الغد
هآرتس
بقلم: تسفي برئيل
كشف الهجوم الإسرائيلي الذي شنه الجيش الإسرائيلي أول من أمس قرب بلدة المنصوري، ردا على ما وصف بأنه "انتهاك صارخ من حزب الله"، وأمر سكان البلدة بإخلاء بيوتهم من جديد – خلافا للاتفاق مع لبنان – حالة التوتر الشديدة التي تتربص بالمفاوضات بين إسرائيل ولبنان. وفي أعقاب هذا الهجوم الإسرائيلي تم إنهاء المحادثات في روما بين إسرائيل ولبنان قبل الموعد المقرر، وفي غضون ذلك توجهت حكومة لبنان إلى ضباط الارتباط في الولايات المتحدة وطالبتهم بوقف الهجمات وإلغاء طلب إخلاء البلدة.
يتوقع أن تزداد هذه الأحداث مع تقدم المحادثات السياسية والعسكرية بين الطرفين. وتظهر هذه الأحداث بوضوح كيف ستصبح هذه المحادثات – حسب تقارير من لبنان "هي تقدمت بشكل ملحوظ"، رغم أنها لم تؤد حتى الآن إلى انفراجة - رهينة لسلوك حزب الله على الأرض ورغبة إيران في عرقلة كل العملية.
يتركز الخلاف الرئيسي بهذا الشأن حول إنشاء آلية للتحقق من تنفيذ اتفاق الإطار الذي وقع في شهر حزيران (يونيو) الماضي. وتتمثل مهمة هذه الآلية في مراقبة والتحقق من التزام حكومة لبنان والجيش اللبناني بالتعهد بمنع عناصر حزب الله من دخول المناطق التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، وتدمير بنيته التحتية ومصادرة سلاحه. وقد طالبت إسرائيل بأن تكون شريكة في هذه الآلية، في حين يعارض لبنان هذا الطلب بادعاء أنه ينتهك سيادته. لذلك، تدور النقاشات حول اختيار "الطرف الثالث": هل ستكون قوة متعددة الجنسيات أو مفتشين من الأمم المتحدة أو قوة من دول أوروبية مثل إيطاليا أو فرنسا، اللتين أعلنتا استعدادهما للمشاركة في هذه الآلية – على أن تتولى الولايات المتحدة دور "الحكم الأعلى" عليها من دون تواجد عسكري فعلي على الأرض.
تكمن المشكلة في أنه إلى حين إنشاء هذه الآلية، ستواصل إسرائيل معارضة توسيع "مناطق الاختبار" – وهي المناطق المحدودة التي يفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي والسماح للجيش اللبناني بالانتشار فيها. وفي حالة عدم الانسحاب فإن اتفاق الإطار كله معرض للانهيار. في هذا الصدد تجد حكومة لبنان نفسها في معركة مزدوجة ضد حزب الله الذي قد يعرقل إخلاء المناطق من خلال هجمات محدودة ومحلية، وزرع عبوات ناسفة، وحتى إطلاق النار من سلاح خفيف، وضد إسرائيل التي تطالب بحرية العمل حتى في المناطق التي وافقت على إخلائها. هنا من المرجح أن يكون التدخل المباشر للولايات المتحدة ضروريا، لأن الولايات المتحدة ستملي "نطاق الاحتواء" الذي سيتعين على كل طرف استيعابه لمنع حزب الله من تحديد قواعد الصراع ومستقبل المفاوضات، وستقيد أيضا ردود إسرائيل ضمن نطاق "مقبول" لا يجبر حكومة لبنان على الانسحاب من العملية.
مع ذلك، مفاهيم "نطاق الاحتواء" و"نطاق الرد المقبول" غير محددة بدقة، ومن يتعين عليه أن يحددهما سيضطر إلى أخذ الظروف السياسية السائدة في الدولتين في الحسبان، رغم أن العملية السياسية تحصل على تأييد شعبي وسياسي واسع في لبنان، ودعم عربي ودولي. مع ذلك، لم يتم اختبار المواجهة المباشرة بين حزب الله والجيش اللبناني على أرض الواقع حتى الآن. ويخشى البعض أن يمتد هذا التطور إلى شوارع المدن الكبرى، وفي أسوأ الحالات، أن يتطور إلى حرب أهلية شاملة. وفي إسرائيل، اختفى مصطلح "الاحتواء" من قاموسها، وأي بادرة تنازل ستستخدم كوقود في الحملة الانتخابية، لا سيما على خلفية تصريحات رئيس الحكومة ووزير الدفاع، اللذين تعهدا بعدم الانسحاب من لبنان والاستمرار في حملة التدمير فيه "إلى حين زوال خطر حزب الله". وفي نفس الوقت تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل مجبرة حتى الآن على تنفيذ إملاءات الولايات المتحدة بشأن وقف إطلاق النار الشامل وتطبيق مبدأ الانسحاب بالتدريج، حتى لو لم تبدأ حتى الآن بالانسحاب من المناطق التي يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي.
ورغم أن المفاوضات تجري بمعزل عن حزب الله وايران، فإن هذا المجال غير بعيد عن نفوذ طهران، التي قد تملي مستوى تصعيد حزب الله. لذلك، تعطي حكومة لبنان أهمية كبيرة لتسريع انسحاب الجيش الإسرائيلي، أو على الأقل وضع جدول زمني متفق عليه وسريع. فهذا ليس فقط طموح لفرض سيادة لبنان على كل حدوده، بل هذا صراع سياسي شديد بين حزب الله (وإيران) وبين حكومة لبنان حول إعادة إعمار جنوب لبنان وعودة السكان إلى بيوتهم. وحسب معطيات الأمم المتحدة فقد عاد حوالي 800 ألف نازح إلى بيوتهم، في حين ما زال حوالي 300 ألف نسمة من سكان الجنوب بدون مأوى.
إضافة إلى ذلك، سيحتاج لبنان إلى مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنى التحتية المدنية، والمساعدة في إعادة بناء البيوت والمباني العامة المدمرة، وإنعاش الاقتصاد. ورغم حصوله على وعود بالمساعدة من دول الخليج وتركيا ودول أوروبية، فإن أي مساعدة كهذه مشروطة بإنهاء حالة الحرب، وإجراء إصلاحات اقتصادية، وإخضاعها لرقابة دولية صارمة.
يستثنى حزب الله من هذه الشروط، وهكذا فهو يجد صعوبة في الوقت الحالي بالوفاء بوعوده في المساعدة في إعادة تأهيل سكان الجنوب أو حتى دفع الإيجارات للشيعة المهجرين. ولكن إذا تم التوصل إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عمان يسمح بفتح مضيق هرمز، وبعد ذلك رفع بعض العقوبات عن إيران، فيتوقع أن يحصل حزب الله على تدفق أموال كثيرة، تمكنه من إعادة ترسيخ نفوذه المدني والسياسي في جنوب لبنان، الذي بنى عليه بنيته العسكرية. إن افتراض قدرة إسرائيل على الحفاظ على منطقة أمنية واسعة في جنوب لبنان "طالما توجد حاجة إلى ذلك"، كما تعرف الحكومة ذلك، وبالتالي، الاستنتاج بأن موضوع تأهيل الجنوب لن يكون مطروحا على جدول الأعمال أصلا، قد يتبدد بتغريدة سريعة من الرئيس ترامب. من الأفضل لإسرائيل أن تكون مستعدة لمثل هذا السيناريو.
إن بناء شراكة مدنية مع حكومة لبنان بالتزامن مع خطة الانسحاب، وبعد ذلك تحت رقابة دولية أميركية، يعتبر عنصرا ضروريا للجهود التي تبذل لتحييد نفوذ إيران وحزب الله قرب الحدود وفي لبنان بشكل عام. تشارك سورية الآن أيضا في هذا الجهد، حيث حشدت قواتها على طول الحدود مع لبنان والعراق لإحباط محاولات تهريب السلاح وتسلل المليشيات الشيعية من العراق، وإحباط نية حزب الله التمركز في قرى داخل سورية. وقد وجهت سورية مؤخرا رسائل شديدة اللهجة للبنان والعراق، وأكدت أن "يدها لن تكبل أمام أي محاولة للمس بسيادة سورية". وأعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أنه لن يتدخل عسكريا ضد حزب الله في لبنان، لكنه توصل بالفعل إلى اتفاق ملزم مع حكومة لبنان حول ترتيبات الإشراف والرقابة على طول الحدود.
في الوقت الذي يعزز فيه كل من لبنان وسورية التعاون بينهما في المجال الأمني والعسكري، تجدر الإشارة أيضا إلى اللقاءات التي جرت بين رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في هذه اللقاءات عرض أردوغان المساعدة في إعادة إعمار لبنان مثلما يفعل في سورية، لا سيما بحث طرق ربط لبنان بشبكة الكهرباء التركية عبر سورية والمساعدة على إقامة شبكة كهرباء لبنانية. وهذا بطبيعة الحال ليس بادرة إنسانية، بل خطوة إستراتيجية.
بالتالي، في حين تعتبر إسرائيل سيطرتها على قرى أخرى في جنوب لبنان جزءا من تحقيق الأهداف الأمنية، وتعتبر استعداد لبنان للسير قدما في اتفاق سلام معها مكسبا هامشيا، فهي قد تجد نفسها خارج النسيج السياسي الذي يتشكل بالتدريج حولها.