Monday 18th of January 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Dec-2020

هل «الهايكو» قصيدة؟

 الدستور-فاتن أنور/ رئيسة نادي شعراء الطّبيعة (هايكو الأردن)

 
منذ بداية انتشار الهايكو وهو يثير جدلاً واسعاً؛ هذا اللّون الأدبي الذي انتقل من اليابان، منذ القرن الخامس عشر ظهر شعر (الرينغا) وفي القرن السّادس عشر الهايكاي، وتطور على يد ماتسو باشو في القرن السّابع عشر لينتشر إلى كلّ دول العالم.
 
نجح الهايكو في اختزاله، وعمقه في لفت انتباه الشّعراء ممّن يكتبون القصيدة العمودية ،وقصيدة النّثر في عالم يتطوّر بسرعة، ويرفض الانغلاق والرّجوع للأنماط التقليديّة المعروفة.
 
لن أطرق باب اللّغات الأجنبية، والتي سمّت الهايكو بـ(poem، وpoème) وانتقال اللفظة للعربيّة كقصيدة وسأطرق باب اللغة العربيّة.
 
إذا قلنا إن القصيدة وزن وقافية فقط نحن نجني على الكثير من القصائد، ونستثني بهذا قصيدة النّثر، وفن التوقيعة (قصيدة الأيقونة، قصيدة الخبر، الهايكو..إلخ)، والتي عرّفها الأستاذ عز الدين المناصرة بأنها «قصيدة قصيرة جداً جداً من نوع جنس الحافة تتميز بالاقتصاد،والتّركيز وعصبها المفارقة السّاخرة والإيحاء والترميز والانزياح».
 
النّثر؛ والتي وجدت منذ عام 1954 مع ظهور المجموعة الشعرية للشّاعر الفلسطيني توفيق الصّايغ ( ثلاثون قصيدة ) ومجلة (شعر) عام 1957 التي نشرت هذه القصيدة ومن خصائصها خلّوها من الوزن والقافية، وعدم احتوائها على المحسّنات البديعيّة.
 
لنعد للتّاريخ ونسأل: ألم يكن الشّعر الجاهلي العربي قبل علم العروض والقوافي؟ كيف كان العرب يحكمون على القصيدة؟ وما هو مقياسهم آنذاك للحكم على الشّاعر من الشويعر؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى وقفة قبل أن نحكم على الهايكو اليوم.
 
د. إبراهيم عوض يقول:
 
«يَسخر كثير من النُّقاد من تعريف الشّعر بأنه «الكلام الموزون المقفّى»، على أساس أن الوزن والقافية لا يكفيان لتمييز هذا الفن؛ إذ النّظم هو أيضًا كلام موزون مقفًّى، ولكنه بكل تأكيد ليس شعرًا؛ ذلك أن الشّعر ليس كلامًا ووزنًا وقافيةً فحسب».
 
يذكّرني قوله هذا بألفيّة بن مالك والتي جمع فيها النّحو والصّرف. هناك مقومات كثيرة أخرى عند العرب تطرّق لها قدامة بن جعفر غير النّظم؛ منها اللفظ والمعنى والموسيقى كمقوّمات للشعر والحكم على القصيدة وأفرد لكل منها مقالاً.
 
إذاً كيف نعرّف الشّعر؟
 
يقول حازم القرطاجني في «منهاج البلغاء»: «الشّعر كلام موزون مقفّى، من شأنه أن يُحبِّب إلى النّفس ما قصد تَحبيبه إليها، ويُكرِّه إليها ما قصد تكريهه؛ لتُحمَل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حُسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها، أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه، أو قوة شهوته، أو بمجموع ذلك».
 
ويقول القاضي الجرجاني: «الشّعر علم من علوم العرب يشترك فيها الطّبع والرويّة والذّكاء ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه».
 
وفي مقدمة ابن خلدون نقرأ: إن «قول العروضيين في حد الشعر: إنه الكلام الموزون المقفى - ليس بحد لهذا الشعر، باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن، والقوالب الخاصة، فلا جَرم أن حدّهم ذاك لا يصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية، فنقول: إن الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متَّفقة في الوزن والرَّوِي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به».
 
معنى هذا أن الحكم على القصيدة لا يكون بالقافية والوزن فقط؛ هناك الموسيقى وهناك المعنى والحسّ الوجداني، وهناك الصّياغة اللغوية والفنيّة التي تجعلك تميّز الشّعر الجيد عن غيره هل يمكن أن تتوافر هذه العناصر في الهايكو؟ أو بعضها؟
 
يذكر محمود الرجبي «ثلاث آليات لكتابة الهايكو:
 
-الهايكو الموزون.
 
-الهايكو المبني على مزج التفعيلات من البحار المتقاربة والمتناسقة إيقاعيّا بحيث يكون في كل سطر وزن أو تفعيلات متناسقة.
 
-الهايكو المعتمد على الإيقاع الداخلي الناتج عن تناسق الألفاظ وترابطها من خلال إيقاع اللفظ الخاص الذي تظهره الصّورة الشّعرية البصرية بمتطلباتها البلاغية من إيجاز، واستخدام لعلوم البديع بما يسمى إيقاع الدلالة والمعنى..».
 
إذاً هل نقبل بالهايكو الموزون كقصيدة ونترك الهايكو غير الموزون؟
 
في مقال سابق لي تحدثت عن الموسيقى في الهايكو وقلت إذا كنّا أسقطنا الوزن والقافية في النّص بقي الإيقاع، والموسيقى الدّاخلية. وهناك الصّورة الشّعرية وتوافق الألفاظ.
 
الشّعر لا يمكن تخيّله بدون موسيقى.في الشّعر العمودي هناك الوزن والقافية والإيقاع. في الهايكو من الممكن توفّرها لكنها ستكون عبئاً على القصيدة القصيرة البسيطة التي تقتصد في المجاز، والمفردات لذا الموسيقى هنا في الإيقاع ويتحقق بحساسية المفردة، وخفة الصّياغة
 
والوقفات، والسّكنات لالتقاط نفس عميق قبل الغوص في العمق. فالإيقاع داخل نسيج اللغة وفي العلاقة الدّلالية للمعنى وظلال الكلمات.
 
يقول عباس عمارة: «بما أن قصيدة الهايكو هي قصيدة نثر لا تعتمد الوزن إنما على الإيقاع الدّاخلي الذي يتكون من تجاور الصور الشّعرية مع بعضها البعض فهي إذن شعر بالمفهوم المعاصر للشعر».
 
بقى أن نقول هناك من يفضّلون الشّعر القديم على المحدث منذ زمن بعيد قائم هذا الخلاف، لكنّ ذلك لا يجب أن يخلّ بالاحتكام السّليم في تقويم الشّعر الحديث، وإنصافه وإذا كانت قصيدة النّثر قد لاقت صعوبة لإثبات وجودها. من الطّبيعي أن يلاقي الهايكو بعض الصّعوبات قبل أن يحتل مكانه على السّاحة الثّقافية وسط الكثير من المعوّقات.ومنها رفض الحداثة، ووجود نصوص لا تمت لا للشّعر، ولا للأدب بصلة بسبب استسهال البعض كتابة ثلاثة أسطر دون قيود البلاغة والوزن والقافية مع أن الهايكو له خصائص محدّدة تميزه عن باقي الأنواع الأخرى من الأدب الوجيز.
 
أحببت كلمة سامح درويش: «شخصيا أؤمن بالّشعر، وكلما تجسّد هذا الشّعر في نص فهو قصيدة وبالتالي فإن الهايكو الحقيقي قصيدة».
 
أضيف هنا وأقول: الهايكو قصيدة قصيرة جداً مهما اختلف بناؤها مازالت تحافظ على سمات الشّعر، والإيقاع الداخلي وجمال الوَصف والمشهد وعمق المعنى. ناهيك أن من الممكن أن نخرج الكثير من الهايكو من الشّعر العربي القديم وقصيدة البيت الواحد. أعني الشّعر العربي القديم قبل العروض وبعده.
 
وإذا كنّا قد قبلنا بقصيدة النّثر التي كسرت حصار الأوزان، والقوافي وخرجت على اللغة الشّعرية التقليديّة مواكبة للحداثة في ذلك الوقت لم لا نقبل بالهايكو اليوم الذي يحمل رؤية الشاعر وإحساسه الحقيقي بواقع متسارع يعيشه وأحداث سياسية واجتماعية جعلته ينزع للواقعية والبساطة. لا يمكن حصر الإبداع في ثوب ضيق. وقوالب جاهزة في عصر الانفتاح والسّرعة.. والتجديد حالة طبيعية وظاهرة سليمة؛ هو القبول بما هو واقعي وموضوعي. الأدب الذي لا يجنح للخيال وسط واقع نعيشه بكل حواسنا وندركه بأبسط وسائل التّواصل.. العالم أصبح صغيراً فجأة! والقصيدة لم لا تكون قصيرة؟
 
الهايكو الجميل الذي يحقق خصائص الشّعر العربي، ويحرّك وجدان القارئ ببنيته اللغوية والفنية، وموسيقاه الدّاخلية ومعناه العميق، ويحقق التّمازج، والتّوافق بين عناصره ويجعلك تتفاعل معه ليخلد في ذهنك هو قصيدة بلا شك، وقيمة جماليّة تضاف للشّعر العربي.
 
 المراجع
 
مقدمة كتاب (رسائل الزيتون من المغرب إلى القدس) عز الدين مناصرة/ فاتن أنور وحسن رفيقي.
 
كتاب (وجهة نظر في قصيدة الهايكو العربية) محمود الرجبي.
 
مقال (الموسيقى في الهايكو ) فاتن أنور جريدة الدستور 2020.
 
مقال (قصيدة النثر في الشعر العربي المعاصر )2018/06 د. رحمن غركان.
 
(مظاهر التجديد في الشعر العربي) 2016/04/03 مجد خضر.
 
مقال (الحداثة الشعرية بين الشكل والمضمون) علي البتيري.
 
(مقدمة ابن خلدون)
 
(كتاب مناهج النقد العربي الحديث) د.ابراهيم عوض
 
(كتاب نقد الشعر) قدامة بن جعفر