Friday 19th of July 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-May-2019

الأكاذيب التي تشكل وعينا.. والوعي التاريخي الزائف

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بول كريغ روبرتس* – (فورين بوليسي جورنال) 10/5/2019
ثبت بالخبرة أن العديد من المؤرخين القدماء لا يعوَّل عليهم، لأنهم كانوا “مؤرخي بلاط”، والذين سعوا للحصول على المنافع المادية عن طريق الكتابة لإرضاء حاكم.
* * *
اعتاد أبناء جيلي على ربط الروايات الدستوبية التي ترسم واقعاً قاتماً، مثل رواية جورج أورويل “1984”، بالاتحاد السوفياتي، وهو دولة تم فيها التحكُّم في التفسيرات، وكان انتقاد ستالين ينتهي بصاحبه إلى الاعتقال في غولاغ. وكنا نفكر في الولايات المتحدة وفي حياتنا هنا في الغرب بشكل مختلف. لكن الفارق سرعان ما شرع في التلاشي مع مرور الوقت بين الحياة في الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين والحياة في العالم الغربي اليوم.
اليوم، يواجه الصحفي جوليان أسانج نوع الإرهاب والتعذيب نفسه الذي كان يعاني منه أي معارض سوفياتي، إن لم يكن أسوأ. وأصبحت وسائل الإعلام الغربية خاضعة للسيطرة مثلما كان حال وسائل الإعلام السوفياتية؛ حيث تعمل وسائل الإعلام المطبوعة والتلفزيونية والإذاعية العامة الآن كوزارة دعاية للحكومة ومجموعات المصالح التي تسيطر على الحكومة. وتقوم وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “فيسبوك” و”تويتر”، بحجب منصاتها بشكل منهجي عمن يعبرون عن وجهات نظر لا تدعم النظام الحاكم وأجنداته. وأصبح من السهل التخلص من ضمان “التعديل الأول” للدستور الأميركي لحرية التعبير؛ حيث لا تنطوي وسائل الإعلام على القدرة ولا النية لممارستها.
كان من الخطأ بالنسبة لجيلي أن يربط “ثقب الذاكرة” في رواية أورويل والتاريخ المزور بمجرد الدستوبيات الحقيقية أو المتخيلة. كان التاريخ المزيف حاضراً في كل مكان حولنا. سوى أننا لم نكن نعرف ما يكفي للتعرف إليه وتمييزه.
لكن ما علمتني إياه الحياة والتعلم هو أن التاريخ يميل دائماً إلى أن يكون مزوراً، وأن المؤرخين الذين يصرون على قول الحقيقة يعانون في سبيل ذلك. وقد ثبت أن العديد من المؤرخين القدماء لا يعوَّل عليهم، لأنهم كانوا “مؤرخي بلاط”، والذين سعوا للحصول على المنفعة المادية عن طريق الكتابة لإرضاء حاكم.
في زمني، كتب العديد من المؤرخين بُغية الحصول على دخل من مبيعات الكتب من خلال أسر انتباه الجمهور بقصص عن الانتصارات المجيدة على أعداء شيطانيين، والتي بررت التضحية بكل أولئك الأبناء والأحفاد والإخوة والآباء والأعمام والأزواج والأصدقاء وأبناء العم في سبيل زيادة أرباح التسليح الرأسمالي. ولم يرد أي ناشر سرداً صادقاً لن يشتريه أحد بسبب كشفه الصارخ لمدى الحمق واللاجدوى اللذين انطوت عليهما مصارع أحبائهم. كان الكل، أو نحو ذلك، يريدون أن يعتقدوا بأن خسارتهم كانت من أجل قضية نبيلة، وأنها كانت “تستحق الكلفة”.
فيما عدا استثناءات قليلة، وجّه المؤرخون الناطقون باللغة الإنجليزية اللوم عن نشوب الحربين العالميتين إلى ألمانيا. وهذا تاريخ كاذب. كان أول مؤرخ حقيقي للحرب العالمية الأولى، أو ما كانت تسمى في ذلك الحين الحرب العظمى أو الحرب العالمية، هو هاري إلمر بارنز. وكان بارنز أستاذاً لعلم الاجتماع التاريخي بكلية سميث وزميل ويليام بايارد في التاريخ بجامعة كولومبيا. وتم نشر كتابه، “سفر تكوين الحرب العالمية”، في العام 1926، وصدر عن دار ألفريد أ. كنوبف الشهيرة في نيويورك.
بدلاً من التستر، كما هو متوقع، على جرائم الحلفاء وغدرهم ضد ألمانيا، قال بارنز الحقيقة. كان القيصر الألماني، وهو قريب للعائلتين الملكيتين البريطانية والروسية، معروفاً في جميع أنحاء العالم كصانع سلام، وقد أشادت به صحيفة نيويورك تايمز لهذا الدور بالذات. وثمة حقيقة معروفة لا جدال فيها، هي أن الحكومة الألمانية عملت من أجل السلام حتى اضطرت ألمانيا، آخر قوة تقوم بالتعبئة، إلى التحشيد أو مواجهة الاجتياح من قبل روسيا وفرنسا، اللتين تحالفتا مع البريطانيين ضد ألمانيا. ولم يحدث من قبل أبداً في التاريخ أن تم إلقاء اللوم في بدء الحرب على آخر قوة تقوم بالتعبئة. لكن الحقائق لا تتواجد في طريق مؤرخي البلاط كما يبدو.
كان منشأ الحرب هو رغبة اثنين من وزراء القيصر الروسي في السيطرة على القسطنطينية ورغبة الرئيس الفرنسي في استعادة الأراضي، الألزاس- لورين، التي كان الفرنسيون قد خسروها لألمانيا في الحرب الفرنسية-البروسية في العام 1870. وقد استغل هؤلاء المخططون ردَّ النمسا على اغتيال الأرشيدوق النمساوي في صربيا، والذي يُرجح أن يكونوا هم الذين هندسوه، لإعلان الحرب لأن ألمانيا كانت حامية الإمبراطورية النمساوية-المجرية.
حصل الرئيس الأميركي وودرو ويلسون على هدنة في الحرب العالمية، والتي دمرت بلا معنى ملايين الأرواح، من خلال بذل وعد لألمانيا بأنها إذا وافقت على الهدنة، فإنها لن تعاني من خسائر للأراضي ولن يترتب عليها أن تدفع تعويضات. وعندما وافقت ألمانيا على الهدنة، كانت هي التي تحتل أراضٍ من المعسكر المقابل. ولم تكن هناك أي قوات أجنبية على الأراضي الألمانية.
بمجرد أن فكت ألمانيا الاشتباك وانسحبت، فرض البريطانيون حصاراً على الغذاء، والذي أجبر الألمان الذين يتضورون جوعاً على الخضوع لمعاهدة فرساي الاستغلالية التي تنتهك كل وعد كان قد قطعه الرئيس ويلسون.
وقال بعض الأشخاص الأذكياء، بما في ذلك الاقتصادي الأكثر شهرة في القرن العشرين، جون ماينارد كينيز، إن معاهدة فرساي، التي كانت تمريناً في التستر على الطرف الذي تسبب في الحرب، ضمنت نشوب حرب أخرى في المستقبل. وكان هؤلاء، وليس المؤسسة الفاسدة، هم الذين على حق.
بسبب جهوده لتقصي الحقائق، أعلن مؤرخو البلاط أن هاري إلمر بارنز هو عميل ألماني، والذي دُفع له مقابل كتابة تاريخ زائف. وبالنظر إلى أن صوت بارنز كان في مواجهة عدد يفوقه بكثير من الأصوات، فقد ظل تاريخ الحرب العظمى، في معظمه، مزيفاً طوال القرن العشرين.
تمت تبرئة بارنز وكسب سرده مصداقية في العام 2014، عندما نشر كريستوفر كلارك من جامعة كيمبريدج كتابه المعنون “السائرون نياماً: كيف ذهبت أوروبا إلى الحرب في العام 1914”. وفي الكتاب، أضاف كلارك إلى أدلة بارنز لإثبات أن الحرب العظمى نجمت عن مؤامرة حاكها وزيران في الحكومة الروسية ورئيس فرنسا من أجل سرقة الأراضي المرغوبة التي شكلت مطمعاً لهم من ألمانيا وتركيا.
ولكن، بعد مرور مائة عام تلك الحرب، مَن الذي يهتم الآن؟ لقد رحل عن هذه الدنيا كل أولئك الناس الذين ماتوا في الحرب، وكذلك أسرهم الثكلى التي عانت بسبب مؤامرة حاكها ثلاثة رجال شريرين. وتم مسبقاً تشويه وعي العالم بقرن كامل من التاريخ الزائف؛ وهو نفس التاريخ الكاذب الذي وضع ألمانيا موضع اللوم مرة أخرى عن نشوب الحرب العالمية الثانية هذه المرة.
ولكن، انتظر، وتيقظ. كانت الأكاذيب عن الحرب العالمية الثانية أكبر بكثير.
 
*درَس كريغ في أربع من أفضل الجامعات في العالم، وتتلمذ على اثنين من الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد، وقام بتأليف 20 مقالة محكّمة نُشرت في المجلات العلمية، ونشر أربعة كتب أكاديمية قام بمراجعتها النظراء قبل الصدور عن مطابع بارزة، بما فيها مطبعتا جامعتي هارفارد وأوكسفورد، بالإضافة إلى سبعة كتب نشرت تجارياً. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “تهديد المحافظين الجدد للنظام العالمي: حرب واشنطن الخطيرة من أجل الهيمنة”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Lies That Form Our Consciousness and False Historical Awareness
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات