Saturday 16th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Oct-2019

دماء بغداد*رمزي الغزوي

 الدستور-في الموروث الشعبي العراقي أن مخرزاً نُسي في حمل جمل، ولما ظعن أهله للرحيل سار متحاملاً على مخرزه الغائص في جنبه حتى تخوم الموت، وعندما وصلوا، وأنزلوا أحمالهم أبصروا فيض الدماء، فجفلوا إذ ينيخ جملهم جثة باردة، وفي هذا قال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد رحمه الله: (قالوا ظل ولم تشعر به الإبل/ يمشي وحاديه يحدو وهو يحتملُ/ ولما أبصروا فيض الدماء جفلوا/ صبر العراق صبور أنت يا جملُ)!.

لم يمت العراق ولن يموت. هو مثل طائر الفينيق، هو يخرج من الرماد محلقاً. لم يمت طيلة أعوام من الرزوح تحت نير الفساد وسوء الإدارة، لم يمت ولكن جمله الصابر سينهض من بحر دمه ويمضي من جديد.
على وقع المظاهرات المطالبة بالقضاء على الفساد في عموم محافظات العراق، ومع حزني الأحمر على الشهداء، يراودني حلم خفيف أخذني إلى بغداد. أخذني إلى المستنصرية الجامعة، بساعتها الشامخة وورودها، وآسها الندي، الذي يؤطر الممرات، وقبل جرس المحاضرة حثت الخطى مع الصحب نحو النادي؛ نأتلف حول قهوتنا الأولى، ونعد على عجل ما بقي من واجباتنا المقيتة، وفيروز تشدو لنهار سيكون بديعاً.
عصراً أخذني الحلم من يدي إلى مقام الخِضر، الرابض على شبه تلة تحت جسر يصل رصافة بغداد بكرخها، وفي هذا المقام المتشح باللون الأخضر نبع ماءٍ عذبٍ يطفئُ المتعبون ظمأهم فيه؛ ويرخون أعنة أحلامه شموعاً طافيةً على هدوءِ الماء، فكل من لديه هم، أو حبيب غائب ينتظر أوبته، وكل من لديه حلم يراوده، كان يأتي ويطوف شمعة يأخذها دجلة، فعسى الحبيب يعود ببركة الخضر، وعسى الحلم يصير حقيقة بين أصابعنا.
مساءً أطوف مع صديقي شارع السعدون، ونيمم شطر ساحة التحرير، ونقف طويلاً تحت نصب الحرية الشهير وأسأله بدموع: لماذا ما زال يتلوى هذا النصب بكل هذا الوجع، أما آن لوجع العراق أن يترجل؟!.
أيها العراقيون. لا أحد سيقلع شوك يدكم إلا أنتم. أنتم تستحقون الحرية كاملة والحياة الكريمة. فمنذ ستين عاماً وما زلتم تخرجون من بحر دم إلى بحر. وقد آن الأوان أن تعود بغداد حاضرة للحياة، والشعر والنماء، والعيش الكريم بحرية، فهذا دأبها منذ كانت أور وبابل وآشور. 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات