الغد
هآرتس
بقلم: عاموس هرئيل
من المقرر استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في الأيام القادمة في باكستان. ومطروح الآن على جدول الأعمال اتفاق إطار يهدف إلى إنهاء الحرب.
وخلافا للانطباع الذي ربما يكون قد ترسخ في الجولة الأولى قبل أسبوع، فإن المفاوضات لم تفشل تماما. حتى على المستوى الرمزي فإن مجرد استعداد الممثلين الإيرانيين للجلوس في غرفة واحدة مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يعتبر سابقة لم يوافق عليها النظام في طهران من قبل. في غضون ذلك يناقش الطرفان إمكانية تمديد وقف إطلاق النار إلى ما بعد الموعد المتفق عليه في 22 نيسان الحالي، من أجل السماح للمحادثات بالتقدم. وقد قال الرئيس الأميركي ترامب في مقابلة تلفزيونية بأنه يعتقد أن الحرب تقترب من نهايتها، وأن المحادثات ستنتهي باتفاق. ورغم ذلك تواصل الولايات المتحدة إرسال المزيد من القوات العسكرية إلى الخليج الفارسي.
بمعنى آخر، مرت 24 ساعة أخرى من حرب بالصيغة الترامبية، برسائل متضاربة وتقييمات مبالغ فيها لا تستند بالضرورة إلى الواقع. مع ذلك، يبدو أن الإدارة في واشنطن تحاول إيهام الناس بأن الحرب تقترب من نهايتها. في الخليج نفسه، مر يومان تقريبا على إعلان ترامب عن حصار مضاد، ومنع حركة السفن الإيرانية جنوبا ردا على حصار إيران لمضيق هرمز. حتى الآن لم يبذل أي طرف من الطرفين أي محاولة لكسر الحصار بالقوة، ولم تحاول إيران، رغم تهديدها، إلحاق الضرر بالسفن الأميركية بسلاح صغير مثل المسيرات أو الزوارق السريعة التي تحمل متفجرات أو ألغاما.
هذا قد يشير إلى أن الطرفين يعطيان المجال للتفاوض. ومع استمرار الحصار الأميركي تتكبد إيران خسارة متزايدة، حيث اقتصادها يعاني في الأصل من أزمة شديدة.
يبدو تردد ترامب حول توسيع الحملة العسكرية واضحا. فقد واجه احتمالية التصعيد عدة مرات، ولكنه اختار دائما العودة إلى المفاوضات بدون تنفيذ تهديداته. السؤال المطروح بالنسبة للإيرانيين هو: هل سيدفع صمود النظام، رغم الضربات التي تعرض لها ورغم تصفية معظم قادته في سلسلة اغتيالات إسرائيلية في بداية الحرب، القيادة الحالية إلى التصميم على طلباتها، بغض النظر عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه إيران؟. أما قلق إسرائيل فهو واضح. فإذا قرر ترامب التوصل إلى اتفاق فقد يتنازل عن بعض الطلبات التي يعتبرها نتنياهو أساسية. وإذا تم التوصل إلى اتفاق فسيستفيد النظام الإيراني الذي أمل نتنياهو إسقاطه خلال الحرب، من تدفق جديد للأموال. أولا، الإفراج عن 6 مليارات دولار كانت مجمدة في حسابات مصرفية إيرانية في قطر، وبعد ذلك رفع العقوبات المفروضة على طهران بسبب خرق التزامها بالاتفاق النووي. صباح أول من أمس وجه الجيش الإسرائيلي تحذيرا جديدا لسكان جنوب لبنان بأن عليهم مواصلة التقدم إلى الشمال، ليس فقط إلى نهر الليطاني، بل أيضا إلى ما بعد نهر الزهراني شمالا – للحفاظ على أرواحهم. وقد تمركز الجيش الإسرائيلي حتى الآن على بعد 8 – 10 كم شمال الحدود اللبنانية. ظاهريا، يعتبر هذا إشارة إلى نية التقدم.
لكن رغم نشر الكثير من الألوية للعملية البرية في لبنان، إلا أن التقدم بطيء. يحاول الجيش الإسرائيلي الحذر من أجل تجنب المزيد من الخسائر. ورغم أن وقف إطلاق النار في إيران قد سمح لسلاح الجو بمهاجمة لبنان، إلا أن القتال في الواقع تتم إدارته الآن حسب القيود التي فرضتها الولايات المتحدة. بعد القصف الكثيف على لبنان قبل أسبوع والذي أدى إلى قتل حوالي 350 شخصا، أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة كبحت جماح إسرائيل وطلبت منها تركيز معظم جهودها الهجومية على جنوب لبنان. وقد أفادت مصادر في إيران أول من أمس بأن وقف إطلاق النار في لبنان سيدخل إلى حيز التنفيذ هذه الليلة، في إطار الجهود المبذولة لتحييد جبهات الحرب الثانوية تمهيدا لاتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة.
وأكدت مصادر سياسية في إسرائيل بأن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل فحص إمكانية وقف إطلاق نار مؤقت. وقد ناقش مجلس الوزراء هذا الاقتراح مساء أول من أمس. القاسم المشترك بين هذه التقارير هو أن الوقت عامل حاسم، وقد دخلنا إلى مراحله الأخيرة. إسرائيل تنتظر إشارة وقف إطلاق النار النهائية في لبنان من الولايات المتحدة، وربما من إيران أيضا. وفي نفس الوقت تسعى إسرائيل إلى تحقيق مكاسب ميدانية، وفي سياق متصل، عقدت مفاوضات مباشرة هذا الأسبوع في واشنطن بين السفير الإسرائيلي والسفير اللبناني في الولايات المتحدة.
إيران هي الطرف الذي يهتم بوقف إطلاق النار، حيث تسعى إلى تقليل الخسائر التي لحقت بحزب الله، وفي نفس الوقت هي تحاول ضمان عدم التوصل إلى أي اتفاق يجبر حزب الله على نزع سلاحه شمال نهر الليطاني.
في المنطقة التي احتلتها إسرائيل بالفعل، انشغل الجيش الإسرائيلي لبضعة أيام بشن هجوم على بلدة بنت جبيل في القطاع الغربي في جنوب لبنان. وما زالت هناك بؤرة مقاومة تضم عشرات من مقاتلي حزب الله، ويبذل الجيش الإسرائيلي جهودا حثيثة لمحاصرتهم بهدف اعتقالهم أو قتلهم. ويحمل التركيز على ما يجري في بنت جبيل دلالة رمزية عميقة بسبب خلفيتها التاريخية؛ ففي أيار (مايو) 2000، ألقى حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله في حينه، خطابه الشهير هناك، الذي شبه فيه المجتمع في إسرائيل بخيوط العنكبوت، وذلك فور استكمال انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. وقد استمر هوس إسرائيل بهذه البلدة في العام 2006، في حرب لبنان الثانية، عندما حاول الجيش الإسرائيلي احتلال المجمع الذي ألقى فيه حسن نصر الله خطابه، وأصيب جنود خلال عملية صمم فيها قادتهم على رفع علم إسرائيل قرب المكان والتقاط صورة "تاريخية".
وقد طُرِحت فكرة في حينه، وهي إلقاء وزير الدفاع في حينه، عمير بيرتس، خطاب النصر في المدينة.
انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال وبدون خطابات انتصار. ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائما في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب القادمة. أول من أمس اقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في "يديعوت أحرونوت" الاحتفال بانتصار إسرائيل على حزب الله (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، تشير إلى بداية عهد جديد.سألت المقدم (احتياط) حانوخ دوبا عن رأيه في هذا الأمر.
في العام 2006 عندما كان قائد سرية مدرعات، أصيب دوبا إصابة بالغة أثناء إنقاذ مصابين من بنت جبيل وحصل على وسام الشجاعة. وقد أجاب دوبا وقال: "بنت جبيل لا تعتبر مجرد مكان، بل هي ذكرى ورمز، وثقب أسود نُجر إليه دائما. عسكريا، هناك للحروب ضد الجيوش قيمة معرفية نتيجة إلحاق الضرر بالرموز، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار تماسك الخصم وأمنه. ولكن إسقاط هذا المنطق تلقائيا على حماس وإيران وحزب الله، في طهران وفي قطاع غزة، في مستشفى الشفاء والآن في بنت جبيل، لا يعتبر استراتيجية، بل وهما.
وينتهي هذا الوهم دائما بنفس الطريقة، "سُمح بالنشر" عن قتل مقاتلين، الذين يدفعون ثمن قرارات سياسية متسرعة وغير مسؤولة، وقادة يحاولون إرضاء المستوى السياسي بدلا من التمسك بمواقفهم والوقوف بين توجيهات لا قيمة لها للسياسيين وبين حياة مرؤوسيهم".