Saturday 8th of August 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Aug-2026

اتفاق مكة وتوازنات المنطقة.. الأردن أمام معادلة أمنية جديدة
الغد - إيمان الفارس -
لا يبدو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد ترتيبات دفاعية عابرة، بقدر ما يفتح الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بمستقبل منظومة الأمن في الشرق الأوسط، وما إذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة تتراجع فيها مركزية الضمانات الخارجية لمصلحة تحالفات تقودها القوى الإقليمية نفسها.
 
ووفق تحليلات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، في تصريحات لـ"الغد"، فإن الاتفاق يمثل مؤشرا على إعادة تموضع إستراتيجي في المنطقة، في ظل التحولات العسكرية والسياسية المتسارعة، وتراجع الثقة بقدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على توفير مظلة مستقرة وطويلة الأمد.
وبذلك، أشار المختصون إلى عدم إمكانية حسم طبيعة اتفاق مكة منذ الآن باعتباره بداية حلف إقليمي متكامل، لكنه في الوقت ذاته يتجاوز دلالاته اتفاقا دفاعيا محدودا بين ثلاث دول.
وبالنسبة للأردن، فإن التحول المحتمل في بنية الأمن الإقليمي يحمل فرصا وتحديات في الوقت ذاته؛ فالمملكة ترتبط بعلاقات وثيقة مع السعودية، ولديها روابط أمنية وعسكرية مع تركيا وباكستان، فيما يجعل موقعها الجغرافي أمنها مرتبطا بصورة مباشرة بأي تغير في معادلات المنطقة.
وأشارت تقديراتهم إلى أن استقرار الأردن يمكن أن يستفيد من أي ترتيبات إقليمية تعزز الردع والتنسيق الأمني وتحد من التهديدات العابرة للحدود، خصوصا التهريب والإرهاب، في وقت يمكن فيه للخبرات العسكرية والأمنية الأردنية أن تمنح المملكة دورا مهما في أي ترتيبات أمنية جديدة.
بحثا عن التوازن الذاتي
وفي قراءة للتحولات التي يحملها الاتفاق، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل "نقطة تحول إستراتيجية" في هندسة الأمن الإقليمي، ويعكس انتقالا تدريجيا من الاعتماد على المظلة الأمنية الغربية إلى نموذج يقوم على "التوازن الذاتي والتكامل الإقليمي".
وقال الدعجة إن الاتفاق لا يبدو مجرد إطار دفاعي محدود بين الدول الثلاث، بل يمكن أن يشكل نواة لمنظومة أمنية إقليمية صاعدة، مستفيدة من تكامل قدرات أطرافها، والمتمثلة في "الثقل المالي والروحي للسعودية، والقدرة الصناعية والعسكرية العالية لتركيا، والردع النووي والخبرة البشرية لباكستان".
وأضاف أن التقارب يعكس تراجع الثقة بالضمانات الأمنية التقليدية، خصوصا في ظل التحولات التي طرأت على السياسة الأميركية وأولوية واشنطن المتزايدة لمنطقة الهند والهادئ، إلى جانب سعي الدول الثلاث لحماية مصالحها واستثماراتها وتعزيز قدراتها الدفاعية بصورة أكثر استقلالية.
وأوضح أن دوافع التقارب تختلف بين الأطراف، إذ تسعى السعودية إلى تنويع خياراتها الأمنية ودعم توطين الصناعات العسكرية، بينما تبحث تركيا عن توسيع حضورها في الأسواق الخليجية وجذب الاستثمارات، في حين ترى باكستان في التعاون فرصة للحصول على دعم اقتصادي وتعزيز حضورها الإقليمي.
وأشار الدعجة إلى أن التكامل بين التكنولوجيا العسكرية التركية، والخبرات والقدرات الردعية الباكستانية، والقدرات المالية السعودية، يمكن أن يوفر للتكتل هامشا أوسع للمناورة ويعزز قدرته على الردع.
لكنه استبعد في الوقت الراهن تحول الاتفاق إلى منظومة شبيهة بحلف شمال الأطلسي، بسبب اختلاف الأولويات الأمنية للدول الثلاث، موضحا أن "الاتفاق حاليا تحالف إستراتيجي مرن وقابل للتوسع"، وأن تحوله إلى تحالف أكثر رسوخا يتطلب بناء بنية دفاعية مشتركة تشمل التنسيق الاستخباري والتدريبات العسكرية ومشاريع التصنيع الدفاعي.
التوسع إقليميا
وبشأن انعكاسات الاتفاق إقليميا، قال الدعجة إن بروز تكتل يمتلك قدرا أكبر من الاستقلالية سيدفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة مقاربتها الأمنية للمنطقة، فيما يمكن أن يؤدي إلى تعزيز معادلة الردع في مواجهة النفوذ الإيراني ودفع طهران نحو مزيد من الأدوات الدبلوماسية، فضلا عن توفير عمق إستراتيجي إضافي لأمن الخليج وحماية الممرات المائية الحيوية.
وفيما يتعلق بالأردن، رأى أن الاتفاق يمكن أن يشكل فرصة للمملكة، في ظل علاقاتها الوثيقة مع السعودية، وروابطها الأمنية والعسكرية مع تركيا وباكستان، مؤكدا أن استقرار الإقليم وتعزيز شبكات الردع والتنسيق الأمني يخدمان المصالح الأردنية، خصوصا في حماية الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب.
وقال إن الأردن يمتلك خبرات عسكرية وأمنية تؤهله ليكون شريكا مهما في أي ترتيبات إقليمية جديدة، داعيا إلى تعزيز جسور التنسيق مع التكتل بما يحفظ المصالح الأردنية ويدعم أمنها العسكري والمائي والغذائي، ويعزز دور المملكة كركيزة للاستقرار الإقليمي.
إعادة بناء التحالفات
وفي تقديره لمسار التحولات الإقليمية، رأى الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن الإعلان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يعكس مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي، في أعقاب التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة، معتبرا أن "ما بعد العمليات العسكرية على إيران ليس كما كان قبلها"، في إشارة إلى أن التطورات الأخيرة ستدفع دول المنطقة إلى إعادة بناء تحالفاتها وحساباتها الأمنية.
وقال أبو زيد إن اتفاق مكة قد يكون "بداية الطريق إلى تحالفات جديدة" على المستويين الأمني والعسكري، وليس السياسي فقط، مشيرا إلى أن المثلث الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان يمتلك مقومات عسكرية وإستراتيجية يمكن أن تجعله نواة لترتيبات أمنية أوسع في المنطقة.
واعتبر أن التقارب بين الدول الثلاث يفرض معادلة جديدة على إيران، مضيفا أن "الخناق يضيق على إيران"، في ظل تراجع نفوذ وكلائها في عدد من دول المنطقة، من العراق وسورية إلى لبنان واليمن.
وأوضح أن التطورات في هذه الساحات تشير، وفق تقديره، إلى تراجع قدرة طهران على الاعتماد على شبكة الوكلاء التي شكلت لسنوات أحد أهم أدوات نفوذها الإقليمي، معتبرا أن "أظافر إيران تم تقليمها في المنطقة".
وفي قراءته لدلالات الاتفاق، أشار أبو زيد إلى أن توقيعه في مكة وفي هذا التوقيت يحمل أبعادا سياسية وإستراتيجية، خصوصا في ظل التحركات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والنقاشات المتعلقة بأمن مضيق هرمز، معتبرا أن التوقيت والمكان يعكسان رغبة في تقديم الاتفاق باعتباره ترتيبا يتجاوز التعاون العسكري التقليدي.
وقال إن الاتفاق يمكن وصفه بأنه "تحالف معادلة القدرة والقوة"، نتيجة الجمع بين القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للدول الثلاث، معتبرا أن هذه التركيبة تمنح التحالف قابلية للتوسع وانضمام دول أخرى إليه خلال المرحلة المقبلة. ورأى أبو زيد أن الاتفاق قد يتطور من إطار دفاعي بين ثلاث دول إلى تحالف أمني وعسكري أوسع إذا نجحت أطرافه في بناء آليات عملية للتنسيق وتوسيع قاعدة المشاركين، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد بروز تحالفات إقليمية جديدة في ظل تراجع الاعتماد على الترتيبات الأمنية التقليدية.
تحدي النفوذ الإيراني
وفيما يتعلق بتوازنات القوى، اعتبر أبو زيد أن الاتفاق يشكل تحديا للنفوذ الإيراني ويحد من قدرته على الحركة، لكنه لا يرى في مرحلته الحالية أنه موجه مباشرة إلى إسرائيل، ومع ذلك، أشار إلى إمكانية تطوره مستقبلا إلى إطار سياسي ودبلوماسي وربما عسكري في مواجهة الطروحات الإسرائيلية المرتبطة بمشروع "إسرائيل الكبرى".
وبشأن الدور الأميركي، فإن بروز ترتيبات أمنية تقودها قوى إقليمية، وفق قراءة أبو زيد، يعكس اتجاها متزايدا نحو امتلاك المنطقة أدواتها الخاصة في إدارة أمنها، وهو ما يمكن أن يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم دورها في منظومة الأمن الإقليمي.
أما بالنسبة للأردن، فإن أي تحالف إقليمي جديد يفرض على المملكة متابعة تطوراته بصورة دقيقة، نظرا إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها الوثيقة مع السعودية وتركيا، وارتباط أمنها مباشرة بالتغيرات في منظومة الأمن الإقليمي، بحسبه.
ولفت أبو زيد إلى أن استقرار الأردن ومصالحه يتطلبان الحفاظ على قنوات التنسيق مع مختلف الأطراف الفاعلة، بما يضمن عدم انعكاس التحولات الجديدة سلبا على أمن المملكة وموقعها في معادلة الإقليم.
وجدد تأكيده بأن اتفاق مكة لا ينبغي قراءته باعتباره اتفاقا دفاعيا منفصلا فقط، بل باعتباره مؤشرا على مرحلة إعادة تشكيل للتحالفات في الشرق الأوسط، مضيفا إن المنطقة قد تكون أمام "ثلاثية قد ترسم مشهد التحالف العسكري في المنطقة"، مع احتمال اتساعها مستقبلا لتضم أطرافا أخرى، بما يعيد رسم معادلات القوة والأمن الإقليمي.
تحديات أمنية ضاغطة
بدوره، رأى رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، جاء في ظل تحولات إقليمية ودولية كبيرة، وفي مقدمتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، معتبرا أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحديات في منظومة الأمن التقليدية التي اعتمدت عليها دول المنطقة لعقود.
وقال شنيكات إن التطورات أظهرت أن "القوة الدولية ممثلة بالولايات المتحدة لم تستطع القيام بحماية أمن دول المنطقة"، الأمر الذي دفع هذه الدول، وفق تقديره، إلى البحث عن خيارات إستراتيجية جديدة تقوم على ملء الفراغ الأمني من خلال القوى الإقليمية نفسها.
وأضاف إن أهمية الاتفاق تنبع من القدرات المتكاملة للدول الثلاث، فباكستان دولة نووية، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية وعسكرية متقدمة، فيما تمثل السعودية قوة اقتصادية وطاقوية كبيرة، ما يوفر للتكتل مزيجا من عناصر القوة يصعب تجاهله في الحسابات الإقليمية.
لكن شنيكات لفت إلى أن غياب التواصل الجغرافي المباشر بين الدول الثلاث يمثل تحديا أمام تحويل الاتفاق إلى منظومة أمنية متكاملة، مشيرا إلى أن نجاحه لا يتوقف على توقيع الاتفاق بحد ذاته، وإنما على القدرة على بناء مؤسسات وآليات عسكرية وأمنية مشتركة.
وقال إن الاتفاق "تحت الفحص"، موضحا أن المنطقة شهدت توقيع اتفاقيات عدة بصورة سريعة لم تؤد بالضرورة إلى تغيير جوهري في السياسات، لافتا إلى أن بناء "بنى مؤسسية، وعسكرية، وأمنية" لم يتحقق بعد، وهو ما يجعل الحكم على مستقبل الاتفاق سابقا لأوانه.
لا قطيعة مع الولايات المتحدة
وأشار شنيكات إلى أن أحد أبرز الأسئلة التي ستحدد مستقبل التكتل يتمثل في مدى قدرته على جذب دول أخرى، سواء من الخليج أو الأردن أو مصر، مؤكدا أن طبيعة التوسع المحتمل لا تزال غير واضحة، كما أن العلاقة بين الاتفاق والأطر الإقليمية التقليدية، مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، تحتاج إلى مزيد من التبلور.
واعتبر أن ضعف بعض الأطر الإقليمية القائمة قد يكون أحد دوافع البحث عن ترتيبات أكثر فاعلية، موضحا أن السعودية قد تكون معنية بإيجاد أطر أمنية أكثر جدية وقدراتها أكبر على الاستجابة للتهديدات، خصوصا مع امتلاك تركيا وباكستان قدرات بشرية وتكنولوجية وعسكرية واقتصادية كبيرة.
وفيما يتعلق بالجهة التي يستهدفها الاتفاق، أشار شنيكات إلى أن تحليلات غربية ترى فيه آلية لردع أي محاولة إيرانية للتأثير على أمن الدول الثلاث، إلا أنه أكد في المقابل أن الاتفاق لا يبدو موجها بصورة مباشرة ضد طرف واحد، خصوصا في ظل غياب إسرائيل عنه، وما تردد عن وجود هواجس إسرائيلية تجاهه.
وتابع أن السعودية تنطلق بصورة أساسية من هدف حماية أمنها وتنويع خياراتها، مبينا أن اتفاق مكة يمثل أحد مسارات التحالفات الإقليمية التي يمكن أن تخدم هذا الهدف.
وأكد شنيكات أن الاتفاق قد يتحول إلى حجر زاوية في تشكيل سياسات الإقليم إذا نجح في الانتقال من مستوى التفاهم السياسي إلى بناء أطر مؤسسية وعسكرية وأمنية حقيقية، مشددا على أن الدول الثلاث تمتلك من المقومات ما يجعل أي ترتيبات ناجحة بينها ذات تأثير كبير في موازين المنطقة.
وفي الوقت ذاته، استبعد أن يعني الاتفاق قطيعة مع الولايات المتحدة، لافتا إلى أن علاقات الدول الثلاث بواشنطن لا تزال قائمة على التعاون والتفاهم، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، فيما تجمع السعودية وواشنطن شراكة إستراتيجية تاريخية.