Wednesday 21st of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Sep-2020

صداقات الأدب

 القدس العربي-بروين حبيب

كان جان جاك روسو يقطع كيلومترات طويلة مشيا على الأقدام لزيارة صديقه دنيس ديدرو، كلاهما كان لديه عقل نقدي جامح، ونظرة فلسفية عميقة للحياة. كانا في الثلاثين من عمريهما حين جمعتهما الأقدار، وظلاّ صديقين طيلة العمر. بعد وفاة روسو عاش ديدرو ست سنوات بدون صديقه، كانت أقسى سنوات حياته، قبل أن يغادر هذه الحياة هو الآخر. هذه الصداقة الفريدة بين مفكرين عظيمين، اتفقا في بعض الأفكار، واختلفا في بعضها، كان لها تأثير كبير في مسار الثورة الفرنسية،
لكن الأكيد أنهما دفعا الثمن غاليا بسبب أفكارهما تلك، فقد تقدما عن مجتمعهما بسنوات كثيرة. أمّا شهرة كل واحد منهما فقد كانت وليدة اجتهاد شخصي، فقد رسم كل واحد منهما خط حياته قبل اللقاء بالآخر.
ظلّت صداقة الرجلين على هامش المهتمين بالأدب، مثلها مثل غيرها من الصداقات التي تميزت في تاريخ الزمالة الأدبية. ولعلّ الكراهية بين الأدباء هي التي أخذت حيزا أكبر من الاهتمام، أمّا الحب فقد كان سيد الأعمال الأدبية، سواء كموضوع مطروح أدبيا أو كموضوع محوري في العلاقات الرومانسية التي عاشها الأدباء سرا وعلانية في أزمانهم.
شهدت الساحة الأدبية الكثير من الثنائيات المتنافرة، قامت بتبادل الشتائم وأقسى عبارات القذف، في ما بعضها، واستعمل البعض قبضته لتصفية حساباته مع غريمه، مثلما فعل ماريو فارغاس يوسا، حين لكم إرنست همنغواي، هذا الأخير الذي كان يشرب حتى الثمالة، كثيرا ما أنهى جلساته النقاشية في بارات باريس بمشاجرات كالتي سجلها التاريخ ضده، حين وجه ضربات لصديقه اللدود فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، وظلّت صداقتهما تتأرجح حتى انتهت نهائيا، وما عاد هناك أمل لإنقاذها، فقد استنفد كليهما حماقاته المراهقاتية مع الآخر.
بعض تلك العلاقات المتوتّرة نجدها مبثوثة في مقالات كثيرة هنا وهناك، تروي تفاصيل تلك الكراهية التي تجاوزت استعمال قبضة اليد إلى استعمال السلاح لتصفية حسابات وهمية، ربما أساسها الغيرة والتنافس والشهرة. فيرلين ورامبو، بروست وجين لوريان نماذج جيدة لتلك القصص المؤسفة، التي وثقها التاريخ تحت عنوان الكراهية بين الأدباء.
الموضوع المنسي إذن بين تلك العلاقات المتوترة هو موضوع الصداقة، والتوافق الفكري، والانسجام الأدبي، ربما لأن النّاس ميّالون لسماع قصص الكراهية أكثر من قصص الصداقة، تماما كميْلهم لقصص العشق الممنوع أكثر من قصص الأزواج المملة. وربما في مناسبة كهذه واحتفاء بالصداقة الأدبية النادرة، وجب علينا أن نتذكّر صداقة يوهان غوته أشهر أدباء ألمانيا في القرن التاسع عشر، بالشاعر المسرحي فريدريتش شيللر، التي استمرت أيضا حتى وفاة هذا الأخير، ويذكر التاريخ كم حاول بعضهم الإيقاع بينهما، بدون تحقيق أدنى نتيجة، فقد كان ما يربطهما متينا وفريدا من نوعه، وظلّ علامة فارقة في حياة غوته نفسه، إذ اعتبرها مرحلة جديدة في حياته، كانت أكثر إنتاجية، وأكثر سعادة، كما وصفها بنفسه. وقد شهد لهما النقاد بعظمة صداقتهما، وأنها حدث استثنائي وجميل، أثرى المسار الجمالي الفكري للأمة. يختصر ريتشارد فريدنتال أن صداقتهما «تنافس ناجح، أو هدنة بين قوتين عظيمتين عبر خط ترسيم لحدود نهائية لا تشكيك فيها».
 
في هذه الرسائل رأيت الجسر بين عالمين، عالم يهوي في الشرق، هو عالم منيف، وعالم قصاب باشي الأوروبي المتربع على واجهة تشرق عليها الشمس، وتهب عليها نسائم الحياة. رأيت ما يمكن أن يمنحه صديق لصديقه يعاني الخواء والتعب النفسي، من قوة تمنعه من التّداعي والانهيار.
 
