Tuesday 4th of August 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Aug-2020

الأمن القومي وديكتاتوريّة الجمهور* منصف الوهايبي

 القدس العربي

إنّ تعريف “الأمن” عامّة، على ما يرى أهل الذكر؛ محفوف بمزالق ومحاذير غير قليلة. والمسوّغ لذلك سببان في الأقلّ: أحدهما أنّ “الأمن” مفهوم فضفاض يشمل معظم مجالات الحياة الاجتماعية، والآخر أنّه مفهوم يمكن أن ينزلق بسهولة إلى الإيديولوجيا؛ فيكون مهما احتشدنا لتسييجه ومحاصرته مفهوما إيديولوجيّا، الأمر الذي قد يحول دون حدّه حدّا جامعا مانعا، أو يمنع أي إجماع علميّ عليه؛ بل ينقله إلى مرتبة “المفهوم المتنازع عليه جوهريا” بعبارتهم.
 
ويتعقّد المشكل، كلّما نعتنا المفهوم؛ ورمنا تعريف هذا المركّب النعتي الذي يطرق اليوم أسماعنا في كلّ الدول أو جلّها أي “الأمن القومي”، عسى أن نحدّد المنعوت ونخصّصه؛ فقد نبذل بذلا ضائعا، ونسعى سعيا خائبا. ذلك أنّ المجاورة هنا، وهي ترقى إلى نوع من تماسّ الأفكار، إنّما هي بين مفهومين قد يتدافعان أكثر ممّا يتجاذبان. ومردّ ذلك إلى طبيعة الدولة من حيث هي فكرة ومؤسّسة وقاعدة ماديّة، وبناء تنظيمي معقّد، أو هي مجموع الشعب وأداة السياسة في الآن نفسه. وعلى أسّ من هذا فإنّ الدولة هي أولاً وقبل كل شيء أداة لتعزيز الأمن قبل أن تكون موضوعاً أو مرجعاً للأمن.
 
لنقل مع القائلين إنّها الهيئة أو الوسيلة التي تضمن أو تثبّت الوساطة بين المصلحة الوطنيّة المحدّدة مركزيّا، ومصالح الفئات داخلها؛ وما قد يترتّب عن ذلك من تدافع أو حتى “تطاحن” أو تقاطع بين حاجات هذا واحتياجات ذاك. ولنقبل بهذه “الازدواجيّة الأنطولوجيّة [الوجوديّة]” الداخليّة كما يحبّ أن يسمّيها البعض؛ أي هذا “التعايش” بين عنصرين مختلفين، بما يسوق إلى تعريف الدولة من حيث هي “أداة الأمن والأفراد هم رعاياها” أي الخاضعون أو التابعون لها أو موضوعها. وعلى كون “الأمن” مفهوما متنازعا فيه، فهذا لا يحول دون محاولة توضيحه. وفي الظاهر هو في أصوله العربيّة غيره في الأصل اللاتيني. فالأَمْنُ في لسان العرب هو نقيض الخوف. والأَمانةُ نقيض الخِيانة. والإيمان نقيض الكفر، وهو التصديق وضدُّه التكذيب. وفي حديث نزول المسيح: وتقع الأمَنةُ في الأَرض أَي الأَمْنُ، يريد أَن الأَرض تمتلئ بالأَمْن فلا يخاف أَحدٌ من الناس والحيوان. فأَما آمَنْتُه المتعدّي فهو ضدّ أَخَفْتُه. وفي القرآن: “وآمَنَهم من خوف”.
 
أمّا الأصل اللاتيني للكلمة الفرنسيّة Sine+cura/Sécurité  فيحوي نقيضا جوهريّا يكاد يكون “ضديدا” [أوكسيمور] أو “اختلاقا امتناعيّا”(وهو مصطلح لحازم القرطاجنّي، أجده أنسب وأنمّ دلالة من “ضديد”)، إذ هي مركّبة من الأداة “بلا” أو “دون” ومن الكلمة “رعاية” أو “عناية”، على ما فيهما من تمانع نقيضين لا يمكن اجتماعهما بوجه واحد: “دون رعاية” أو “بلا عناية” أي خلافا لمعناها اليوم، وهو الأمن أو الحماية أو الرعاية، أي الحالة التي نأمن فيها على أنفسنا، فلا نخاف ولا نفزع. وها هنا تتلاقى الكلمتان العربيّة والأجنبيّة. على أنّه في الثانية معنى مستجدّ، أو هو لم يستقرّ إلاّ بعد أن تقلّبت الكلمة في أطوار عدّة، فتحوّلت عن وجهها، وتخلّصت من ضديدها. وهي على خلاف ما يقوله شيشرون، فالأمن لا يعني “انعدام القلق [الهمّ] الذي تتوقّف عليه سعادة الحياة”، وإنّما هو حالة من الطمأنينة الباطنيّة، والهدوء والصفاء والتوازن. وهو طبعا ليس توازن الرعب أي هذا “السلام” المعقود بين الأمم، والناتج عن الخوف المتبادل من الأسلحة النوويّة.
إذن ما هو الأمن القومي؟ الحقّ ليس هناك حدّ جامع مانع كما سلف، ولم أظفر بطائل وأنا أتتبّع هذه الكلمة في ما تيسّر لي من مراجع فرنسيّة، وإنّما بتعريفات عدّة لهذا الأمن أكان قوميّا أم دوليّا، قد يتعذّر التأليف بينها. وهي تجري على الألسن دون أيّ تفاعل حقيقي في أكثر الأحيان. من ذلك قول بينيلوبي هارتياند – ثونبرغ ، “الأمن القوميّ هو قدرة الأمّة على متابعة مصالحها الوطنيّة بنجاح كما تقدّرها هي في أيّ مكان في العالم”. وهو عند جياكومو لوسياني “القدرة على مقاومة أي عدوان أجنبيّ”. وهو عند آخرين، تهيئة الظروف الوطنيّة والدوليّة المناسبة لحماية القيم الحيويّة الوطنيّة من الخصوم أو الأعداء الموجودين أو المحتملين. ويميّز أرنولد ولفرز بين الأمن موضوعيّا؛ فهو إنّما يقاس بغياب أيّ تهديد  للقيم المكتسبة أو المترسّخة، والأمن ذاتيّا، وهو يقاس بغياب أيّ خوف من إمكان مهاجمة هذه القيم أو النيل منها. وهو بعبارة باري بوزان، قدرة الدول والمجتمعات في النظام الدولي، على حماية استقلالها وهويّتها وسلامتها الوظيفيّة، وما يترتّب عن ذلك مثل “تماميّة” الأراضي أي سلامتها حتى لا ينالها تجزّؤ أو انتقاص. على أنّ الأمن لا ينحصر في ما هو مرئيّ للمواطن أي قوّات الدفاع والأمن عامّة. وهي ناحية لا غنى عنها، ولكنّها لا تكفي وحدها؛ إذ الأمن ليس غاية في حدّ ذاته، خاصّة أنّ هذه القوّات تتحوّل في الأنظمة الاستبداديّة الكلّيانيّة إلى قوّات ردع  لا وظيفة لها سوى حماية النظام الذي لا يقبل أيّة معارضة منظّمة، وفيه تسيطر السلطة السياسيّة سيطرة مطلقة على جميع مظاهر الأمّة وطاقاتها المنتجة. إنّما الأمن القومي في البلدان الديمقراطيّة مرتهن بمدى الالتزام بالقيم الجمهوريّة وحقوق الإنسان، مثل سيادة القانون وتقبّل المختلف والانفتاح على العالم ورفض العنف. وهو التزام له ما له من قوّة الأمر المقضي، إذ يفترض فيه أن يتخطّى الانقلابات الحاصلة أو التي يمكن أن تحصل في هيئة أيّ بلد زمانا ومكانا (الحروب والأوبئة)؛ فلا يمسّ بأيّة ذريعة، أو بدعوى أنّه في حالات بعينها يمكن أن يتهدّد العلاقات العامّة أو الروابط التي تمّ عقدها على مرّ القرون بين المواطن والأمّة. فلا شيء يبرّر أيّ انكفاء أو انطواء، بذريعة أنّ العولمة مثلا وهي التي يفترض أن تجعل من ذواتنا ذوات منبسطة تنظر إلى الخارج، وتتجمّع على قدر ما تتجرّد في وعي تنوّعها؛ قد تتسبّب في حالة من انعدام الأمن، أو ما يتمتّع به هذا البلد أو ذاك من خفض العيش ولينه وسعته. ومن العبث أن يقع في الظنّ أنّ تعزيز الحدود البريّة أو البحريّة هو المدخل إلى أمن أفضل في عصر الشبكات الاجتماعيّة بجميع أنواعها. وقد نقبل بتنظيم هذه الشبكات لا محاصرتها، ولكننا ندرك أكثر فأكثر، أن لا أحد بميسوره أن يمنع الجار من معرفة ما يحدث بالقرب من منزله، أو أن يغضّ طرفه ما بدا له جاره أو جارته.
 
قد يكون الخطر الأكبر في عالم اليوم حيث تكاد تحاصرنا الأوبئة والحروب، هو ديكتاتوريّة الجمهور أو الحشود التي لا تدع عند نفسها شيئا من الجهد والنصرة والمال؛ من أجل إعادتنا إلى الماضي وإلى التعصّب القومي الكريه، على نحو ما نرى في أمريكا “الترامبويّة”؛ بذريعة الحفاظ على الأمن.
 
إذن قد لا تهدأ الأخلاط، فهذا السجال المفهومي إنّما هو سجال المصالح والآراء والمواقف المختلفة أو المتباينة، وهي في عالم اليوم أشبه بالرمال المتحرّكة كما هو الأمر في الصحراء الليبيّة، أو في مقاومة الفلسطينيّين لمخطّط الضمّ الذي يستهدف ابتلاع فلسطين التاريخيّة كلّها؛ أو “المياه المحبوسة” في “سدّ النهضة” وغيره من سدود في تركيا. والسدود كانت ولا تزال موضوع خلاف، وللعرب في كلمة “سدّ” لطائف، فقد قرئتْ الآية “حتّى إذا بلغ بين السدّين وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا” (الكهف 93) بضمّ السين؛ وقالوا هو كذلك إذا كان السدّ مخلوقا من فعل الله، وإن كان من فعل الآدميين، فهو سَدّ بالفتح أي الحاجز بينك وبين الشيء. أمّا بالضمّ فما كان من غشاوة في العين. وهي غشاوة تكاد تحجب عنّا اليوم رائق الماء الخالص الذي لم ينقلب في نفسه، ولا عرض له ما يقلبه؛ أو ذاك الذي يعتريه في التخييل لون ما يقابله ويحيط به، بعبارة معلّمنا الجاحظ. بل يتأكّد اليوم أنّ الماء هو أبدا الماء، فهو لا يحمل في ذاته لونا ولا شكلا؛ ولذا تنعكس فيه صور شتّى من هذا الصراع المحموم بين دول إفريقيّة، يتذرّع كلّ منها بأمنه القومي أو أمنه المائي. ولو كان للماء لون أو شكل لما أمكن أن يعكس أيّ صورة. بل هو يكاد يخرج في هذا الصراع عمّا استتبّ له في المخيال من دلالة الرونق والطلاوة والحسن والسحر، إلى معنى من معاني “الرنق” أي الماء الذي يختلط فيه الطين أو التراب أو القذى، ويعلوه الطحلب؛ فيتكدّر ويميل إلى السواد والغبرة. ولكن عسى أن يرجح صوت العقل، ولا تقرع طبول الحرب؛ ويعود النيل وهو ليس مجرّد نهر أو مصبّ، وإنّما أيقونة وأسطورة وهب مصر على قدر ما وهبته؛ إلى مجاريه كما كان.
 
* كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات