Monday 26th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Oct-2020

الأوجاع العربية في سينما إنسانية تطوف حول أزماتها المشتركة

 القدس العربي-كمال القاضي

خلال السنوات العشر الماضية لعبت السينما العربية على أوتار العزف المختلفة، فابتعدت كثيراً عن المستهلك من قضايا العنف والجريمة والأكشن والكوميديا، لتقترب من نمط إنساني مغاير يتجه إلى البحث في مكنون النفس البشرية، وما يعتريها من تحولات تتصل بتفاعلات الواقع وجوانبه الخفية، البعيدة عن الظواهر المكشوفة.
ولهذه النوعية من السينما خصوصية تجعلها أقرب إلى أفلام المهرجانات منها إلى الأفلام التجارية، التي تتوجه بصفة خاصة إلى عموم الجماهير، للحصول على العائد الأوفر من الأرباح، وهي صور سينمائية تمثل في ذاتها إشكالية مهمة في حسابات السوق، وتفرض المقارنة والمفاضلة بين ما هو رائج ومنتشر، وما هو استثنائي ومؤثر في قيمته ورسالته ومحتواه.
من العينة المُعتبرة في هذا الخصوص والدالة على التباين الشكلي والموضوعي، في ماهية الصورة والحوار والتركيبة الدرامية، الفيلم المصري «رؤية» للمخرجة دينا حمزة، الذي يمزج بين حالتين متناقضتين في إطار واحد، فالفكرة الأساسية تعتمد على النظرة المجتمعية للغناء كحالة وجدانية عاطفية يراها البعض مجرد لهو يؤثر سلباً في من يشغل نفسه بما يُستجد من الأغنيات والألحان، ويُسرف في سماع الموسيقى، ويرتبط بالمطربين والمطربات، باعتبار ذلك من فعل الشيطان، وهي رؤية قاصرة، تحمل قدراً من التزمت، بحسب وجهات النظر الأخرى، التي ترى في الغناء تذوقا وترفيها وترويحا عن النفس.
من هنا تطرح المخرجة رؤيتها المتوازنة، لتقريب وجهات النظر بين الرافضين للغناء والمشجعين له، إذ تقدم بطلة الفيلم صباح، فتاة ضريرة جميلة رقيقة، تتمتع بصفات إيجابية كثيرة، ولها من حُسن الخُلق والطيبة والوداعة والتدين ما يجعل المحيطين بها يُطلقون عليها لقب الشيخة صباح كونها قريبة من الله، ولها سمات الصالحين والمتعبدين، لكن ثمة شيء مختلف في تكوينها النفسي والإنساني، يجعلها محل اهتمام وتساؤل، ألا وهو حبها الشديد للغناء، ورغبتها في أن تُصبح مطربة لها شأن أم كلثوم من حيث الموهبة والشهرة، والتأثير الشعبي والجماهيري الكبير، فهذا حُلمها الذي يسيطر عليها ولا تقوى على الفرار منه.
ولأنها متدينة بطبعها، وتميل إلى الاستقامة والجدية، فقد رأت أن تطوع موهبتها تطويعاً يتسق مع قناعاتها الدينية، فعمدت إلى استغلالها في الإنشاد الديني، وبهذا تكون قد حلت الإشكالية، وتخلصت من جدلية المُستحب والمكروه في مسألة الغناء، ومحله من الإعراب بالنسبة للمرأة. وبالقطع ليس جدلية الغناء فقط هي ما قصدته المخرجة دينا حمزة في فيلمها الروائي القصير، وإنما أرادت التأكيد على سهولة حلّ المشكلات التي تندرج تحت عناوين الاختلاف الأولية في ما يتعلق بالمتشابهات من القضايا الواقعة بين الحلال والحرام وما بينهما.
 
عن فلسطين وسجون الاعتقال وما يحدث فيها، يقرّب لنا المخرج أكرم الأشقر الواقع المرير خلف الزنازين، من خلال فيلم «الصورة الأولى» الذي يحكي مأساة الطفل نور ابن السجينة منال غانم، الآتية إلى غياهب الظلام والظلم من مخيم طولكرم.
 
وفي فيلم آخر بعنوان «عصفور من حجر» للمخرج السوري حازم الحموي نذهب مع صُناع الفيلم إلى درب آخر من دروب الجدل والنقاش حول قضية الثأر للشرف، التي يقف البطل المثقف إزاءها موقف العاجز، حيث لا يمكنه الوصول إلى نتيجة مرضية حيال أزمته النفسية والإنسانية، وما يفرضه عليه المجتمع من ضرورة الانتقام والثأر للكرامة والشرف، في حين يأبى هو الخضوع للتقاليد القديمة، ويفضل أن يأتي الحل بواقع القانون، الذي ينظم العلاقات، ويجرّم الاعتداء، ويحفظ للمواطن حقه وكرامته، بعيداً عن الحلول الفردية التي تطيل أمد الأزمة وتحيل المجتمع إلى ساحة قتال أشبه بالغابة يأكل فيها القوي الضعيف.
ولأن الحلول في مثل هذه الحالات غالباً ما تكون مُستعصية، فإن اللجوء إلى الجنون كمهرب يصبح وسيلة النجاة الوحيدة من شرك القتل المنصوب للبطل في كل الطرق والمدقات، فالجنون وفق فانتازيا الأحداث يعد المأمن الذي تسقط بموجبة كل التكليفات البغيضة المؤدية للهلاك، وبالقطع يأتي الحل السينمائي متوافقاً مع الفكرة الساخرة من رجعية التفكير والأسر الأبدي داخل دوائر المجتمع البدائي وعاداته وتقاليده.
وعن فلسطين وسجون الاعتقال وما يحدث فيها، يقرّب لنا المخرج أكرم الأشقر الواقع المرير خلف الزنازين، من خلال فيلم «الصورة الأولى» الذي يحكي مأساة الطفل نور ابن السجينة منال غانم، الآتية إلى غياهب الظلام والظلم من مخيم طولكرم، حيث يتم اعتقالها مع طفلها، فيعيش الاثنان حياة البؤس والألم، ويشب الطفل نور في عتمة الزنزانة، لا يعرف شيئاً من عالم الطفولة، غير الخوف والأسوار والأسلاك الشائكة، وصيحات السجانات في وجه أمه، وقيد الحرية الذي يكبله، وهو المعنى الضمني لاغتيال الطفولة البريئة، التي يشير إليها الفيلم كجريمة تضاف إلى جريمة الاعتقال، وسجل الخطايا الأسود للمحتل المستبد الباطش، وتحت هذه العناوين تتوالى القصص المأسوية للعائشين خارج السجون رهن اعتقال آخر من الجوع والقهر والتعذيب، وبين هذا وذاك تظل القضية الفلسطينية مُعلقة في رقاب المفرطين والمهرولين والمطبعين والخائنين.
ولأن الواقع العربي لا يختلف كثيراً في تفاصيله ومحنه ومشكلاته، فإن السينما الأردنية أيضاً تطرح في مضامينها قضايا مشابهة عن حرية المرأة وسياقها الاجتماعي، وما يمكن أن تواجهه في ظل الحرية الغائبة، ففي فيلم «طرفة» نرى نموذجاً نسائياً لامرأة بدوية تحمل اسم الفيلم نفسه، تنتمي لمجتمع يضيّق عليها نطاق الحرية، فتعمل على انتزاع حقها المسلوب بما تراه مناسباً لها، فتجتهد في بناء حياتها ومستقبلها، وترتقي بذاتها بغير أن تطلب العون من أحد، فالحرية لا تُمنح ولكنها تُنتزع، وهي وجهة نظر المخرجة مجيدة قبريتي التي تُسقطها على شخصية البطلة، وتنطلق منها في المعالجة الدرامية للأحداث الاجتماعية بدلالتها السياسية الهادئة العميقة.
وبهذا الطواف السريع تتضح الصورة الكلية لمؤرقات السينما العربية وأزمات مجتمعاتها، من خلال عينات لا تعدو كونها أكثر من ملامح للتشكيل السياسي والاجتـــــماعي والثقافي، الذي يمثل سياجاً متعدد الأبعاد والزوايا والرؤى للهم العربي المشترك.