Sunday 22nd of July 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Apr-2018

ما بعد الضربات الجوية في سوريا - حسن أبو هنية

 الراي - تشكل الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على مواقع سورية عقب الهجوم الكيماوي المفترض على مدينة دوما السورية التابعة لريف دمشق العاصمة، والذي أودى بحياة ما يقارب 78 مدنيًا وجرح مئات آخرين، في السابع من نيسان/ إبريل 2018 ،مرحلة جديدة من الصراع الممتد على مدى أكثر من 7 سنوات، وعلى الرغم من التهويل من حجم الضربات قبل تنفيذها، إلا أنها كانت محدودة الأهداف ومحددة الوسائل، وتقع في مجال البراغماتية الواقعية، لكنها دشنت معادلة أكثر وضوحا في التعامل مع المسألة السورية، تقوم على الاعتراف بشرعية النظام وفق مفهوم السيادة وما يتبعه من مسؤوليات دولية بالالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات.

في هذا السياق أكدت أميركا وبريطانيا وفرنسا على أن الهدف من الضربات محدد بتدمير وتقويض قدرات النظام الكيماوية، وشددت على عدم استهداف النظام وتقويضه، وأعادت تحديد مهمتها بحرب «إرهاب» تنظيم «الدولة الإسلامية»، فقدأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن «الضربات التي نفذت في سوريا لا تستهدف تغيير النظام بل ردعه عن إستخدام الأسلحة الكمياوية»، داعية روسيا «إلى الإلتزام بما تعهدت به بشأن نزع السلاح الكيميائي»، وأكدت وزارة الدفاع الأميركية أن «هدفنا الرئيسي هو القضاء على تنظيم داعش»، مشيرة إلى أن «ضرباتنا استهدفت بشكل رئيسي منشآت يستخدمها النظام السوري لتخزين الكيميائي»، لافتة إلى أن «ضرباتنا هي رسالة للأسد بضرورة وقف إستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين».
بعيدا عن تأويلات النصر والهزيمة، هدفت الهجمات إلى إعادة استدخال النظام السوري كعضو معترف به في المجتمع الدولي، بعد سنوات من الحديث عن فقدان النظام للشرعية والمطالبة برحيل الأسد وتغيير النظام، ولذلك جاءت الضربات بمعادلة واضحة تستند نظريا إلى القانون الدولي رغم الجدل حول
مشروعيتها، فقدد شددت وزارة الدفاع على عدم سقوط ضحايا وأنه «تم ضرب الأهداف المحددة بدقة»، وقالت أنها «ستعيد برنامج تطوير الأسلحة الكيماوية سنوات إلى الوراء»، وادعت: «الصواريخ التي أطلقتها بوارج أميركية وبريطانية وفرنسية حققت أهدافها بنجاح»، وأوضحت أن «الغارات استهدفت 3 مراكز للسلاح الكيميائي»، مؤكدة أنه «لم يتم إسقاط أي صاروخ من صواريخنا من قبل قوات الدفاع الجوي السوري».
وأشارت إلى أننا «أطلقنا 105 صواريخ على 3 أهداف ولم نلحق أي أضرار بالمدنيين»، كاشفة عن أن لديها «أدلة ومعلومات استخبارية عن استخدام الأسد أسلحة كيميائية».
لقد جرى تجاوز تعقيدات الأزمة السورية والتعريفات المختلفة للفاعلين، كضرورة للدخول في أفق سياسي جديد والإقرار بالوقائع الراهنة، وأعيد تعريف الصراع باعتباره خلافا حول شرعية المجتمع الدولي ودوره في محاربة ومكافحة ما يخل في بنية النظام الدولي، وتأتي مسألة الحرب على «الإرهاب» في مقدمة الشرعنة، التي تستهدف الفاعلين من غير الدول، و «إرهاب» الدول المتجسد باستخدام الأسلحة الكيماوية، وقد م النظام السوري في مرحلة مبكرة أهمية مسألة حرب الإرهاب في شرعنة نفسه، حيث خاض حربه الداخلية منذ بداية الانتفاضة الاحتجاجية السلمية باسم مكافحة «الإرهاب»، ذلك أن الهول بالتعريف الحداثي المعاصر بات يتمثل في أي عمل يتخطى الحداثة العسكرية، باستخدام وسائل تنتمي إلى حالة من «البربرية» كنقيض للوضعية «الحضارية»، والتي تتجسد بتنفيذ العمل «الإنتحاري» واستخدام السلاح «الكيماوي»، باعتبارهما روح «الإرهاب»، وبذلك فإن قتل مئات الآلاف من المدنيين السوريين بالأسلحة التقليدية على اختلاف أنواعها لا يخلف أثرا أو ندوبا على المجتمع الدولي والكرامة الإنسانية عموما، بل يغدو القتل بطولة وشجاعة في حالة الإنسان المستباح الذي يتجسد في حالة «الإرهابي» المفترض خصوصا.
بصرف النظر عن سرديات المعارضة والثورة والمقاومة التقليدية التي راجت على مدى سنوات الأزمة السورية، خلقت الوقائع الجديدة معادلة أشد وضوحا، تستند إلى الإقرار بانتصار النظام السوري، وإعادة النظر في موضوع السيادة والشرعية، حيث بات التركيز على نظام شرعي يرتكب تجاوزات تتعلق باستخدامه أسلحة محرمة دوليا، وفي مقدمتها الأسلحة الكيميائية، وهي تهمة طالما أنكرها النظام السوري وحلفاؤه وأعتبرت بمثابة ذريعة لتقويض النظام، لكن ما يطلق عليه المجتمع الدولي وعلى رأسه أميركاـ يؤكد على أن الهجوم الكيماوي المفترض على مدينة دوما لم يكن الأول، فبحسب المندوبة الأميركية نيكي هايلي استخدم النظام الأسلحة الكيماوية أكثر من 50 مرة، لكن الرد هو الثاني بعد الهجوم الكيماوي على منطقة خان شيخون بريف إدلب في 4 نيسان/ إبريل 2017 والذي أسفر عن مقتل 100 شخص وإصابة400 آخرين، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب حكومة الرئيس السوري بشار الأسد «بتجاوز الخط الأحمر»، وأصدر أوامره للقوات الأميركية في 7 نيسان/ إبريل 2017 بإطلاق 59 صاروخا من طراز توماهوك من سفينتين في البحر المتوسط على قاعدة الشعيرات الجوية في محافظة حمص وسط سوريا.
إن الرد الأميركي البريطاني الفرنسي على الهجوم الكيماوي المفترض يهدف إلى إعادة بناء الثقة بمفهوم المجتمع الدولي، الذي تضرر مع إدارة الرئيس أوباما، حين بدت أميركا ضعيفة وعاجزة عقب تصريحاته بأن استخدام الأسد للسلاح الكيماوي يمثل «خطاً أحمرَ» التي أطلقها في آب/أغسطس 2012 حيث قام النظام السوري بتجاوز ذلك الخط مرات عديدة كما حدث في آذار/مارس 2013 في خان العسل بحلب عندما استخدم النظام غاز السارين وتسبب بسقوط 20 قتيلاً و80 مصاباً، وبلغت ذروتها في 21 آب/أغسطس 2013 عندما استخدمت قوات النظام غاز السارين في قصفها للغوطة الشرقية ما أوقع 1500 قتيل وإصابة أكثر من 5000 شخص معظمهم من الأطفال والنساء.
لقد جائت الضربات الجوية الأخيرة لإعادة الثقة بمفهوم المجتمع الدولي، وإعادة تأهيل النظام السوري، ودفعه إلى الوفاء بالتزاماته الدولية، فعقب المجزرة الكيماوية الأشهر في خان شيخون بسوريا أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في 1 أيلول/ سبتمبر 2013 عن قراره توجيه ضربة عسكريّة إلى النظام شرط تصديق الكونغرس، وقد تراجع عن إعلانه عندما أعلنت روسيا مبادرة تقضي بوضع الأسلحة الكيماوية السوريّة تحت الرقابة الدولية وبسحبها وتدميرها في مرحلة لاحقة وقد صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 بالإجماع في 27 أيلول/ سبتمبر 2013 على خلفية التسوية الكيماوية التي تم التوصل إليها في جنيف يوم 14 أيلول/ سبتمبر 2013 بين روسيا والولايات المتحدة.
خلاصة القول أن الضربات الأميركية بمشاركة بريطانية وفرنسية على مواقع أسلحة كيميائية مفترضة تابعة للنظام السوري، تعيد تأهيل النظام السوري كعضو في المجتمع الدولي، وتهدف إلى وضع خطوط واضحة كشرط للاستدخال، فالجميع يدرك أن الضربات لن تغير شيئا في ميزان القوى في سوريا، الذي باتت فيه روسيا تتمتع باليد العليا، وإيران بالنفوذ والهيمنة، وبعذا فإن خطوط الصدع القديمة في سوريا الجديدة ستقوم على تخوم الصراع على الالتزام بمبادئ القانون الدولي.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات