Monday 21st of October 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة


 
  • آخر تحديث
    18-Jun-2019

على السودان أن يتحد في مواجهة العنف المفزع

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ريم عباس – (الواشنطن بوست) 13/6/2019
عندما هاجمت ميليشيا الجنجويد المتظاهرين في الاعتصام السلمي أمام مقر الجيش في الخرطوم الأسبوع قبل الماضي، أخبرني شهود العيان أن قوات الميليشيا قالت للمحتجين: “لقد اعتدتم على الهتاف بأن كل البلد دارفور. الآن، جئنا بدارفور إليكم هنا، في الخرطوم “.
كانوا يشيرون إلى واحدة من أشهر الهتافات التي رددها الناشطون خلال حركة الاحتجاج التي أطاحت بالرئيس السوداني عمر حسن البشير بعد ثلاثة عقود قضاها في السلطة. وقد ردد المتظاهرون هتاف “كل البلد دارفور” مراراً وتكراراً في الاحتجاجات التي عمت جميع أنحاء البلاد -لكنهم رددوه خصوصاً في الخرطوم كوسيلة للاعتراف بالمعاناة التي تم تجاهلها لفترة طويلة في دارفور.
كان اليوم الذي تم فيه فض الاعتصام هو آخر أيام شهر رمضان المبارك، شهر الصوم لدى المسلمين. وكان من المفترض أن يكون اليوم التالي أول أيام عيد الفطر. لكن ذلك اليوم تحول إلى مأساة بدلاً من الاحتفال.
شكل ذلك اليوم بداية حملة قمع عنيف تشنها قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية يقودها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، المستشار الأمني السابق لحاكم جنوب دارفور الذي منح منصباً لنفسه في المجلس العسكري الانتقالي السوداني. وفي واقع الأمر، تتكون قوات الدعم السريع من قوات الجنجويد ذاتها التي أرهبت ونهبت وروعت قرى دارفور منذ العام 2003.
في ذلك اليوم، شرعنا بحلول فترة ما بعد الظهر في إحصاء الشهداء. وبدأت مقاطع الفيديو الخاصة التي تُظهر الشبان الذين يطلق عليهم الرصاص في الظهور بالانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلال المكالمات الهاتفية، اكتشفنا أن مجموعة من الأصدقاء أو المعارف قد فقدوا. ولم نتمكن من استخدام الإنترنت للاتصال بأحبائنا والتأكد من سلامتهم، لأن السلطات فرضت تعتيماً على الإنترنت في وقت متأخر من بعد الظهر. وما يزال انقطاع التيار الكهربائي مستمراً حتى كتابة هذه السطور، وقد صرح المجلس العسكري علنًا أنه لا يعتزم إعادة الاتصال بالإنترنت في أي وقت قريب، حيث يعتبر الإنترنت “تهديداً للأمن القومي”.
بحلول المساء، بدأت تفاصيل أكثر ترويعاً وغموضاً في الظهور، والتي روَت قصة أكبر وأكثر تعقيداً -قصة تعود وراء في الزمن 16 عاماً. فقد استخدم الجنجويد في ذلك اليوم، بشكل روتيني، بعض الأساليب التي كانوا قد استخدموها ضد المدنيين في دارفور. هناك، كانوا يدخلون القرية فيحرقوها ويقوضونها على عروشها،ويقتلون ويغتصبون وينهبون كما يحلو لهم.
وهنا، استخدموا نفس التكتيكات لفض الاعتصام.
أحرقوا الخيام حيث كان المتظاهرون نائمين. ونجا البعض من الموت، وإنما بحروق ستستمر في سرد أهوال ذلك اليوم.
واستخدموا الذخيرة الحية بشكل عشوائي، وأطلقوا النار على المتظاهرين في الرأس أو الصدر فيما بدا أنه إطلاق نار بقصد القتل.
ورفضوا السماح للمتظاهرين بنقل أصدقائهم الجرحى إلى المستشفيات وأطلقوا النار عليهم مرة أخرى للتأكد من عدم وجود فرصة لبقائهم على قيد الحياة، وفقاً لشهود العيان الذين قابلتهم.
وألقوا الجثث في النيل. ووجدت بعض العائلات أحباءها فقط بعد أن أمضت ليالٍ بلا نوم بعد ذلك، وبعد أن انجرفت أجساد هؤلاء الضحايا مع التيار.
واغتصبوا الشابات وحاولوا اغتصاب الكثير من النساء.
وأوقفوا وضربوا الأطباء لمنعهم من الوصول إلى المستشفيات لعلاج المحتجين المصابين. وحتى المستشفيات نفسها أصبحت غير آمنة، حيث هاجمت قوات الدعم السريع عدة مستشفيات بالذخيرة الحية.
وباختصار، لم يكن أي مكان آمناً بينما روَّعت هذه القوات الخرطوم.
كانت حالة الرعب هذه جديدة بالنسبة للكثيرين في الخرطوم، على الرغم من أن هذا كان هو الوضع السائد في ولايات دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان على مدى سنوات. وخلال الأسبوعين الماضيين، جلب الجنجويد دارفور حقاً إلى بيوتنا.
في هذه العملية، تغيرنا نحن في الخرطوم أيضاً. ووجد الكثيرون منا أنفسهم مشردين داخل مدينتنا، غير قادرين على الوصول إلى منازلنا لأسباب أمنية أو لأن الشوارع كانت خطيرة للغاية.
لكن الدماء التي تلطخ الشوارع والأرصفة وحّدتنا فقط، وخلقت شعوراً بالانتماء والتضامن مع بقية أنحاء السودان. وهذه الوحدة هي التي ستكون أعظم سلاح لنا ضد المجلس العسكري الانتقالي، الذي يواصل الحفاظ على تركة البشير الملطخة بالدماء.
بعد أيام قليلة من المذبحة، وجدتُ رسائل من صديق يعيش في كاودا في جبال النوبة. وكانت كاودا تحت سيطرة المتمردين لسنوات وهي معزولة تماماً. وفي الفترة بين العامين 2011 و2016، كان القصف بطائرات الأنتونوف حقيقة يومية لشعب كاودا، لكنهم واصلوا النضال. وأخبرني صديقي بأنه يشعر بالقلق من أجلي وأنه حزين لما يحدث للخرطوم.
أخبرته بأنني أنا أيضاً آسفة لما حدث له في كاودا -وبأنه أصبح بوسعي الآن فقط أن أبدأ في فهم ما يعنيه هذا الافتقار إلى الأمان. لكن أكبر علامة للتضامن ستكون مواصلة القتال ضد الجنجويد باستخدام نفس الأساليب السلمية التي استخدمناها لإسقاط البشير وطغمته العسكرية.
لا يمكننا أن نبدأ بالتعافي من عقود من الصراع كبلد إذا ظل رجال ميليشيا الجنجويد مطلقي السراح وبقينا نحن تحت رحمة المستبدين. وبينما نجتمع معاً في النهاية، فإنه لا يمكننا أن نترك هذه اللحظة تمر من دون مقاومة جماعية كما حدث في الماضي. إن دارفور هي الخرطوم، والخرطوم هي دارفور، وعلى السودان كله الآن أن يتحد ضد العنف الذي يحاصرنا -من خلال أقلامنا، وحواجزنا، وأصواتنا/ وهواتفنا الذكية وأي وسيلة سلمية يمكن أن نجدها.
 
*صحفية مستقلة ومستشارة اتصالات مقرها في السودان.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sudan must come together to face its terrifying violence
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات