الغد
هآرتس
أورلي فلنائي
بعد نصف ساعة من وصولنا للمساعدة في قطف الزيتون في قرية جالود، توقّف المسؤولون فجأة في أماكنهم. شوهدت ثلاث سيارات عسكرية خلف السياج المحيط بحقل الزيتون. طمأننا أنطون غودمان قائلا: "سنواصل القطف حتى لو دخل الجيش. نحن لا نفعل أي شيء مخالف للقانون، بل نعمل بالتنسيق مع أصحاب الأراضي. لن نزعج أحدا، ولن نتحرك ما لم يصدر أمر باعتبار المنطقة منطقة عسكرية مغلقة".
سألتُ: "لماذا يصدر مثل هذا الأمر؟". فأجاب: "لا ينبغي أن يصدر، لكن لا أحد يعرف. هناك قرى في المنطقة صدرت بشأنها أوامر إغلاق لمدة سنة كاملة من دون توضيح الأسباب. وبالطبع، يُسمح للمستوطنين، أو لمن يأتون لمساعدتهم، بفعل ما يشاؤون في المنطقة العسكرية المغلقة".
خفّفت السيارات العسكرية سرعتها، لكنها واصلت طريقها إلى موقع حادثة عنيفة وقعت في قرية أخرى في المنطقة. تنفّس الجميع الصعداء. فقد تجاوزنا أول حادثة عبثية في ذلك اليوم؛ تلك اللحظة التي تشعر فيها بالخوف من جيشك، ومن وطنك، لأنك تتصرف وفقا لضميرك وقيمك.
وصلتُ إلى جالود مع منظمة "صوت الحاخامات من أجل حقوق الإنسان"، التي يشغل غودمان فيها منصب المدير التنفيذي منذ أن تركها آفي غبوش ودخل إلى الساحة السياسية. وعلى مدى 25 عاما، دأب رجال ونساء من المنظمة، بعضهم حاخامات وبعضهم فلسطينيون، على مساعدة الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون. وإذا كانت هذه المساعدة في السابق أقرب إلى عمل تضامني، فقد أصبحت في السنوات الأخيرة بمثابة حماية في مواجهة عنف المستوطنين والانتهاكات اليومية التي يتعرض لها المزارعون الفلسطينيون.
في هذا العام، تلقّت المنظمة عددا غير مسبوق من طلبات المساعدة. ففي محافظة نابلس، حيث نوجد، تنتشر قرى كثيرة في المنطقة ج، القريبة من المنطقة ب، ترك المستوطنون بصماتهم عليها. وتُقام المزيد من البؤر الاستيطانية حول هذه القرى من دون رادع، بهدف الاستيلاء على أراضيها والإضرار بسكانها، ودفعهم إلى اختيار الرحيل، أي ما يسمّونه "الهجرة الطوعية".
قبل ثلاثة أسابيع، وقعت واحدة من أصعب الحوادث في قرية جالود، عندما منع المستوطنون أفراد عائلة طوباسي من العودة إلى بيتهم الذي طُردوا منه بعد أشهر من المضايقات. وكان أفراد العائلة برفقة ضباط من حرس الحدود، ويحملون أمرا قضائيا، لكن المستوطنين هاجموا الشرطة وأحرقوا بيت العائلة وسيارتها.
ويقع البيت المحترق في المزرعة التي نعمل فيها. ويعيش أفراد عائلة طوباسي الآن لدى أقاربهم، ولن يحاولوا العودة إلى بيتهم بعد اليوم. لقد انتصر المستوطنون.
وعندما جاء رئيس مجلس جالود ليشكرنا، وقدّم لنا أفراد العائلة القهوة والحلوى، توقّف كل شيء مرة أخرى. جاء أحدهم راكضا وقال إن المستوطنين يرشقون المدرسة القريبة بالحجارة. ركضنا إلى هناك برفقة رئيس مجلس القرية، فإذا بنا أمام مئات الأطفال الخائفين، يحملون حقائبهم على ظهورهم ويصرخون ويبكون.
جاء مستوطنون ملثمون في سيارات عسكرية ورشقوا المدرسة بالحجارة. فأمر المدير بتسريح الطلاب وطلب منهم الهرب، لكنهم لم يعرفوا إلى أين يذهبون. كان المشهد مفجعا من جهة، ومثيرا للغضب من جهة أخرى. مستوطنون يتظاهرون بأنهم أبطال على حساب الأطفال، وينشرون الرعب والإرهاب. لن يُعتقلوا، ولن يُبلَّغ عن هذا الحادث أصلا. ولن يحدث شيء، باستثناء جرح جديد في نفوس الأطفال الصغار الذين لم يبقَ أمامهم خيار سوى كراهية الطرف الآخر.
وعندما هدأ الوضع، عدنا إلى العمل لنجمع أكبر قدر ممكن من الزيتون، حتى يتمكن أصحاب الحقل من كسب رزقهم.
نعمل بثلاث لغات. وقد جلبت المنظمة ما لا يقل عن 250 متطوعا هذا العام. وكانت المجموعة التي رافقناها قادمة من بوسطن. أفرادها أشخاص لطفاء ومشرقون. يصف اليمين المتطرف من يساعدون في الزراعة بأنهم فوضويون، لكن لا صلة للفوضى بهؤلاء الأشخاص. إنهم ليسوا شبابا بلا وظائف أو عائلات، بل أشخاص يبحثون عن العدالة. هذه هي القصة كلها.
وإلى جانبهم، هناك متطوعون من جامعة تل أبيب وعرب إسرائيليون أعضاء في جمعية "صوت الحاخامات". لكن، خلافا لبرج بابل، ينجح هؤلاء في التواصل فيما بينهم، بلغة التضامن.