Thursday 1st of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Sep-2020

بعيدًا عن الصخب.. “كوفيد- 19” يبث الحياة في الضواحي

 الغد-تقرير خاص – (الإيكونوميست) 12/9/2020

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
يغير وبار فيروس كورونا الضواحي البريطانية بشكل عميق تماماً مثلما يفعل مع المدن.
 
* *
بريطانيا – استجاب روبرت إدواردز وماريو ستيفن بشكل غريب لوباء فيروس كورونا والانهيار الذي أصاب الإنفاق في محلات التجزئة الذي تسبب فيه. افتتحا صالوناً لتصفيف الشعر. وعلى الرغم من أن كلا الرجلين تدربا وعملا لسنوات في لندن، فإن صالونهما الجديد يقع في هيتشن، وهي بلدة يسكنها حوالي 35.000 شخص تقع على بعد 50 كيلومتراً إلى الشمال من كاتدرائية سانت بول. وبعد شهرين الآن، يبدو العمل جيدًا، كما يقول ستيفن من خلف قناع الوجه والواقي البلاستيكي: “جعلني الإغلاق أدرك أنني لست في حاجة إلى أن أكون في لندن بعد الآن”.
بدأ “كوفيد-19” كمرض حضري. ظهر أولاً في ووهان بالصين، وانتشر بسرعة عبر المدن العالمية الكبرى؛ وفي بريطانيا، أصبحت برمنغهام ولندن نقاطاً ساخنة للإصابات والعدوى. لكن الفيروس لم يتلبث طويلاً في المناطق الحضرية، وتمكن رؤية آثاره أبعد كثيراً خارج نطاق المناطق المكتظة بالسكان. وقد غيّر بشكل عميق الضواحي والبلدات التي يستقل سكانها المواصلات العامة إلى أعمالهم في لندن مثل هيتشن. وفي الواقع، ألغى فيروس “كوفيد-19” هذه الرحلات اليومية من الضواحي -وهو تغيير حميد أكثر مما يبدو.
اعتادت الضواحي في أطراف المدن أن تكون مكاناً للسكن في المقام الأول. وكانت تصبح أكثر حياة في عطلة نهاية الأسبوع. وقد صفها جوليان بارنز في روايته الأولى، “ميترولاند”، بأنها مناطق لملاعب الولف، وتناول وجبات الغداء في الحانة، وللسائقين المتعلمين الذين يتدربون على اجتياز المنعطفات ثلاثية النقاط، وصوت جزازات العشب التي “تتسارع، تفرمل، تنعطف، تتسارع، تفرمل، تنعطف”. وكان الهدوء يسود هذه الضواحي أيام الاثنين عندما يستقل الناس -وخاصة الرجال- عربات القطار عائدين إلى العمل في لندن.
لكن “كوفيد-19” غيَّر كل ذلك. فقد عنى صعود ممارسة العمل من المنزل بين موظفي المكاتب الذين يعملون برواتب أن تصبح السكك الحديدية البريطانية هادئة مثل مترو الأنفاق في لندن. وبحسب وزارة النقل، كان عدد الركاب في الأسبوع الأخير من شهر آب (أغسطس) يعادل 37 في المائة فقط من مستواه الطبيعي لهذا الوقت من العام. وأصبح موقف السيارات في محطة سكة حديد هيتشن، الذي عادة ما يكون ممتلئاً عن آخره تقريباً، مشغولاً بنسبة الربع فقط في أيام العمل خلال الأسبوع.
بالنسبة لمحلات التجزئة في المدن الكبرى، يُعد فقدان راكبي القطار إلى المدينة علامة على الكارثة، ويفاقم الأضرار الناجمة عن الركود في السياحة الأجنبية. ويقول اتحاد تجارة التجزئة البريطاني، وهو مجموعة تجارية، إن إجمالي الإقبال على محلات التجزئة انخفض بنسبة 42 في المائة في آب (أغسطس) مقارنة بالعام الماضي. وأصبح وسط لندن هادئاً بشكل خاص. قبل “كوفيد-19″، كان أكثر من 900 ألف شخص (خمسة عمال العاصمة) ينتقلون من مساكنهم في الضواحي إلى المدينة، وكان الكثير منهم أثرياء.
لكن خسارة لندن كانت نعمة للبلدات القريبة منها. وتقول شارلوت غاتوارد، التي تدير متجر “غاتواردز” في هيتشن، وهو متجر مجوهرات عمره 260 عامًا، إن ركاب القطار الذين كانوا يذهبون إلى المدينة للعمل واعتادوا الخروج لشراء قلادة أثناء استراحات الغداء في لندن، أصبحوا الآن يتسوقون أقرب إلى المنزل. ومن الصعب معرفة حقيقة الحالة الصحية لمتاجر هيتشن حقًا -فقد تم منحها، مثل المتاجر في كل مكان، منحًا وقروضًا حكومية. لكن الأمر المؤكد هو أن القليل منها أغلقت أبوابها، بل وافتتحت بعض المتاجر الجديدة. ويقول توم هاردي، الذي يدير مركز البلدة لتحسين الأعمال المحلية في المنطقة: “في الأسابيع الستة الماضية، قصصت شرائط أعمال تجارية خمس مرات”.
كما هو الحال في جميع بلدات الذين يستقلون القطار إلى المدينة تقريبًا، تحتوي هيتشن أيضًا على بعض المكاتب والمصانع -التي أصبح يعمها الهدوء إلى حد ما هي أيضاً. على سبيل المثال، ثمة شركة تأمين، لديها عادة 300 عامل في مكتب بالقرب من وسط البلدة. وهناك نحو 50 منهم فقط في الوقت الحالي، ومن المتوقع عودة 40 آخرين خلال الشهر المقبل. ويعتقد بعض محللي العقارات أن مكاتب الشركات في الضواحي ستصمد بشكل أفضل من نظيراتها في وسط المدينة، لأنه يمكن للعمال الوصول إليها بسهولة، وبذلك يتجنبون الجراثيم في القطارات والحافلات. لكن هيتشن تقترح أن هذا قد لا يكون صحيحًا.
أصبحت الضواحي أماكن مرغوبة أكثر للعيش. فهي تضم الكثير من الحدائق وغرف النوم الاحتياطية التي يمكن تحويلها إلى مكاتب، والتي تصبح أكثر قيمة إذا كنت تعمل من المنزل. وهي تفتقر إلى الإثارة، لكن الأمر نفسه ينطبق على المدن الكبرى في الوقت الحالي. وتحسب شركة “داتالوفت”، وهي شركة استشارية، أن الإيجارات السكنية قد ارتفعت في معظم الأحياء الواقعة خارج لندن بين الربع الثاني من العام 2019 والربع الثاني من العام 2020، بما في ذلك منطقة ضواحي شمال لندن من هيلينغدون (حيث نشأ السيد بارنز) إلى إنفيلد. وفي الوقت نفسه، انخفضت الإيجارات في معظم أحياء لندن الداخلية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى إغراق العديد من شركات الشقق والعقارات في السوق.
ومع ذلك، لا تستطيع الضواحي والمدن أن تتوسع استجابة للطلب المتزايد. ويجعل الحزام الأخضر الضخم في لندن، وهو أكبر بثلاث مرات من المدينة، من بناء المنازل أمرًا صعبًا. ويزيد المعترضون المحليون الأمر صعوبة. فقد أحبط سكان هيتشن خططًا لبناء الكثير من المنازل في جنوب البلدة، وهم الآن غير سعداء بمخطط لبناء 700 منزل في الشمال الشرقي. وكتب أحد السكان المحليين ردًا على استشارة: “هيتشن مدينة جميلة -لماذا تفسدونها”؟ ولاحظ آخر “تم رصد الخفافيش وغيرها في الموقع”. وقامت مقاطعة هيرتفوردشاير التي تضم هيتشن ببناء 2.620 منزلًا جديدًا العام الماضي. وهذا أكثر بقليل من المعتاد، لكنه ليس كثيرًا بالنظر إلى عدد سكانها البالغ 1.2 مليون.
بل إن نزعة الاعتراض قد تصبح أكثر قوة، ببساطة لأنه أصبح لدى الناس المزيد من الوقت المتاح بين أيديهم. وتقول إيلي كلارك، المسؤولة عن قضايا التخطيط في “منتدى هيتشن”، وهو مجموعة محلية، إنه كان من الصعب دائمًا إقناع أهل المنطقة الذين يذهبون للعمل في لندن بحضور الاجتماعات. إنهم متعبون وغالبًا ما لا يستطيعون القدوم قبل وقت متأخر من المساء. والآن بعد أن أصبحوا يعملون من المنزل، تتوقع كلارك أن يصبحوا أكثر انخراطًا في “التفاصيل الجوهرية” للقضايا المحلية.
على الرغم من كونه دقيقًا، فإن هذا التضييق للتركيز قد يكون أحد أكثر التأثيرات عمقاً لـ”كوفيد-19″. يقول بيم أفولامي، نائب هيتشن عن حزب المحافظين، إن حزبه كان قلقًا بشأن الانجراف المستمر لسكان المدن إلى الضواحي وبلدات ركاب القطارات. ويميل سكان المدن إلى التصويت لحزب العمال، وهم يجلبون آراءهم معهم. وإذا لم يعودوا يتنقلون بانتظام، فيمكن أن أكثر تركيزاً بشكل أسرع مما كانوا ليفعلوا بخلاف ذلك. وكما قال السيد أفولامي، فإن “المنظور الذي ينظرون من خلاله إلى العالم” سوف يصبح أقل حضرية وأكثر محلية -وهذا يعني، كما يأمل، المزيد من المحافظين.
قد تكون هذه التغييرات أشبة بالصدمة لأي شخص راقب لندن وأطرافها النائية على مدى العقود القليلة الماضية. كانت الأسعار في المدينة في ارتفاع. وتعتقد يولاند بارنز، التي تتابع العقارات في كلية لندن الجامعية، أن الناس أصبحوا معتادين جداً على أسعار المنازل المتزايدة باستمرار في لندن، وقوتها الجاذبة للشباب، لدرجة أنهم أصبحوا يعتقدون أنها لن تهبط أبدًا. ولكن، قبل ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت الضواحي أكثر جاذبية. وعلى حد تعبير بارنز، فإن المدن العظيمة تتنفس بالشهيق والزفير. وفي الوقت الحالي، يبدو أن لندن في حالة زفير.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Away from the bustle: Covid-19 and the end of commuterland
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات