الغد
هآرتس
بقلم: أوري عراد وأمير هسكيل 23/10/2026
كتبنا هذا المقال بألم شديد. فبوصفنا يهودا ووطنيين إسرائيليين، نكنّ لإسرائيل محبة عميقة؛ فيها تلقّينا تعليمنا وتربّينا، ولا نتخيّل العيش في أي مكان آخر. خضنا حروبا وفقدنا أصدقاء، وشهدنا كيف تغيّرت البلاد على مر السنين، فتطوّرت وازدهر اقتصادها، لكنها عانت، في الوقت نفسه، أزمات حادة. وكان اغتيال رئيس الحكومة إسحاق رابين نقطة تحوّل بالنسبة إلينا، لكننا لم نتوقف قط عن الإيمان بالفكرة الصهيونية وبقدرتنا، نحن الإسرائيليين، على بناء مجتمع جدير وعادل هنا.
وكما حدث مع سائر الإسرائيليين، هزّت مذبحة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) قلوبنا بعنف. وعلى إثرها، شنّت إسرائيل حربا رأينا أنها مبرّرة، وحظيت بتعاطف عالمي واسع.
أما ما حدث منذ ذلك الحين، فهو قصة أخرى. فقد استغلّ شخصٌ رأى في الحرب فرصة للبقاء في الحكم والهرب من العدالة مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام إلى أقصى حد. وانضمّ إليه أناس يكرهون البشر، من الكهانيين والمسيحانيين، الذين اتخذوا لأنفسهم اسم "الصهيونية الدينية"، مع أنهم، في نظرنا، لا يمتّون بصلة إلى الصهيونية، ولا مكان لله في قلوبهم. رأى الكهانيون في حرب الانتقام فرصة لإطلاق العنان للعنصرية وكراهية العرب، أما المسيحانيون فرأوا فيها حربا دينية أبدية تتيح تحقيق حلم "أرض إسرائيل الكاملة"، الخالية من العرب، وتمهّد لقدوم المسيح. وقد أسهم الفريقان، بما يحملانه من تطرف وخبث، في مساعدة أحقر شخص في تاريخ إسرائيل، بحسب وصفنا له، على تدمير كل شيء في هذا البلد.
وبعد الصدمة الأولية، تصاعد الهجوم الوحشي على الديمقراطية الإسرائيلية وعلى روح الصهيونية نفسها، مستفيدا من غطاء الحرب. وانتهكت، بصورة صارخة، القيم الأساسية، بما فيها حرمة الحياة، والتضامن، واحترام عائلات الضحايا، وحق الأسرى في الحرية، ومبدأ "طهارة السلاح". وأدّى تصاعد التحريض والانقسام إلى شرخ عميق في المجتمع، بات من المشكوك فيه إمكان رأبه. كما تدهورت مكانة إسرائيل الدولية والأخلاقية إلى الحضيض.
وكشف هذا التدهور عن نظام سياسي فاسد تماما، وعن ضعف بنيوي ومؤسسي في جميع الآليات التي يُفترض أن تؤدي دور الحارس، بما فيها القضاء وأجهزة إنفاذ القانون. ولا بد من التوقف عند وسائل الإعلام الرئيسية، التي أخفق معظمها في أداء دورها رقيبا على الديمقراطية، وأسهمت في تطبيع كل ما حدث، بما في ذلك ترشيح الشخص الذي نحمّله المسؤولية الأولى عن الكارثة في الانتخابات المقبلة لرئاسة الحكومة؛ وهو شخص، في رأينا، لم يكن ليبقى في منصبه يوما واحدا في أي دولة ديمقراطية أخرى. وتتحمّل وسائل الإعلام "الوطنية" جزءا كبيرا من المسؤولية عن نشوء وعي زائف، إذ لم تنقل الواقع إلى مواطني البلاد بإنصاف، وعزّزت خطابات التباكي من قبيل "العالم كله ضدنا" و"الجميع معادون للسامية".
كان نضال مئات الآلاف من المواطنين في مواجهة هذه العمليات المدمّرة بمثابة بصيص أمل في الظلام. ومع ذلك، وبصفتنا شركاء في الاحتجاج المدني، منذ أيام المظاهرات في بلفور، مرورا بالاحتجاج على الانقلاب القضائي، وصولا إلى النضال من أجل إعادة الرهائن وإنهاء الحرب، يتعيّن علينا الإقرار بأننا، رغم النجاحات التكتيكية الكبيرة، أخفقنا في نهاية المطاف في تحقيق هدفنا، إذ لم نتمكن من تغيير الحكومة. حدث ذلك رغم أنه لم يكن ليخطر ببال أي عاقل أن الحكومة المسؤولة، في نظرنا، عن أكبر كارثة في تاريخ البلاد ستكمل ولايتها. وهذا إخفاق إستراتيجي ذريع.
ومع تقدّم عملية تدمير إسرائيل، بات واضحا لكثير من المواطنين ما كان واضحا لنا حتى قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر): أن الهدف الحقيقي الكامن وراء ما يُسمّى "الإصلاح القانوني" ليس تغيير النظام في حد ذاته؛ فتغيير النظام ليس سوى وسيلة. أما الهدف، فقد كان وما يزال تغيير وجه إسرائيل وصورتها إلى حدّ يجعلها غير قابلة للتعرّف. أي تحويلها من دولة ليبرالية يحكمها القانون إلى ديكتاتورية ذات سمات فاشية، تُداس فيها الحقوق المدنية وتُستبدل بالأوامر الدينية، ويصبح فيها الفساد والمحسوبية قاعدة، ويغدو الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، ولا يعود فيها مكان للقيم اليهودية الإنسانية والعالمية، مثل الحرية والمساواة والأخوّة.
إننا نسير بخطى حثيثة على هذا المسار، ويبدو لنا أنه إذا سُمح للائتلاف الحالي بمواصلة الحكم، فستُنجَز هذه المهمة، وستتغيّر إسرائيل تغييرا لا رجعة فيه.
يمكننا التوقف هنا والقول: اعتبروا هذا جرس إنذار. فالانتخابات المقبلة بالغة الأهمية، لأنها تمثّل صراعا على صورة إسرائيل. وإذا لم تُزَح هذه الحكومة التي نراها مدمّرة من السلطة، فسيتغيّر وجه إسرائيل جذريا؛ إذ ستصبح دولة تنفّر القوى المبدعة والليبرالية، وستزداد فقرا، وستغدو الحياة فيها أكثر صعوبة، وستنبذها غالبية دول العالم، وستواجه المقاطعة، وستبلغ التوترات الاجتماعية فيها حدّا لا يُطاق. وقد يجد مواطنوها صعوبة في السفر إلى الخارج، بل قد ينفصل عنها يهود العالم أيضا. وعندئذ ستصبح إسرائيل مكانا تتحقّق فيه نبوءة "شعب يسكن وحده ولا يُحصى بين الأمم".
لكن تصوير الانتخابات على أنها صراع على صورة إسرائيل لا يفي بحجم الخطر. فالأمر، في الواقع، أخطر بكثير. وللمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات والنضال من أجل صورة إسرائيل، بات لدينا ما يدفعنا إلى الإقرار بأن الخطر لا يقتصر على طبيعة الدولة وصورتها، بل يهدّد وجودها المادي، وينذر بتدمير الهيكل الثالث.
إننا نقف على حافة هاوية سحيقة، وعلى بُعد خطوة من السقوط في ظلام دامس، قد يكون من الصعب العودة منه. وهذا درس من تاريخنا البعيد، الذي شهدنا فيه تدمير الهيكل مرتين، وهو درس لشعوب أخرى أيضا في العصر الحديث، عجزت عن تجنّب السقوط، فدفعت ثمنا باهظا.
إسرائيل دولة صغيرة تفتقر إلى العمق الإستراتيجي، وتحيط بها التهديدات، وتعتمد اعتمادا كبيرا على مكانتها الدولية عموما، وعلى علاقاتها بالولايات المتحدة والدول الغربية خصوصا. وفي ظل تدهور هذه العلاقات، ولا سيما على مستوى الرأي العام الأميركي، لم يعد من الممكن افتراض أنه إذا انهارت أسس الدولة، فستكون هناك جهات مستعدة لحشد الجهود لإعادة بنائها.
إن من يتجاهل الأثر المتزايد لمشاهد الدمار في غزة والمذابح في الأراضي المحتلة، إنما يدفن رأسه في الرمال. والعقوبات التي بدأت تُفرض على إسرائيل ليست سوى غيض من فيض؛ إذ يُرجّح أن تتفاقم هذه العملية، فتدفع إسرائيل نحو مزيد من الضعف والعزلة والنبذ على الساحة الدولية.
ومن يعتقد أن الشرعية الدولية، والالتزام الأخلاقي بوجود الدولة اليهودية بعد المحرقة، موردان لا ينضبان، فهو واهم. فالذاكرة التاريخية تتغيّر، ومشاعر الذنب التي أعقبت المحرقة تتلاشى، في وقت نشهد فيه صعودا متجددا لليمين المتطرف ومعاداة السامية في أجزاء كثيرة من أوروبا.
ورغم كل ما سبق، يعتقد كثيرون أن وصف الوضع في إسرائيل بهذه الدرجة من الخطورة ينطوي على مبالغة. ويستشهدون بالتشابه الظاهري بين إسرائيل والمجر، معتبرين أن المجر مثال على إمكان الحفاظ على نظام غير ديمقراطي مدة طويلة مع استمرار الدولة في التمتع بالشرعية الدولية. لكن هذه المقارنة، في رأينا، تنطوي على خطأ جوهري. فالمجر جزء من إطار أوروبي مستقر نسبيا، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حين أن إسرائيل دولة صغيرة تقع في بيئة أمنية معادية ومضطربة، تعصف بها الصراعات.
ويُضاف إلى ذلك وجود تيار ديني مسيحاني متشدد في إسرائيل، يتزايد تأثيره في طبيعة الدولة وقيمها، وفي استعدادها للتوصل إلى حل للصراع الدموي مع الفلسطينيين. وفي ظل غياب تحالف سياسي متوازن شبيه بالاتحاد الأوروبي، ومع احتمال تراجع الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل، تتضاءل، إلى حد كبير، فرص استمرار إسرائيل على المدى البعيد.
لهذا، تكتسب الانتخابات المقبلة أهمية استثنائية. إنها مسألة وجود أو زوال، لا أقل من ذلك. وحتى إن لم تُمحَ الدولة من خريطة العالم على الفور، فإن عملية التدهور قد تكون سريعة وقاسية. وستُعاد صياغة الخريطة السياسية للمنطقة، وقد لا تعود إسرائيل تمثّل أي مكسب إستراتيجي لأي دولة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تسعى جاهدة إلى تشكيل شرق أوسط جديد لا تكون إسرائيل فيه محورا رئيسا.
وعندما تتآكل الشرعية الأخلاقية لوجود الدولة اليهودية في نظر العالم، ونصبح أمة صغيرة معزولة مكروهة، ونفقد الدعم الاقتصادي والعسكري من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عندها قد يأتي الانهيار النهائي: تدمير الهيكل الثالث.