Wednesday 28th of February 2024 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-Mar-2023

حكاية الأرملة التي تأبى أن تكون ظلا

 الدستور-إبراهيم خليل

في روايتها «سمعت كل شيء» [دار الحكمة، لندن، 2023] تستخدم الكاتبة العراقية سارة الصراف أسلوب المذكرات. وهو أسلوب لطالما عمد إليه كتابٌ آخرون في القديم والحديث. فمن أقدم الروايات التي استُخدم فيها رواية «مذكرات بيكويك» لشارلز دكنز 1836 و»مذكرات قبو» لدستويفسكي1881، ومن الروايات العربية «مذكرات دجاجة» 1942 لإسحق موسى الحسيني، و» مذكرات ديناصور « 1991 لمؤنس الرزاز. والطابع المميز لهذا الأسلوب أن الراوي- في العادة - هو الشخصية البارزة التي تتحدث طوال الحكاية، والشخصيات الأخرى في الغالب هي التي تؤدي دور المروي عنه، أو المروي له، في بعض الأحايين. بيد أن مذكرات (عشتار) في هذه الرواية ذات طبيعة خاصة فرضها عليها كون الساردة طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة من العمر، توفي والداها في حادث سير في روسيا فأعيدت إلى موطنها ببغداد، وتزامنت عودتها مع اشتداد الحرب العراقية مع إيران. ووجدت عشتار في بيت جدتها فخرية ملاذا، ومأوىً، تحظى فيه، وتتمتع، بجل ما يحتاج إليه الأطفال من الرعاية، في البيت، وفي المدرسة، وفي الحي، وفي النادي، وفي جل وجه من وجوه الحياة اليومية.
وفي هذا البيت العريق، المتسع، من بيوت بغداد في شارع طه، تلتقي العائلات؛ الخالة أم سحر، والخالة نزهت، والعمة فطوم، وعايدة، والعائلة التي تقيم في الطابق العلوي من البيت. ورغد، وتمارة إحسان، ورفيقة عشتار زينب. ومع تمدُّد المرويات على مستوى الزمن السردي .. يكتشف القارئ أن هذه المذكرات ما هي إلا إطارٌ خارجيٌ يحتوي في داخله عددًا من الحكايات. إحداها حكاية العمّة فطوم، التي توفيت في مشهد مأساوي في آخر الرواية. وقد تزامن رحيلُها الفاجع مع توقُّف الحرب العراقية مع إيران في شهر آب من العام 1988 وتحديدًا في الثامن منه. فقد كان البغداديون يحتفلون بالنصر، فيما هُرعت (عشتار) لإبلاغ عمتها بهذا، وبأن ابنها ثائر لن يكون مضطرًا للذهاب ثانيةً للجبهة. لكنها – للأسف – وجدتها قد فارقت الحياة. بسببٍ من السرطان الذي لم يمهلها إلا وقتا قصيرًا.
وعلاوة على هذه الحكاية ثمة حكاية أخرى هي الأكثر حضورًا.
ولعلها هي التي تُضفي على هذه المذكرات طابع الرواية إلى جانب كونها يوميات فتاة صغيرة عاشت في زمن الحرب.
تقنية السيناريو:
فالخالة عايدة توفي عنها زوجها عماد تاركًا لها نجلا صغيرًا (خالد) وهي في العقد الثالث من العمر، وقد تقدم لها كثيرون طالبين يدها للزواج. إلا أنها كانت تتحفَّظ، وتتردد، وتأبى الاستجابة لطلب كهذا؛ فهي تريد التفرغ لتربية ابنها ما عاشت. غير أن الحاجة تدفع بها دفعا للعمل في مجلة معروفة هي مجلة (ألف. باء) ويرأس تحرير هذه المجلة شاعر خمسيني متزوج، وله ابناء في الجامعة المستنصرية. والمعروف عنه أنه صاحبُ علاقات نسائية كثيرة. وهذه العلاقات لا تخفى إلا على القليل من الناس. صدرت لهذا الشاعر الإعلامي ثلاثة دواوين، يكتبُ فضلا عن الشعر المقالات الصحفية، ويترأس الاجتماعات. وهو المسؤول عن خدمات المحررين. وبصورة لا تقبل اللبس وقع هذا الشاعر، واسمه عباس فاضل، في غرام هذه السيدة الأرملة. وما هي إلا بضعة أسابيع حتى أصبحت تحبه بلا تحفظ، وبلا كوابح (ص 163) وفي الأثناء تستخدم الكاتبة الصراف تقنية السيناريو.
فصاحبة المذكرات (عشتار) تتنحّى جانبًا تاركة لعايدة أن تتحدث في مشهد يتخلل ذكرياتها الخاصة في يوم 5/ 12 / 1985 « هل ثمة سعادة أكبر من وجودها إلى جانبه؟ كانت تعتقد أن السعادة هي (خالد). وأن الأمومة هي قمة السعادة. تكتشف الآن السعادة بمذاق جديد. سعادة بطعم السُكَّر.. « (ص164) وتتكرر لقاءاتُهما على إيقاع المواعيد في الميريديان تارة، وفي بيتها تارة أخرى. لكن علاقة الشاعر بالحب يُخشى ألا تستمر، وألا تكون أكثر من نزوة عابرة.
في تساؤلات (عايدة) هذه عن العشق ترجّح أنها تطمئن لتصوُّر أملاه عليها القلب المتعطش للحب. فلم تعد ثمة جدوى للتراجع (ص169). وعندما التقيا في بيتها، ودفنت وجهها في صدره، أدركت أنها حيَّة تُرزق. وأن الأيام القاحلة قد ولَّتْ إلى غير رجعة(ص171). ويخيل إليها أحيانا أن حبّها لعباس هذا ضربٌ من الوَلَهِ أو الجنون. ولهذا تحاول وخْز نفسها وخزة توقظ ما لديها من حَذَر. تكلمه في لقائهما عن مآل هذا العشق، وهل من المتوقع أن يقترنا في زواج يُخرس الألسنة التي أصبحت تتطاولُ عليهما، وعلى سمعتهما في المجلة. لكنه لا يعِدُها بهذا. بل يصف حديثها في الموضوع بالحديث الذي يثير غضبه، وغيظه، فيهدّدُها بالمغادرة. (183) ومع ذلك لا يفتأ يؤكد لها أنه يحبّها بلا حدود « فحيثما وليتُ وجهي، فثمة أنتِ « (ص 184)
الأنثى المخبوءَة:
وبازدياد وتيرة اللقاءات الغرامية تكتشف (عايدة) – وبعد فوات الأوان- أنها أنثى. وأن أنوثتها كانت قد ضاعت، وتبخَّرت، عندما كانت زوجة لـ (عماد). وها هنا تتساءَلُ عن علاقتها بعباس « لماذا أصبحت امرأةً مختلفة معه؟ اكتشفتُ أنّ ثمة أنثى مخبوءَةً مقهورةً داخلي. سجَنَتْها، وعذبتْها، تلك السنين التي عشْتُها مع (عماد) « (ص203)
ومهما يكن من أمر هذا الحبّ، فإنّ الناس لا يتركون الأمور تمضي على رِسْلها، وبما يهواه العاشقان. ففي مجلة (ألف. باء) تزايد اللَّغَط عن علاقة عايدة برئيس التحرير (عباس). وزاد الغمز واللمز، وتجاوز حدوده، وهما يعيشان في مجتمع محافِظٍ، وهي من أسرة بغدادية، عريقة، لا تسمح بمثل هذ اللغط عن واحدة من حرائر العشيرة. فدونَ ذلك تراقُ الدماء، وتتدحرج رؤوس. بلغ اللغَط في انتشاره حدًا أصبح فيه حديث العمة فطوم. والجدة فخرية.
أنتَ تلعبُ بي:
كانَ (عباس) هذا قد دلف إلى عالمها من مدخل له تأثير السحر. فقد شجعها على الكتابة، وأغدق على مقالاتها الركيكة الكثير من المجاملات، والتقريظ. يقول لها- مثلا - لقد أصبحتِ كاتبةً لا تحتاجين لمن هو في منزلتي ليُصحّح لك ما تكتبين. سيصبح لك عمودك الخاصّ الذي يخاطبُ القراءَ في كلّ عدد. ثم يعزو هذا الإبداع الأنيق، البليغ، لعلاقتها به «عذابك الذي تعيشينهُ معي هو الآلة التي تنتج هذا الإبداع» (ص231) ولكنها تفاجئه بكلمات هامسة عن مآل هذا الحبّ، فتستفزُّه. يغضبُ منها، ويهددها بالمغادرة. سمعها تردّد وراءَه كلاما مكرَّرًا: أنتَ لا تحبني.. أنت تلعبُ بي .. اذهب، ولا تعُدْ ..» (ص233)
الظلّ والضوء:
وتبعًا لأسلوب الكاتبة القائم على الإفادة من تقنية السيناريو تتوقَّفُ الساردة عن سرد ذكرياتها لتفسح المجال لعايدة التي تتنحّى جانبًا، وهم يشاهدون التلفزيون. فهي تنظر إليه، ولكنها لا ترى منه إلا ذكرياتها مع (عباس). وما يقال عن علاقتها المثيرة به:» تلك الأرملة رضيت أنْ تكون ظلا في حياة رجلٍ (عباس) يحظى بأضواء المجتمع. اليوم كان يومًا سيئا. تقول لنفسها. سمعت همسًا. لم يكن همسًا بل حديثًا واضحًا عن علاقاته النسائية. هذا الرجل – تقول إحداهنَّ- جعلها – أي عايدة- واثقة بأنها أولُ من أحبّ، وآخرُ منْ عشق (ص252). وفي مونولوج طويل تقرّر أن تضع حدًا لهذه اللعبة « ما يهمني هو أن أعرف نهايتي معك !» (ص255) و(عباس) يراوغ :» الخطأ الأكبر أنْ نحاول وضع نهايات متعجّلة لقِصَصِنا « وفي حوار مطوَّل نجد مشهدا كأنه مقطع من سيناريو « لا أريد أن أسمعَ. كفى!. مللتُكِ، ومللتُ هذا الحديث الذي لا تجيدين غيْره. هذا أنا، إن كان يُعجبك. خرجَ، وصفَق الباب وراءَه. تماما مثلما توقَّعْتُ « (ص259)
دمية بلا روح:
في مشهد آخر من سيناريو (عايدة) تعرّفنا المؤلفة بطريقة غير مباشرة بأنَّ العاشقيْن افترقا لمدة أسبوعين. غابتْ عن المجلة في إجازة. وتتنحى الساردة ها هنا تاركة لـ (عباس) أن يجادل (عايدة) في موضوع الإجازة. متناسيًا أنه هو أول من بادر للمغادرة صافقا الباب بقوة. « تأخذين الإجازة وتحرمينني من رؤية وجهك؟ في المساء تبقين مع خالد، وأبقى أنا يتيمًا اليوم كله؟ « (ص269) لقد تباعد العاشقان، وكان لهذا الجفاء أثرُه. بدأت تشعر شعور دمية بلا روح. وجه جميل لكنه حزين. المساحيق التي تضعُها عليه ليكونَ متألقا تفشل في خداع من يراه. لقد انصرف عنها (عباس) وتخلى عن الحب، وعليها أن تحاول النسيان. (ص277) عبثًا ما تحاول. اعتقدت لزمن أنَّ الله أخذ منها (عمادًا) ليتيح لها أنْ تعرف الحبَّ مع رجل كـ (عباس). شعور أنانيٌ بلا ريْب. لا شيءَ يهم. لا رجل يستحق الدمعة. لا رجل يستحق. (ص279) وتتلاحق مشاهد هذا السيناريو. ففي ص 280 تعود هذه الأرملة للمجلة، وتتردد في دخول المبنى ترددًا يلفت النظر. تظاهر (عباس) عند استقباله لها بالبرود. وكأنَّ عودتها لا تعنيه في كثير، أو قليل. « وهي تتوقع استقبالا كهذا. فاترًا بحجم القسوة التي بداخله..» (283) وفي موقف آخر من المشهد نفسه يقع نظرُها على وريقة وُضعت على سطح مكتبها بخطّه؛ جملتان لا أكثر « أهرب من وجهك إلى الله، فأكتشف أنك السكينة.» (ص300)
تُقرّر أن تقتحم عليه المكتب، وتتذكر شقيقتها (أحلام) وكلامها عن فيروس الحب قبل 15 عامًا. موضوع هذا الاسترجاع الجانبي ما هو إلا خطوةٌ في اتجاه العودة. وبهذا يحاول العاشقان إعادة المياه إلى مجاريها المعتادة. مذنبٌ هو. وهذا ما يكفي. (ص304) يتكرّر سيناريو الزيارة والعناق المتبادل، فبعد قطيعة استمرت أسبوعين يعود (عباس) ليعترف بأنه هو السفاح الذي يقترف الجريمة ثم يختفي. وفي مشهد آخر من السيناريو يقول في لهجة مفاجئة» «تدرين؟ صِرْت أشيل همّ مِنْ أدخل للبيت هناك – يقصد بيته- أنت بيتي».(ص323)
تحولات السرد:
وفي حوار يذكــّـرنا بتقنية السيناريو- مرة أخرى - تتحدث (عايدة) عن غيابه عنها في أثناء إجازة العيد، وأنها لن تترك له الفرصة ليكرر ذلك. ويكون في هذه الحال على ثقة من أنها لن تترك له فرصة كهذه. استأجر شقة في (زيونة) شرقيّ بغداد، ويريد فعلا الاستجابة لإلحاحها عليه بالزواج بشرط أن يبقى الإعلان عن هذا الزواج في الحدود العائلية الخاصة بها كي لا تعلم زوجته، وأولاده، به.(ص337) وبهذا الحوار تدخل حكاية عايدة مع عباس طورًا جديدًا. وتتبَعُ ذلك تحولاتٌ في السرد تعرفنا الساردة فيها على رأي الخالات، والجدة، بعباس. وما قيل، أو يقال في مُصاهرته.. وهل هو كفءٌ أم تسمع بالمعيدي .. فقد تحدثت في هذا (فطوم)، والجدة (فخرية)، وحتى (عشتار) المراهقة الصغيرة التي مع مرور الأيام كبُرت، وأصبحت تعي القليل من شؤون النساء، وشجون الإناث. تقول وهي ترى عباسًا لأول مرة: «ذلك الرجل الجبار الذي طالما تخيلته قاهر النساء.. معذّب قلب عايدة. بدا لي رجلا عاديًا تمامًا» (ص343). وهذا الموقفُ الذي ابتدأ بحضور (عباس) السريع يتمخّض عن سلسلة مشاهد؛ أولها التقدم بطلب يد عائدة، وردود الجدة، واختلاف الآراء في العريس، وأن على العروس ألا تبذل نفسها للآخر بيسر وكأنها بضاعة كاسدة إلخ.. يشترك في هذا المشهد عدد من الأفراد؛ الخال فارس، وابن الخال نزار، الذي تميل عشتار إليه، بل تحبه، ولا تمانع في أنْ تظفر منه هو بالذات بالقبلة الأولى، تلك القبلة التي «انتزعت الأنثى من رحم الطفولة التي طالما حمَتني» (ص351).
على أنّ التوتُّر يبلغ بعايدة مبلغا كبيرًا عندما يختفي (عباس) فجأة. وفي الوقت الذي هم في حاجة ماسة له. كان ينبغي له أن يحضر لإتمام إجراءات الخطبة، وتراتيب الزفاف. إلا أنه اختفى؛ لا هو في المجلة، ولا هو في البيت، ولا أحدَ يعرف مكانه، كأنه (فصّ ملح وذاب). هل في الأمر خديعة؟ أم كابوس؟ هكذا تتساءل عايدة. بعد يومين من الاختفاء الغامض يحضر عباس حضورًا غامضًا أيضًا. فقد بدا حَذِرًا كانه خائفٌ مما لا أحد يدري ما هو. تغير عباس كثيرًا. دوام الحال من المحال، وآن الأوان للتغيير. فالبلد في حرب. والحرب أصبحت هي الشريط اللاصق الذي تُلجم به الأقلام، والأفواه. وقيل له - تلميحاً- عليك أن تشذّب قلمك. وتغلق فمك أيضًا، لأنَّ البلد في حرب (ص364).
أخيرًا تم الزواج، وانتهت حكاية الأرملة التي تأبى أنْ تكون ظلا. فهي حكاية انتهت بغير ما وصفتها به الزميلات في مجلة (ألف . باء). ولو تساءَل القارئ ما علاقة هذه الحكاية بمذكرات (عشتار) فإن الجواب عن هذا السؤال هو: لا علاقة بين الاثنتين، غيرأن الساردة (عشتار) نهضت في هذا السياق بدور الشاهدة التي روت ما رأته، وما سمعته، مع بعض الإيضاحات التي تفسر بها التغيير المفاجيء على شخصية (عايدة). وهذا التغيير هو الذي ساعد الكاتبة على توثيق الفكرة الأساسية للرواية، وهي ضرورة الحب لتحقيق الشخصية ذاتها على الرغم من أن الحبّ النقي الطاهر ليس ممكنًا في جُلّ الأحوال، وبالحبّ نهزم الحرب. وأما الإشارات المتكررة للشهداء الذين تلفّ جثامينهم بالعلم العراقي، و الرعب الذي يرتبط برنين الهاتف، وما قد يحمله من أخبار عن سقوط مقاتلين، أو وقوع جرحى. ومشاهد القصف المتكرّرة، للبصرة، ولبغداد ، وللمدارس، فهذا كله يجعل من أصداء الحرب شيئًا مستمرًا في الرواية، كالموسيقى التصويرية التي ترافق مشاهد الفيلم، أو المسلسل التلفزيوني، وهو، في مطلق الأحوال، أقربُ إلى أفلام الرعب منه إلى أي شيء آخر.