Tuesday 5th of May 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-May-2026

إسرائيل تستعد لمحاكمة مئات المشاركين في هجوم 7 أكتوبر
الرأي - كامل ابراهيم
في صيف عام 2026، وبينما لا تزال آثار الدمار الإنساني والمادي ماثلة في قطاع غزة، تتجه إسرائيل نحو تنظيم واحدة من أكبر المحاكمات في تاريخها الحديث، في خطوة تثير جدلاً واسعاً حول مفهوم العدالة وحدودها في سياق صراع طويل ومعقّد.
المفارقة التي تفرض نفسها بقوة تتمثل في أن هذه المحاكمة تستهدف مئات الفلسطينيين المشاركين في هجوم السابع من أكتوبر 2023، في وقت تتصاعد فيه اتهامات دولية ضد القيادة الإسرائيلية بشأن طبيعة العمليات العسكرية التي تلت ذلك الهجوم.
 
وتسعى الرواية الإسرائيلية الرسمية إلى تثبيت سردية مفادها أن نحو 1200 إسرائيلي قُتلوا في الهجوم، غالبيتهم من المدنيين، وهو رقم أصبح محوراً رئيسياً في تبرير العمليات العسكرية اللاحقة. غير أن تساؤلات متزايدة برزت داخل الأوساط الإعلامية والبحثية، بما في ذلك تقارير إسرائيلية وغربية، حول تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم، خصوصاً في ظل إشارات إلى حالة من الفوضى العملياتية وتأخر الاستجابة العسكرية، وما رافق ذلك من احتمالات وقوع خسائر بنيران صديقة خلال المواجهات.
 
هذه النقاط، رغم حساسيتها، لم تتحول حتى الآن إلى محور تحقيق رسمي شامل داخل إسرائيل، وهو ما أثار انتقادات من عائلات بعض الضحايا الذين يطالبون بلجنة تحقيق مستقلة لتحديد المسؤوليات، سواء على المستوى الأمني أو السياسي. في المقابل، تمضي الحكومة الإسرائيلية قدماً في مسار تشريعي يهدف إلى إنشاء إطار قانوني خاص لمحاكمة المشاركين في الهجوم، يتضمن بنوداً استثنائية مثل تطبيق عقوبة الإعدام ومنع أي صفقات تبادل مستقبلية تشمل المدانين.
 
القانون المقترح، الذي أُقر تمهيدياً، يثير نقاشاً قانونياً معقداً، خصوصاً فيما يتعلق بطبيعة التهم التي يمكن توجيهها. فبينما يسعى بعض المسؤولين إلى توجيه تهم الإبادة الجماعية، يرى خبراء قانونيون أن إثبات «النية الخاصة» المطلوبة لهذه التهمة يمثل تحدياً كبيراً على المستوى الفردي لكل متهم. لذلك برز اتجاه بديل يعتمد على تهم «انتهاك سيادة الدولة»، وهي أسهل من حيث الإثبات وقد تحمل عقوبات قاسية تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
 
في موازاة ذلك، يطرح موضوع علنية المحاكمة إشكاليات أخلاقية وإنسانية. فبث الجلسات، بما قد تتضمنه من شهادات وصور صادمة، يثير مخاوف من إعادة إحياء الصدمات النفسية لدى الناجين وعائلات الضحايا. وقد عبّر بعضهم عن رفضه لتحويل المحاكمة إلى حدث إعلامي واسع، مطالبين بتركيز الجهود على كشف الحقيقة كاملة، بما يشمل أيضاً أداء المؤسسات الإسرائيلية خلال الهجوم.
 
على الصعيد الدولي، تتقاطع هذه التطورات مع مسارات قانونية موازية، حيث تواجه إسرائيل دعاوى وتحقيقات أمام محاكم دولية تتعلق بسلوكها العسكري في غزة. هذا التداخل يضع المحاكمة المرتقبة تحت مجهر دولي دقيق، ويثير تساؤلات حول مدى توافقها مع معايير العدالة الدولية، وإمكانية اعتبارها إجراءً قضائياً مستقلاً أو جزءاً من صراع الروايات القانونية والسياسية.
 
وفي ظل هذه التعقيدات، تبدو المحاكمة المقبلة أكثر من مجرد إجراء قضائي، إذ تعكس صراعاً أوسع حول تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات، سواء عن هجوم السابع من أكتوبر أو عن تداعياته. وبينما تسعى إسرائيل إلى تأكيد صورتها كدولة قانون من خلال هذه الخطوة، يرى منتقدون أن غياب تحقيق داخلي شامل يترك فجوة كبيرة في مسار العدالة، ويجعل الأسئلة الجوهرية حول ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته مفتوحة دون إجابات حاسمة.
 
في نهاية المطاف، لا يقتصر تقييم هذه المحاكمة على نتائجها القضائية فحسب، بل يمتد إلى السياق الذي تجري فيه، ومدى قدرتها على تحقيق توازن حقيقي بين المساءلة والإنصاف، في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في المشهد الدولي الراهن.