امتدت المراسلات بين غوته وشيللر لمدة عشر سنوات، ضمت الكثير من الرؤى الإبداعية، في نقطة التحوّل الكبرى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر في ألمانيا، التي تميزت بشكل خاص بتطور الفلسفة وشهدت ولادة النظريات الجمالية. أهمية تلك الرسائل أيضا كشفت حجم التّبصّر المدهش في مجالات أخرى علمية، من علم الأحياء إلى علم الفلك والفيزياء والبصريات، التي أسس لها غوته على وجه الخصوص. ثمة من كتب آنذاك أن عشر سنوات فترة قليلة جمعت بين مفكرين بحجميهما، وثمة من اعتبرها على قلّتها اتّسعت لمعارف كثيرة، فتحت أبواب العصر كله على حقبة مثمرة لا تزال ألمانيا تستثمر فيها، ومنها العالم بأسره.
في عالمنا العربي تميز أدباء بصداقاتهم الجميلة، مثل صداقة عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل، رغم أنهما شاعران، وأهل الحكمة قالوا «عدوّك ابن كارك» لكن رقة الرجلين خالفت السائد، ومثلهما يوسف القعيد وجمال الغيطاني، ففي مقابلة مؤثرة جدا، يبوح القعيد بأنه كلما رن هاتفه في الصباح ظنّ أن الغيطاني يطلبه كعادته، وبأنه غير مصدّق رحيله وغيابه. ولديّ شعور عميق جدا أن ما تناقلته بعض المواقع عن هذه المقابلة التلفزيونية يخفي الكثير مما لا نعرفه عن هذه الصداقة، ويخدم الواجهة الثقافية للأدب العربي، فقد تعاون الرجلان في ما بينهما فكريا وأدبيا، وكلاهما تميز في كتابة الرواية، وإن اختلفا في توظيف عناصر بنائها كرموز نقدية للماضي والحاضر المصري.
ولعلّ الكلام نفسه يقال بشأن المراسلات التي كانت بين عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي، التي قدم لها فواز طرابلسي، وصدرت بعد وفاة منيف، وقد صدرت طبعتها الأولى عام 2012، عن دار التنوير، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر.
نبدأ قراءة الكتاب فتقشعر أبداننا، أو هذا ما شعرت به، وأنا أقاوم ارتعاشتي منذ مقدمة طرابلسي «تبدأ القصّة بروائي يفقد ثقته بالكلمة، إلى حد اعتبارها تعهرت، فيتمنى لو أنه يرسم، بل هو يحاول في الرسم. من جهته، فنان مغترب، لم يعد يكتفي بلغة الخط واللون والكتلة، يريد «البوح» حسب تعبيره بالكلمات. يتقاطع الصديقان عند هم كبير. فنان يبحث عن طرق تعبيربالكلمات، وروائي مهوس بالفن، يجرب في طاقة الكلمات، على تعبير عن الخط واللون والكتلة». يجتمع الاثنان على حقول فسيحة يزرعانها بكل أشكل الفنون الممكنة، ولا يمكننا سوى أن نرى بوضوح ما تخبئه النصوص الأدبية القاتمة من رقة لا مثيل لها، وصفاء جميل في المشاعر، ظلّ حبيس ستائرنا الاجتماعية الغريبة، التي تضع الأدباء في قوالب خشبية صلبة، وتحشر الفنان في قماشة تشبه الكفن.
في هذا الكتاب نتعرّف على «عاشق البنفسج» كاتبنا منيف، وصديقه الرّسام والنحات السوري مروان قصاب باشي، الذي يصمم بنفسه غلاف الكتاب، ويسعد بتقاسم نبض تلك الصداقة مع قراء منيف وقرّاء جدد. بعد صدور الكتاب بأربع سنوات يرحل هو الآخر، يلتحق بصديقه الذي سبقه إلى الرّفيق الأعلى باثنتي عشرة سنة.
في هذه الرسائل رأيت الجسر بين عالمين، عالم يهوي في الشرق، هو عالم منيف، وعالم قصاب باشي الأوروبي المتربع على واجهة تشرق عليها الشمس، وتهب عليها نسائم الحياة. رأيت ما يمكن أن يمنحه صديق لصديقه يعاني الخواء والتعب النفسي، من قوة تمنعه من التّداعي والانهيار. رأيت أيضا الكثير من العشق الشّامي الدفين للكاتب الذي وجد ضالته في صديقه، ليقول ما يسكنه من هواجس تجاه دمشق التي يحبذ أن يسميها الشام. نكاد نرى بوضوح قراءته العجيبة لتعثرات الأفكار، وتوعُّكاتها الأيديولوجية التي نعيش نتائجها اليوم.
كل الحقائق تخرج من بطون الكلمات طازجة، كأنّها لم تكتب فقط بين مبدعين من كبار مبدعي هذا الشرق الحزين، ولكنّها كتبت لنا، في كل الأزمنة العربية، منذ هزيمة 67 إلى هزائمنا اليومية الحالية. نتكئ على أطراف الرسالة الأخيرة للقصاب باشي، بدون رد من صديقه، نفتح فصلا من الرسائل الملونة بالألوان المائية، بخط يده، نشعر بأن الكتاب فيه روح، ويتأهب لعناقنا. نشعر بحرارة الصداقة، وبحقيقتها الملموسة، مثل كائن حي. نشم روائح الأزهار المزروعة في الصفحات الأخيرة، وقد أصبنا بشلل الدهشة والإعجاب، مَن الكاتب منيف أم قصاب باشي؟ من الرّسام بينهما؟ ما كل ذلك الإبداع الذي لم يصلنا منه غير أربعمئة صفحــــة من أجــــمل ما كتب في صداقات الأدب بين كاتبين عربيين، عظيمين مثل غيرهما من عظماء الأدب. صنعا لنفسيهما وطنا اسمه «الصداقة».
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين