Thursday 21st of October 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    21-Sep-2021

كيف تكون الغلبة للديمقراطية مرة أخرى؟

 الغد-جيرجلي كاراكسوني*

 
بودابست ــ تزامنت يقظتي السياسية مع التغيرات الجهازية الشاملة التي توالت فصولها في أعقاب انهيار الشيوعية في المجر العام 1989. كنت مفتونا وشعرت بسعادة غامرة إزاء التحول الديمقراطي السريع الذي شهده بلدي. كنت آنذاك شابا مراهقا يافعا، وقد أقنعت أسرتي بتوصيلي إلى الحدود النمساوية حتى يتسنى لي أن أرى التاريخ وهو يـصـنع: تفكيك الستار الحديدي، الذي سمح للاجئين من ألمانيا الشرقية بالتوجه إلى الغرب. قرأت العديد من المطبوعات الجديدة وحضرت اجتماعات حاشدة نظمتها الأحزاب السياسية الديمقراطية المؤسسة حديثا، وجرفني كل هذا إلى أجواء من الأمل لا تقيدها حدود لمستقبلنا.
اليوم، تبدو هذه المشاعر وكأنها سذاجة صبيانية، أو على الأقل أشبه بنتاج حالة ذهنية شاعرية. الآن، أصبحت الديمقراطية ومستقبل الحضارة الإنسانية عُـرضة لمخاطر جسيمة، وتحدق بهما أزمات متداخلة ومتعددة الأوجه.
بعد مرور ثلاثين عاما منذ سقطت الشيوعية، نُـضـطر مرة أخرى إلى مواجهة قوى سياسية مناهضة للديمقراطية في أوروبا. تشبه تصرفات هذه القوى غالبا أفعال الشيوعيين على الطراز القديم، لكنها الآن تعمل من خلال منصة الشعبوية السلطوية الفاشستية المعادية للمهاجرين. ما يزال المنتمون إلى هذه القوى يتذمرون، مثلهم كمثل الشيوعيين القدامى، بشأن «العملاء الأجانب» و»أعداء الدولة» ــ وبهذا يقصدون كل من يعارض قيمهم أو تفضيلاتهم السياسية ــ وما زالوا يذمون الغرب، مستخدمين في كثير من الأحيان ذات المصطلحات المسيئة التي سمعناها أثناء الحكم الشيوعي. لقد تسببت ممارساتهم في تآكل الأعراف والمؤسسات الديمقراطية، فدمرت المجال العام وغسلت أدمغة المواطنين من خلال الأكاذيب والتلاعب.
تميل الشعبوية المعادية للمهاجرين إلى التوجه نحو هدف واحد فقط: احتكار سلطة الدولة وكل أصولها. في بلدي، استولى نظام رئيس الوزراء فيكتور أوربان على الدولة بالكامل تقريبا من خلال التلاعب البارع بالمؤسسات الديمقراطية وإفساد الاقتصاد. سوف تُـظـهِـر الانتخابات البرلمانية في العام المقبل (التي أخوضها ضد أوربان) ما إذا كان فَـك أسر الدولة في المجر ما يزال في حكم الممكن.
أعتقد أن هذا ممكن. لكن تحميل الشعبويين كامل المسؤولية عن تآكل ديمقراطيتنا يقودنا إلى الخطأ في تحديد الأسباب والنتائج. الواقع أن جذور أوجه القصور التي تعيب ديمقراطيتنا تمتد إلى أعماق أبعد من قومية الحزب الحاكم الحماسية، والمحافظة الاجتماعية، والرغبة الشديدة في تقليص الحقوق الدستورية. مثله كمثل صعود الأحزاب السياسية غير الليبرالية في الديمقراطيات الغربية الأقدم، ينبع التراجع الديمقراطي في أوروبا الوسطى والشرقية من قضايا بنيوية مثل تفشي الظلم الاجتماعي والتفاوت بين الناس. ترجع هذه المشاكل بشكل كبير إلى سوء الإدارة وإساءة استخدام عملية الخصخصة بعد العام 1989 والانتقال إلى اقتصاد السوق.
تعاني الديمقراطيات الراسخة الأقدم عهدا من نتائج اجتماعية مشوهة على نحو مماثل. فمع تطور دولة الرفاهة ذات العقلية الاجتماعية في العقود التي تلت الحرب مباشرة (الفترة التي أطلق عليها عالم الديموغرافيا الفرنسي جان فورستي المسمى الشهير «الثلاثون المجيدة»)، سمح النمو الاقتصادي في الديمقراطيات الغربية بقدر هائل من توسع الطبقة المتوسطة. لكن هذا أعقبته موجة من إلغاء الضوابط التنظيمية على الطريقة النيوليبرالية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على أصولية السوق، والتي باتت نتائجها واضحة بشكل صارخ اليوم.
كان الفصل الجذري بين النمو الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية هو الذي سمح، أكثر من أي شيء آخر، للجني الشعبوي غير الليبرالي بالخروج من القمقم وكسر الإجماع الديمقراطي في العديد من البلدان.
الأسوأ من هذا أن جيلنا مبتلى بما هو أكثر من «مجرد» اضطرابات سياسية واجتماعية هائلة. فنحن نواجه أيضا أزمة مناخية تدعو إلى التساؤل حول الشروط المسبقة التي تـنظم المجتمعات الحديثة على أساسها. يرى التقدميون من أمثالي هذا أيضا على أنه نتيجة مباشرة للكيفية التي يعمل بها نظامنا الاقتصادي. إن النمو الاقتصادي اللانهائي ــ الديناميكية الأساسية في الرأسمالية ــ لا يتوافق ببساطة مع الحياة على كوكب محدود الموارد. في ظل الأوضاع الحالية، يدفع نظامنا الرأسمالي في اتجاه المزيد من استخراج الموارد وتوليد المزيد من الانبعاثات كل عام.
في مواجهة مثل هذه التحديات، لا يجوز لنا أن نسمح لأنفسنا بالاستسلام للقدرية أو اللامبالاة. يتعين على التقدميين في نهاية المطاف أن يؤمنوا بوعد التقدم البشري. فمن الممكن أن نعمل على تكييف مؤسساتنا وسياساتنا الاقتصادية على النحو الذي يجعلها تراعي الظروف المتغيرة. كما يمكننا تصحيح المظالم التي تنفر الناس من الديمقراطية. ونحن قادرون على استعادة قنوات الحوار الديمقراطي.
بصفتي عمدة مدينة بودابست، إحدى المدن الأوروبية الكبرى، أستطيع أن أشهد على حقيقة مفادها أن الحكم المحلي مهم. سواء كان ذلك من خلال المشاركة الديمقراطية، أو خفض الانبعاثات، أو الاستثمار الاجتماعي (المناطق التي قطعنا فيها بالفعل خطوات كبيرة على الرغم من المقاومة الشرسة من جانب نظام أوربان)، فإن الحكومات المحلية في موقع يسمح لها بتحسين حياة المواطنين. من خلال القيام بذلك، يصبح بوسعنا أيضا خلق أوجه التآزر والنماذج الجديدة التي ستساهم في التغيير التدريجي على نطاق أوسع. لذا، فبالإضافة إلى ما نقوم به بمفردنا، تحرص مدينة بودابست على المساهمة في كل الجهود الدولية الرامية إلى الحفاظ على الديمقراطية وصيانة كوكب صالح للعيش.
لتحقيق هذه الغاية، سنعقد منتدى بودابست لبناء ديمقراطيات مستدامة هذا الشهر لتجميع نطاق واسع من أصحاب المصلحة في مكان واحد، بما في ذلك رؤساء البلديات، ومسؤولون من الاتحاد الأوروبي، ونشطاء، وأكاديميون بارزون. وسوف يناقش المشاركون الاستراتيجيات اللازمة للتصدي لبعض التحديات السياسية الأكثر إلحاحا في عصرنا، ثم يقدمون توصيات سياسية استشرافية قابلة للتنفيذ.
كجزء من المنتدى، ستستضيف بودابست أيضا قمة ميثاق المدن الحرة لبناء شبكة عالمية أوسع من رؤساء البلديات وقادة المدن الملتزمين بالدفاع عن الديمقراطية والتعددية. ينضم أكثر من عشرين من قادة المدن ــ من لوس أنجليس إلى باريس ومن برشلونة إلى تايبيه ــ إلى تحالف أنشأه رؤساء بلديات عواصم مجموعة فيشجراد (جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوفاكيا) في كانون الأول (ديسمبر) 2019.
قال مارتن لوثر كنج الابن إن أولئك الذين يريدون السلام يجب أن يتعلموا كيف ينظمون أنفسهم بقدر من العزيمة والفعالية لا يقل عن أولئك الذين يريدون الحرب. ويصدق ذات القول على الديمقراطية. من خلال منتدى بودابست وميثاق المدن الحرة، تعتزم مدينة بودابست المساعدة في تنظيم القوى من مختلف شرائح المجتمع لضمان مستقبل ديمقراطي وقابل للعيش في أوروبا الوسطى والشرقية. لا بديل للنصر في معركتنا الفكرية ضد الشعبوية المعادية للمهاجرين والكفاح الحضاري ضد تغير المناخ ــ ويتعين علينا أن نقوم بالأمرين معا في ذات الوقت.
 
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
*جيرجلي كاراكسوني عمدة مدينة بودابست ومرشح لمنصب رئيس الوزراء في المجر.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2021.