Friday 10th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    30-May-2020

تأفَّف من مكتبكَ بقدر ما تشاء.. سوف تفتقده عندما يذهب

 الغد-جينيفر سينيور* – (نيويورك تايمز) 17/5/2020

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
مات المكتب في المستقبل المنظور. الآن، تخبر شركتا “غوغل” و”فيسبوك” موظفيهما بأن بإمكانهم العمل عن بعد حتى العام 2021. وتسمح “تويتر” للموظفين بالعمل من المنزل “إلى الأبد”. ويفكر عدد من البنوك الكبرى في أن لا تعيد تعبئة أبراج مكاتبها بالموظفين بالكامل أبداً في مانهاتن. وفي الأسبوع الماضي، كتب زميلي، ماثيو هاج، قصة محزنة تمامًا، والتي سأله فيها الرئيس التنفيذي لشركة هالستيد العقارية بصراحة: “بالنظر إلى المستقبل، هل سيرغب الناس في التجمهر في المكاتب؟”.
اعتبروني مجنونة، لكنني ما زلت أفكر: نعم. ربما ليس اليوم، وربما ليس غدًا، وإنما ذات يوم. قد يكون المكتب الحديث موضوعاً لصورة كاريكاتورية قاتمة -حيث الإضاءة سيئة، والاجتماعات طويلة، والملاذ الوحيد من الملل هو تصوير دباسة زميل أو تحنيطها في هُلام الليمون (إذا كنت تعمل في شركة “دونر ميفين” للورق). ولكن خلال الأشهر المقبلة، أعتقد أن أولئك الذين قضوا معظم حياتنا المهنية في المكاتب سوف يشرعون في افتقادها.
ما الذي سنفتقده بشأنها، على وجه التحديد؟ الرفقة، من بين أمور أخرى. ربما يكون من الواضح أن المكاتب هي محاور اجتماعية -وهي بالتأكيد فكرة لطالما استخدمتها المسلسلات الدرامية والكوميدية منذ فترة طويلة -لكنَّ الأرقام تظل مثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، تقول ثلثا جميع النساء اللواتي يعملن خارج المنزل إن “الجانب الاجتماعي” لوظائفهن “سبب رئيسي” للظهور هناك كل يوم، وفقًا لمسح شامل أجرته مؤسسة “غالوب”.
أعترف أنني أندرج ضمن هذه المجموعة برضا. حتى منتصف الثلاثينيات من عمري، كنت مخلوقة هادئة أقبع دائماً في الزاوية. لم أكُن متدينة، ولذلك كان المكتب هو المكان الذي غالباً ما وجدتُ فيه الزمالة والرفقة؛ ولم أكن متزوجة بعد، ولذلك كان العمل شريكي. وبالنسبة للأشخاص في تلك الفترة الحاسمة من مرحلة البلوغ -عندما يكونون ما يزالون مغرمين بالحديث أكثر من العمل، باستخدام تمييز عالم الاجتماع روبرت بوتنام الذي لا يُنسى- يمكن للمكتب أن يلعب دورًا حاسمًا وسعيدًا.
وهل ذكرتُ أن المكاتب هي أماكن رائعة للعثور على أزواج وزوجات حقيقيين؟ يبدأ عدد مفاجئ من الزيجات في مساحاتها المضاءة بالفلوريسنت. (أمثلة مشهورة: باراك وميشيل، بيل وميليندا). وتتفاوت الإحصائيات عن هذه الظاهرة -رأيت دراسات تضع النسبة ما بين 11 إلى 31 في المائة- ولكن، حتى أصغر عدد ليس تافهاً، ويمكن أن تعبر الأمثلة اللافتة عن هذه الحقيقة؛ أعلنت شركة الخطوط الجوية “ساوثويست إيرلاينز” قبل 21 عامًا أن أكثر من 1.600 من موظفيها البالغ عددهم 26.900 موظفًا تزوجوا من بعضهم بعضا. (ونُشر الخبر تحت ما قد يكون العنوان الذي لا مفر منه، “حب في الجو”).
لكن فوائد حياة المكتب هي أكثر من مجرد الفوائد الاجتماعية. إنها فكرية أيضاً. من دون المكاتب سوف نضيِّع فرصة لقاءات الصدفة، وهذه اللحظات بالذات من الانخراط غير المخطط هي التي يمكن أن تطلق بعضاً من أفضل الأفكار.
قبل سنوات، أخبرني فيلسوف الإنتاجية والمؤلف، آدم غرانت، بأن السبب وراء حصولنا على قصاصات الملاحظات الورقية الصغيرة اللاصقة، كان أن سبينسر سيلفر، الكيميائي في شركة “أم-3″، قضى سنوات وهو يحاول بلا جدوى الترويج لاصقه منخفض اللصوق في المكتب وما حوله -إلى أن شاهد زميل من مرتادي الكنيسة، آرت فراي، أخيرًا أحد عروضه التقديمية وأدرك أن هذه الأشياء اللاصقة ستكون مثالية لإبقاء علاماته ملتصقة بصفحات كتاب ترانيمه. وقد صنع ذلك اللقاء كل الفرق.
ثمة طريقة أخرى للتفكير في هذا الأمر: يشبه العمل من المنزل بدلاً من المكتب التسوق على “أمازون” بدلاً من التسوق في متجر لبيع الكتب. في متجر بيع الكتب، لا تعرف أبدًا ما الذي قد تعثر عليه. ولا يمكنك حتى معرفة ما لا تعرفه إلى أن تمشي الممر الخاطئ وتتعثر به.
