الغد
هآرتس
دفنه ميئور 18/3/2026
لا يفهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبب عدم استعداد حلفاء بلاده للتعاون في الحفاظ على سلامة الملاحة في مضيق هرمز.
فهو في نهاية المطاف شريان الطاقة الرئيس الذي يحرك اقتصاد دول كثيرة، لا سيما آسيا وأوروبا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة. عندما بدأت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من أسبوعين، ظهر أن الحسم العسكري والسياسي هو السائد.
ولكن في الواقع استغلت إيران نفوذها الإستراتيجي الكبير على سوق ما زالت مهمة جدا للعالم، وهي سوق الطاقة. وبحركة كماشة بدأت بمهاجمة جيرانها في الخليج، بعض أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر، وحتى العراق والكويت. كان مضيق هرمز الذي يمر فيه تقريبا خُمس إمدادات النفط العالمية بمثابة الذراع الأخرى للكماشة. لا توجد سفينة آمنة إذا لم توافق إيران على عبورها. وهكذا توقف خُمس إمدادات الغاز العالمي و15 % من إمدادات النفط. وكانت النتيجة سريعة وقاسية: اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة العالمية. فقد ارتفع سعر النفط الخام، الذي كان في تصاعد منذ بداية السنة على خلفية توقعات بشن الولايات المتحدة الهجوم، بشكل حاد.
بالإجمال ارتفع سعره بـ 43 % منذ بداية الحرب، وبـ70 % منذ بداية السنة، ووصل إلى 103 دولارات للبرميل من خام برنت اعتبارا من يوم أمس.
وفي وقت ما في الأسبوع الماضي اقترب السعر من 120 دولارا للبرميل خلال التداولات. أيضا قفز سعر الغاز، منتج طاقة آخر مطلوب بشدة، بنسبة 65 % في التداولات الأوروبية منذ بداية الحرب.
أصبح العالم أقل اعتمادا على النفط مما كان عليه في السابق. يشكل النفط 30 % من إمدادات الطاقة العالمية، مقارنة بـ50 % في سبعينيات القرن الماضي، ولكنه ما زال يشكل نسبة كبيرة.
عندما يرتفع سعر النفط، لا تقتصر زيادة الأسعار على منتجات الطاقة مثل بنزين السيارات، بل تشمل أي منتج يستخدم الطاقة في الإنتاج أو النقل، وحتى أي نشاط اقتصادي يعتمد على الطاقة غير المتجددة. إذا استمر سعر النفط في الارتفاع أو بقي مرتفعا فستعاني معظم الاقتصادات في العالم من التضخم.
تمتلك معظم الاقتصادات الكبرى احتياطيا من النفط الخام، الذي تراكم بعد أزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي تحت توجيهات وكالة الطاقة الدولية، ولكنها لن تكفي إلا لبضعة أسابيع. إذا طالت الحرب فستتفاقم الأزمة.
أما الاقتصادات في آسيا، وهي اقتصادات صناعية كثيفة وتحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة، فلا تملك موارد نفط وغاز محلية وتضطر إلى استيراد النفط من الخليج والولايات المتحدة بشكل رئيس عن طريق مضيق هرمز.
بدأ ارتفاع أسعار النفط يؤثر سلبا على الاقتصاد؛ فالمصانع تعاني في الحصول على منتجات الطاقة وتتراجع أرباحها، ويدفع المستهلك مبلغا أكبر مقابل الوقود، وترتفع أسعار المنتجات في مختلف قطاعات الاقتصاد.
تعتبر الولايات المتحدة أقل الاقتصادات اعتمادا على نفط الخليج، إذ طورت في العقود الأخيرة حقول النفط الصخري التي تستخرج منها النفط والغاز باستخدام تقنية التكسير الهيدروليكي. في الواقع هي أكبر منتجة للنفط في العالم بل وتصدر فائضا. لماذا إذا يظهر ترامب كل هذا القلق إزاء ارتفاع أسعار النفط؟
بما أن النفط سلعة عالمية يمكن نقلها بسهولة من مكان إلى آخر في العالم، فإن أي نقص في أي مكان يؤثر على الأماكن الأخرى، وهذا ما يفسر الارتفاع الحاد في أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة. ونتيجة لذلك ترتفع أسعار النفط ومشتقاته في الولايات المتحدة أيضا، وهو ما ينعكس مباشرة على ارتفاع أسعار وقود السيارات.
فقد ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 20 % منذ بداية الحرب وحتى أول أمس، وهذه قفزة كبيرة تتزامن مع اقتراب عطلة الربيع وسفر الكثير من الأميركيين لقضاء الإجازات.
بالنسبة لترامب، تُعتبر هذه كارثة سياسية. فسعر البنزين من أهم مؤشرات القوة، لا سيما في سنة انتخابات نصف الولاية، ولا سيما مع استياء الناخبين، بمن فيهم الجمهوريون، من سياسته الاقتصادية.
يخشى ترامب أن يسهم ارتفاع تكلفة المعيشة في فوز منافسيه الديمقراطيين بأغلبية ساحقة في انتخابات الكونغرس والمناصب الأخرى.
في المرة السابقة التي ارتفعت فيها أسعار البنزين بشكل حاد في ولاية بايدن، أمر الرئيس بفتح الاحتياطي، الأمر الذي أدى إلى انخفاض سعر البنزين. في هذه المرة فتحت الولايات المتحدة احتياطها بالفعل في خطوة شاركت فيها مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ووكالة الطاقة الدولية. شاهدنا في الأسبوع الماضي استقرارا نسبيا في الأسعار، لكنها ما زالت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل بضعة أشهر.
لهذا السبب يعتبر النفط أداة ضغط ناجعة تستطيع إيران استخدامها على اقتصاد أكبر قوة في العالم. ولهذا السبب أيضا يتوق ترامب بشدة إلى التعاون مع أعضاء حلف الناتو والدول الأخرى الحليفة للولايات المتحدة، أو على الأقل التي تعتبر نفسها حليفة قبل أن يفتح حربا تجارية مصحوبة بهجمات لفظية وتهديدات لم نشاهدها منذ انتهاء الحربين العالميتين.
في سعيه لتفكيك النظام العالمي، اقتصاديا وسياسيا، نسي ترامب أن الولايات المتحدة تتربع على قمة هرم هذا النظام، وإذا انهار الهرم فستكون الولايات المتحدة الأكثر تضررا.