Monday 5th of June 2023 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    31-Mar-2023

سرجون كرم مواطن أصيل في بلاد الشعر!

 الدستور-أ.د. جورج طراد

عن «المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر» صدرت قبل أيام مجموعة شعريّة جديدة بعنوان « سمْكريّ الهواء العالم بكل شيء» للشاعر اللبناني المقيم في ألمانيا سرجون كرم. والمجموعة موزّعة على ثلاثة أقسام هي: سمْكريّ الهواء- العليم بكلّ شيء – وماروشكا. عدد قصائد المجموعة اثنتان وتسعون تتفاوت طولا فتتراوح بين سبع كلمات وتصل إلى بضع صفحات. كما أنها متنوّعة من حيثُ الصدى والمُناخات، لكنها تصبّ جميعا في رؤيا شعريّة مغايرة للمألوف السائد في ما يُنشَر على أنه شعر حديث.
والشاعر سرجون كرم الذي له رصيد من خمسة دواوين حتى الآن، هو» قرويّ» مشرّد، غادر لبنان قبل ثلاث وعشرين سنة، وهو مقيم مذذاك في ألمانيا حيث تدرّج في مساراتها الأكاديميّة ليصبح أستاذا جامعيّا وباحثا ذا باع.
مقيمٌ جسديّا هناك، لكن جذوره ضاربة فعليّا في مطارح الطفولة التي لم يعشها ، كما يقول، والشباب الذي سكنه قلق وغموض في وطن رجراج حتى الدوار، ولمّا يزل إلى اليوم. لذلك لم يقتنع سرجون بجدوى الوطن ، سياسيّا، رغم أن هذا الوطن، عاطفيّا ، تسرّب إلى ثناياه وسكنه زارعا في قلبه حنينا لا ينضب.
مُناخات» سمْكري الهواء العليم بكلّ شيء» شعريّة بامتياز. بمعنى أنها ترى إلى العالم بعين مغايرة. العالم الذي كان، أعني. من طفولة وموروثات وذاكرة، والعالم الذي يريد له أن يكون مختلفا عن ذلك الكائن فعليّا في رحم العذابات والمعاناة واللامبالاة. وليس غريبا، والحالة هذه، أن يستهل سرجون كرم مجموعته الجديدة بقصيدة عنوانها» للمنبوذين»، يطلق فيها صرخة مدوّية في وجه الميتين فعليّا، وإن كانوا أحياء ظاهريّا، يقول لهم مؤنّبأ:
هل لديكم في عرباتكم/ - أيها الأغبياء -/ وطن آخر تختارونه/ كي تقتلوه/ وتأكلوه؟/ وتنضح قصائد المجموعة بمرارة التمزّق، ازاء وطن مشتّت علقتْ أشلاؤه بذاكرة مدمّاة مقهورة دائمة التحسّر على الجزء المفقود من الكلّ الموجود صوريّا:
كان جميلا/ لو أني نظرتُ إلى العلَم/ ورأيتُ وطنا لا وحوشا/ وجميلا كان/ لو أن النشيد الوطني يعزف على وتر الطمأنينة عندي/ ولا ينشر نشاز التوتر في كياني،/ والأجمل لو لم أغادر.../»
من عناوين قصائده ، بعضها على الأقل، ومن متونها، جميعها بالتأكيد، ثمّة طفولة غائبة أو مفقودة « لا طفل فيّ»، وثمّة جرار وأرحام، وثمّة حرقة لا توصف تدفع إلى خيارات حاسمة، وربّما متطرّفة: « بلادي حيث يكون أهلي لغة لا حيث تكون أرض». أيهما أعزّ على المرء : الإنسان أو الأرض؟ مسألة فلسفيّة شائكة حسمها سرجون لمصلحة الإنسان!
هناك لعبة تراكيب أسلوبيّة ذكيّة في عدد من قصائد المجموعة. تراكيب تولِّد إيقاعات موحية لا يتعمّدها الشاعر بالتأكيد، وإنما هي تخرج تلقائيّا من وتر معاناته المزمنة.» الذين يكشطون الغبارعن/ وجوههم الغبار،/ الذين يشربون الغبار/ من جرار تاريخهم الغبار/». فالغبار دالٌّ إيقاعي يفضح مدلولا غارقا في العفن والاجترار والحلقات المفرغة التي استحالت رمالا متحركة أغرقت الوطن الذي لم يعد له طعم سوى الحنين.
قصيدة كاملة من سبع كلمات فقط لا غير فيها حركيّة نابضة بفضل تتالي أفعالها الخمسة: « أقرع الباب../يفتح.../ أدخل.../ أستعير قلبي / وأخرج/». المعادلة الأسلوبيّة/ الدلاليّة كاملة: من الباب الذي فُتِحَ ثمّة دخول وخروج، الباب هو القلب، والقرْع عليه يؤدي إلى استعارة العواطف!
الوطن.. الوطن.. غربة دائمة ينضح بها سرجون كرم على طريقة النحّات الفرنسي برونو كاتالانو، الذي أتقن فن التلاشي في الغربة، حيث كان ينحت أشكالا غير كاملة إذ يتعمّد إظهار المادي الذي نلهث خلفه وإخفاء الجوهري الذي تتركز فيه المعاناة. سرجون كرم يعيش في غربته مخْفيا جوهر عذاباته عن عيون الآخرين، وإنْ كانت عيون ذاته محدِّقة أبدا بمعاناته. وهي، في مطلق الأحوال، غربة لا يمكن أن تكون استسلاميّة هشّة إنهزاميّة. على العكس هي جسر تحريض على التغيير الآتي لا محالة: « أيتها البلاد التي لا ربّ لها/ سوى عيون أطفالها:/ من أجل غفوتك الهادئة في سريرك/ سنحطِّمهم يوما/ مثل هُبَل/ مثل اللات/ مثل العزّى/ ومثل مناة الثالثة الأخرى/ ونقيم دِينًا جديدًا.../ وطنًا جديدا/ لعيْنيْكِ/».
لا مجال للدخول في كلّ أجواء سرجون كرم في هذه العجالة. فالمجموعة مكتنزة، وهي مجال مفتوح على قراءات كثيرة ومختلفة. فالرجل شرب من ثقافات دينيّة متنوّعة، أرثوذكسيّة مسيحيّة وإسلاميّة، إيمانيّة تراثيّة، مع انفتاحة واسعة على فكر عالمي رحب من شرفة المانية ذات مدى فلسفي وشعري مميَّز. صهَرها جميعا في قوالب شعريّة من ابـتكاره. هي صوته هو، وبصمته هو، ومناخاته هو. تنفّس ثقافات كثيرة وتنشّقها حتى الثمالة، ولكنه بقي هو. وهذه هي ، من دون شك، ميزة الشاعر الحقيقي.
قد يقرأ البعض قصيدة له هنا أو هناك من المجموعة، ولا يفهم مراميها. أساسًا الفهم الكامل غير مطلوب لأننا لسنا أمام معادلة رياضيّة أو كيميائيّة. المطلوب هو الدخول في المناخات التي يرتادها الشاعر، ونحن، حين نقرأه، نتطلّع إلى الصعود صوبها.
وسرجون لا يبحث عن إيقاع مفتعل أوعن صورة مشغولة عن سابق تصوّر وتصميم. شعره تخطّى البحث عن صورة من هنا وتورية من هناك. كما إنه تجاوز معادلة الإيقاع الباردة والمفتعَلَة في معظم الأحيان. مرّات تطلع منه الصورة تلقائيّة: « انتظركِ كعادتي هنا.../محتضنًا رجُل ثلج في داخلي/ نصف حيٍّ من الموت/ ونصف ميت من الغرام/». كذلك مراتٍ يطلع منه الإيقاع، وربما التقفية الداخليّة، بعفوية مطلقة: « فأكرْكرُ حين أتذكر أني شاعر من بلاد/ تتغرْغر ببرازها»( لاحظوا صوتيّة: أكركرُ – أتذكّر – تتغرْغرُ، إنها تقفية داخليّة عفوية هي ، من دون شك، ولّادة إيقاع.
أمّا اللغة فبسيطة للغاية، ظاهريّا بالتأكيد. فمنذ السطر الأول من المجموعة يقول الشاعر: « دعوني أكتب الشعر باللغة العاديّة». فعلا إنها لغة مألوفة ومتداولة ظاهريا كما قلنا، ولكنها فعليّا حمّالة رؤى وناقلة معاناة تنوء المفردات تحت وزنها المبرِّح .من هنا فإن « عادية « اللغة تتحول بسرعة إلى لغة بالغة الاكتناز عندما تنتقل إلى مستوى التراكيب. لذلك، واستئناسا برأي النفّري يمكن تعديل ملاحظته والقول: كلما تعقّدتْ الرؤيا بسُطًتْ العبارة. وعبارة سرجون البسيطة ظاهريّا تغلِّف رؤيا بالغة التعقيد والتشابك. وقد وصلتْ تلك البساطة الظاهريّة حدّ اللجوء إلى استخدام مفردات عاميّة صرف، كمثل: « يحرْكش» ، يحوِّش» ، « يحْكش» ، تبْرش» و « نشحْبر» وغيرها.. وعلى الهامش: أليس غريبًا أن تكون حروف « الراء» و» الحاء» و» الشين» مشترًكة بين هذه المفردات جميعًا؟
باختصار سرجون كرم بغربته المؤلمة، مواطن أصيل في بلاد الشعر الجاد. الشعر الخالي من الخواء الرومانسي الهش، والمُثْقَل بالرغبة في التغيير ليس فقط من طريق النقد والسخرية، وإنما خصوصًا من طريق العزيمة والنيّة الصادقة.
سرجون كرم صوت شعري سيتعرّف إليه الكثيرون بالتأكيد، وسيقولون إنه في زمن « اللاشعر» الذي نعيش، ثمّة واحات ظليلة يمكن أن نفيء إليها وأن نستبْشر بها خيرًا.. ومنها واحة اسمها سرجون كرم.