الغد
هآرتس
غال ليبرتوف
توجد أوجه تشابه كثيرة بين العنف الشديد داخل إسرائيل والعنف في المناطق الخاضعة لحكمها. القاسم المشترك هو السياسة. ليس فشل أو اهمال أو لامبالاة بحياة الانسان، بل سياسة موجهة من الأعلى، من طاولة الحكومة ومن يترأسها. وهو نفس رئيس الحكومة الذي كان يعرف بالضبط ما يفعله وماذا سيحدث عندما ترك الشرطة وكل الشعب في يد ايتمار بن غفير، وترك الأراضي في يد بتسلئيل سموتريتش، والامن في يد يسرائيل كاتس والقضاء في يد ياريف لفين.
يستخدم كل نظام مستبد العنف لقمع معارضيه وتهديدهم، ولحرف الانتباه عن افعاله وتفريق الناس وحكمهم، أي خلق "عدو" وهمي وشيطاني، سواء تمت تسميته "اليسار" أو "العرب" أو "الدولة العميقة". العدو الذي تعمل الحكومة ضده وتحرض عليه هو نحن، مواطنو الدولة، عرب ويهود، علمانيون ومتدينون الذين لا يؤيدونها، الفنانون والاكاديميون، وحتى الفتيات اللواتي يتجرأن على الخدمة في الجيش الإسرائيلي، الامر الذي يثير استياء المقربين من الحاكم وابواقه. ان الحكومة معنية بجمهور خائف ومنقسم ومحبط يدفع افراده الى الاقتتال، والجماعات الى الاقتتال، والقطاعات الى الاقتتال، والنوع الاجتماعي ضد الاخر، بدلا من مواجهته، وبدلا من الدفاع عن حقوقه.
لنبدأ بالبلدات العربية، حيث تفاقمت الجريمة وتضاعف عدد جرائم القتل ثلاثة اضعاف في ظل الحكومة الحالية. فاذا كان عدد القتلى يزداد أسبوعيا منذ تشكيل هذه الحكومة، ففي الأشهر الأخيرة يقتل شخص كل يوم ولا احد يهتم بإحصاء الجرائم الأخرى الخطيرة.
منظمات الجريمة هي طرف جبل الجليد الظاهر، وليست هي أساسه. يمكن التعامل معها بسهولة اذا توفرت الإرادة. حتى خلال فترة عملي في النيابة العامة كنا نشاهد جدالات وصراعات شخصية وسياسية في العمل مع النخبة، لكن الهدف كان واضح والقيم مشتركة. لم تشاهد البلاد حكومة كهذه من قبل، تشجع على العنف وتعتبر مكسبا وتبني عليه. بالنسبة لبنيامين نتنياهو الوضع ممتاز ("نجاح"، على وزن "نهضة")، أو ربما هو يلوم الاستشارة القانونية. تتم سرقة الميزانيات من المجتمع العربي بفضل الوزيرة المشتبه فيها ماي غولان. في نفس الوقت تلقي ابواق الحكومة اللوم على الضحية: هذه هي ثقافة المجتمع العربي، بالضبط مثلما يصفون أفعال زعران الحكومة على اعتبار انها "تعكس الواقع". في الواقع ثقافة العنف ليست الا حكر على بعض وزراء الحكومة وانصارهم الذين يعتبرونها أيضا وسيلة لحل ما يعتبرونه مشكلة ديمغرافية: تقليل عدد العرب بقدر الإمكان، ونفس الشيء ينطبق على "الكابلانيين".
في المناطق المحتلة نشاهد مذابح يرتكبها اليهود، نعم مذابح، لا توجد طريقة أخرى لتسميتها أو وصف لطيف لها أو مكانة لتحمل هذا العار. الجيش يحمي المشاغبين، والشرطة لا تجري تحقيقات، والمجرمون العنيفون يتجولون في الشوارع بدون رادع، ويصممون على اشعال النار والضرب والتدمير والدفن والطرد والقتل. مرة أخرى ذهبت كل تحذيرات المؤسسة الأمنية ادراج الرياح.
اما نتننياهو فيسمح لشركائه السياسيين وانصارهم باشعال نار الفتنة في الضفة الغربية. فما هي قيمة حياة البشر – سواء كانوا مدنيين أو جنود، يهود أو عرب، رجال أو نساء، فلسطينيين أو إسرائيليين – مقارنة مع استمرار حكمه؟. هو متساهل مع هذه الأفعال ومن يرتكبونها (فقط 70 من فتيان التلال)، بينما في نفس الوقت يتم تحييد الجناح اليهودي في جهاز الشباك ويطلق سراح المعتقلين الإداريين، اليهود فقط بالطبع، من قبل وزير الدفاع من اجل انضمامهم الى المشاغبين وقيادتهم. ترسل رسالة واضحة للجيش والجنود في الميدان: ليس من مهمتكم حماية الشعب الفلسطيني من مضطهديه. ربما سيأتي يوم لا تتم فيه محاسبة الجناة ومرسليهم فقط، بل محاسبة أيضا من يوافقون على هذه الأفعال بصمت ولامبالاة. كل مواطن صمت سيحاكم في محكمة التاريخ، بسبب انه لم يرغب في معرفة ما يتم ارتكابه باسمه.
سياسة العنف نفسها يتم تطبيقها كوسيلة قمع في كل ارجاء إسرائيل: ضد المراسلين الذين يتجرأون على كشف جرائم الحكومة للجمهور، ضد الشهود الذين يتجرأون على تقديم شهاداتهم في محاكمة الحاكم الأعلى، ضد مجندات الجيش الإسرائيلي اللواتي يقمن بمهماتهن بسرور في معقل انصار النظام (بني براك)، الامر الذي لا يشرعن تهربهم فقط، بل يساهم أيضا في عنفهم.