويلة، لأن مخزون المياه الذي تنبع منه الينابيع الحرارية منتشر بين طبقات الأرض.
في حالة مشابهة، جفّ نبع عين أبو ذابلة في قرية كفر راكب في لواء الكورة بإربد قبل قرابة عشرين سنة، وقبل خمس سنوات عاد النبع إلى التدفق لكن بكميات بسيطة.
ترسم آثار جفاف النبع صورة لما قد يكون عليه الحال مستقبلًا في مناطق أخرى في الأردن في حال مواصلة السحب من مخزون المياه الجوفية، وهو مخزون سيظل المصدر الرئيسي لمياه الشرب في الأردن، على الأقل إلى حين بدء مشروع الناقل الوطني بالعمل، وتأمين كميات مياه الشرب من تحلية مياه البحر الأحمر، «ما عندنا حل إلا تحلية مياه البحر، هذا المشروع هو اللي ماشية فيه الحكومة» يقول إلياس سلامة.
وإلى ذلك الحين ستظل قصة قرية المخيبة مع ينابيعها الحارة، قصة زمن وفرة المياه التي جذبت الناس للعيش حول المياه ومنهم «محارب» الشمري الذي يقف حفيده يوسف اليوم في المنطقة الفاصلة بين مرتفعات الجولان والمصب الأخير للينابيع الحرارية عند نهر اليرموك، ويقول: «كان نهر اليرموك عبارة عن بحر، وما كنّا نسحب منه لإنه كان فيه عيون بالقرية مكفيتنا».