لكن بالنسبة لي، كانت أفضل الحجج لصالح المكتب دائمًا نفسية -والتي لم تبدُ أبدًا أكثر إلحاحًا مما هي عليه في هذه اللحظة. وسوف أبدأ من شيء خفي: يترك العمل عن بُعد فراغًا مريعاً في التغذية الراجعة. لم يعد التواصل مع الزملاء عفوياً وإنما أصبح يتطلب مجهوداً؛ ومهما تبذل من جهد في المحاولة، سوف يكون لديك تواصل أقل -لا سيما من ذلك النوع العفوي- ومع عدد أقل من الناس.
وماذا نفعل نحن البشر في غياب التفاعل؟ نبتكر قصصًا حول ما يعنيه ذلك الصمت. وغالبا ما تكون سلبية. وهذه صيغة للقلق وسوء الفهم والفوضى الشاملة.
قالت لي نانسي روثبارد، أستاذة الإدارة في وارتن: “يحتاج المرء إلى وقت لتطوير أنماط عفوية غير رسمية من التصرف مع الزملاء، خاصة إذا كان لا يعرفهم جيدًا”. وأضافت أن فروقات السلطة تعقّد الأشياء أيضًا، وليس بطريقة وجدتُها مطمئنة. تشير الأدبيات إلى أنه إذا تأخر الرئيس في الرد على رسالة بريد إلكتروني، فإننا نفترض، نحن المرؤوسين، أنه منشغل بعمل أشياء مهمة. أما إذا كنا نحن الذين نتأخر في الرد، فسوف يفترض الرئيس أننا كسولون أو أنه ليس لدينا الكثير لنقوله. عظيم.
بشكل عام، حتى من دون مكتب، سوف تظل هناك سياسات مكتبية. وسيكون من الأسهل عليك الملاحة عبرها إذا كنت تستطيع رؤية زملائك حقاً -وبالتالي تحديد مكان تواجد السلطة، وكيف يتم إنجاز العمل، ومن هم الأشخاص اللطفاء.
ولكن ربما يكون التأثير الأكثر عمقًا للعمل في مكتب يتعلق بنفس إحساسنا بذواتنا. إننا نعيش في عصر لا يُترَك فيه شأن هوياتنا لنا فقط؛ إنَّها شيء يُنجَز وتتحقّق، والأماكن محفزات قوية لتكوينها. كم يمكنني أن أشعر بأنني كاتبة عمود إذا كنت أرتدي قميصًا قصير الأكمام عمره 21 عاماً، وآكل بلا انتباه بقايا طعام طفلي أثناء الطباعة؟ أعني، إلى حد ما، بالتأكيد. لكنني أعتقد بأنني سأبدو أكثر ككاتبة إذا ارتديت ملابس أنيقة وسرت داخلة إلى مبنى “التايمز” كل صباح.
أخبرتني روثبارد، التي أجرت دراسة على الحدود بين ذواتنا المهنية والمنزلية، أنها تشهد هذا الخلط طوال الوقت. وقالت أن هناك “مدمِجون” لا يمانعون في تفكيك تلك الحدود، و”مقسِّمون” لا يهتمون بشأن بقائها. (“الوباء”، كما قالت، هو جحيم المقسٍّم”). من النادر أن تكون لديك هويات متعددة في سياقات متعددة، والتي يكون كل منها أصيلاً وموثوقاً. لكن العمل عن بعد يجعل من الصعب للغاية على المقسِّمين التعبير بالكامل عن ذواتهم المهنية، وعندما يفعلون، فإن ذلك كثيراً ما يُحدث هزة عند الذين من حولهم. قالت لي: “قد يشاهدك أطفالك وأنتِ تتحدثين إلى موظفيك بطريقة مختلفة، ويكون رد فعلهم من نوع “من يكون هذا الشخص؟”.
لكنني أزعم أن الشباب هم الذين سيفتقدون أشياءً أكثر إذا اختفى المكتب. غالبًا ما تكون المكاتب هي المكان الذي يتم فيه تشكيل الهويات المهنية -وهو شيء ذو قيمة خاصة في عصر انخفاض المشاركة الدينية وتأجيل الزواج والإنجاب. نعم، ربما يكون هذا التصوُّر مشؤومًا بعض الشيء -مجرد علامة محبطة أخرى على أن العمل حلَّ محل الدِّين كمصدر للمعنى، كما جادل ديريك طومسون بشكل جميل في مقال له نُشر في مجلة “الأتلانتيك” العام الماضي.
لسوء الحظ، عملت التكنولوجيا مسبقاً على انهيار الحد الفاصل بين العمل والمنزل. وكان المكتب، على الأقل، عبارة عن حاجز صلب بين الاثنين. ويُحتمَل كثيراً أن يكون الأخير.
 
*كاتبة عمود منذ أيلول (سبتمبر) 2018. كانت ناقدة كتب يومية لصحيفة التايمز. قبل ذلك، أمضت سنوات عديدة ككاتبة في “مجلة نيويورك”. وقد ترجم كتابها الأكثر مبيعًا، “كل الفرح والمتعة: مفارقة الأبوة الحديثة” إلى 12 لغة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Dump on Your Office All You Like. You’ll Miss It When It’s Gone.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات