Saturday 5th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    26-Oct-2020

تساؤلات حول تجديد أدب المقامات

 القدس العربي-ابراهيم خليل

لا جدال في أن كلمتي مقام، ومقامة، قد تعاورتهما دلالات شتى كثيرة في التراث اللغوي والأدبي، بيد أن الأخيرة «مقامة» رست في نهاية المطاف على معنى اصطلاحي، جرى تداوله في التاريخ الأدبي، بدون خلاف في معناه أو نزاع على مرماه.
ونجد هذا واضحا في التعريف الذي تضمته دائرة المعارف الإسلامية واقتبسه مؤلف كتاب «النموذج الإنساني في أدب المقامة» علي عبد المنعم (1994) فالمقامة جنس أدبي نضـــــج في القـــــرن الرابع على يدي بديع الزمان الهمذاني (398هـ) ومن أبرز ما ينماز به هذا الفن عن غيره في رأي عبد الرحمن ياغي صاحب كتاب «رأي في المقامات» (1969) ما فيه من ميل قصصي يتجلى في سرده لحكاية تنتهي بموعظة أو بأبيات شعرية لا تخلو من حكمة. ويتكرر هذا الوصف المحدد لطبيعة المقامة لدى غير واحد من الكتاب. فهذا فيكتور الكك في كتابه «بديعات الزمان» يؤكد أن الحس القصصي هو الذي اجتذب كثيرين لفن المقامة فقلدوه، وحاكوهُ، وهم كثر، وآخرهم أبو علي بن محمد المعروف بالحريري (516هـ) .
ومع ذلك، فإن المقامة – للأسف – لم تحظ طوال التاريخ الأدبي بموقعها المناسب الذي تستحقه في تصنيفات نظرية الأدب. فشوقي ضيف في كتابه «المقامة» يعدها نوعا هجينا بين المقالة والقصة. ويذهب دارسٌ آخر – محمد رشدي حسن – إلى الزعم بأنها لا تعدو كونها تمهيدا للقصة القصيرة. ولذلك جاء كتابه عن المقامة بعنوان «أثر المقامة في نشأة القصة القصيرة» (1987) وإلى هذا يذهب محمد غنيمي هلال (1986) وإبراهيم السعافين وآخرون.. ويختلف عن هؤلاء باحثون يرون في المقامات تمهيدا للمسرح الكوميدي، أكثر منها تمهيدا للقصة. ويذهب عبد الرحمن ياغي في كتابه المذكور سالفا إلى أن البديع، ومن سار على نهجه، كثيرا ما يقحمون الجمهور في الحكاية، ويدمجونه في الأدوار، ويشركونه في تجسيد الحدث. وقد يكون هذا الجمهور كثيرا غير قليل. والمعروف أن الطيب الصدّيقي وضع هذه الفرضية موضع التطبيق (1972) في مسرحيته مقامات بديع الزمان الهمذاني.
ومهما يكن من أمر، فلابد من الاعتراف، بأن المقامة التي ازدهرت على يدي الهمذاني، وشاع ألقها لدى اللاحقين من أمثال الحريري، والزمخشري (538هـ) وامتد انتشارها فبلغت الأندلس، وفارس، وانتقلت من العربية إلى الفارسية والعبرية. ونسج على منوالها الإسبان ما يعرف بقصص البيكارسك، وتعاظم هذا الأثر حتى شجع بعضهم لتتبع هذا التأثير من باب المقارنة، ومن ذلك الكتاب الذي ترجمه خليل أبو رحمة لجيمس مونرو بعنوان «مقامات بديع الزمان الهمذاني وقصص البيكاريسك». وكتاب عباس هاني «المقامات العربية وآثارها في الآداب العالمية» 2018. نقول تراجعت مكانة هذه المقامة- للأسف- تراجعا كبيرا في العصور الوسطى، وطمست معالم هذا الفن، ودرست آثاره، وران عليه النسيان. إلى أنْ جاء من كتّاب القرن التاسع عشر من يحاول ابتعاثه من جديد، وفي مقدمة هؤلاء ناصيف اليازجي (1871). فمقاماته المنضودة في كتاب «مجمع البحرين» تذكّر بهذا الفن، وقد أحدثت صدى بعيدا في الأوساط اللغوية، ومصداق ذلك ما نجده في الكتاب الموسوم بعنوان «الشيخ ناصيف اليازجي» (1980) لمؤلفه عيسى خليل سابا المنشور في سلسلة نوابغ الفكر العربي.
فلم يكن «مجمع البحرين» بمقاماته الستين، صرخة في واد، إذ تجاوبت أصداؤه لدى كتاب آخرين، منهم على سبيل المثال الشدياق (1887) مؤلف «كشف المخبا عن فنون أوروبا» وكتاب «الساق على الساق فيما هو الفارياق». ومنهم رفاعة رافع الطهطاوي (1873) مؤلف «تخليص الإبريز» ومنهم علي مبارك (1893) مؤلف كتاب «عَلَم الدّين» ومنهم المويلحي (1930) مؤلف كتاب «حديث عيسى بن هشام» وهو كتاب نوَّه روجر آلن مؤلف «مقدمة في الرواية العربية» بعلاقته بنشأة الرواية. ومنهم حافظ إبراهيم (1932) مؤلف «ليالي سطيح» وقد نحا فيه نحو كتاب المقامات، فجعل هذا السطيح يروي الحكايات عما يشاهده ويراه من أحلام وكوابيس ملأى بالجن والعفاريت والمَرَدَة.. ويؤرقه الحنين لاعتلاء بساط الريح بأسلوب يذكرنا بالصنعة البيانية، والبديعية، التي ميزت النثر المقامي من غيره. على أنَّ الروح القصصية في الكتاب تقربه من البدايات الروائية في رأي مؤلف «مقدمة في دراسة الأدب العربي الحديث» 1975.
 
والشيءُ الذي يميز المقامات، القديمة منها والجديدة، هو الصنعة البديعية. وذلك ما برع فيه القدماء براعة لا يدانيهم فيها المحدثون، لأن أذواق العصر في ذلك الزمان كانت تتطلب هذا النوع من البيان.
 
من ناحية أخرى تعدَّدت الدراسات حول المقامة، والمحاولات التي كتبت حديثا لاستعادة هذا الفن الأدبي مجددا. ومن هذه الدراسات ما كتبه رياض المرزوقي في «قضايا الأدب العربي» 1978 وعبد الملك مرتاض بعنوان «المقامات في الأدب العربي» 1988 ومحمود طرشونة «فن المقامات في الأندلس» 1988 وحمادي صمود «الوجه والقفا» 1988 وعبدالله إبراهيم في «السردية العربية» 1992 ورجاء بن سلامة في «المقامة والمقام» 1994. وقد أبدى هؤلاء ترددا في قبول هذا النوع الأدبي لما فيه من صنعة تصل حد الإفراط، وهي صنعة لا تناسب ولا ترضي الذوق الحديث. ويأتي صدور «شحذ الأفهام بأحاديث المنام» لصلاح جرار (من الأردن) ليذكرنا بأن هذا الفن الأدبي الذي ازدهر، وفاق في شهرته فنونا أدبية ونثرية أخرى، حتى لقب مبتدعه ببديع الزمان، يمكن إحياؤه، وبعثه مجددا بعد أن طال على الزمن فناؤه، وظن كثيرون بأن من المحال تجديدهُ بعد أن انمحت معالمه وآثارُه.
 
شَحْذُ الأفْهام
 
يضم الكتاب (دار الآن، عمان، 2021) عشر مقامات تتقدمها فذلكة بعنوان تهويمة البدء، وأخرى تنتهي بها بعنوان رجفة اليقظة. والعنوانان يوحيان بأن ما بينهما لا يعدو كونه رؤى منامية وكوابيس، ولا يحتاج القارئ للكثير من الجهد ليلحظ ما في هذه المقامات من محاكاة ساخرة لمقامات بديع الزمان. فأوجه الشبه أوضح من أن تخفى.
أولها اختيار المؤلف للعناوين، فكما جاءت في مقامات البديع عناوين مثل المقامة الجاحظية نسبة للجاحظ نجد هنا المقامة المعرية نسبة للمعري، فلكل مقامة عنوان مستوحى، إما من اسم الشخص كالمقامة الأيوبية، أو المكان كالمقامة الصحراوية، والكندية، أو الزمان كالمقامة الرمضانية، وهكذا.
وثانيها السند، وهو تقليد اقتبسه الهمذاني من رواة الحديث الشريف. فكانت المقامة عنده تبدأ بقوله حدثنا عيسى بن هشام، وهذا المحدّث يتكرر في المقامات الخمسين، وها هنا يتكرر في بدء كل مقامة حدثني علقمة بن مرة إلخ..
وثالثها عزو رواية الحدث لنموذج متكرر، ففي مقامات البديع عرفنا أبا الفتح الإسكندري، وهنا يتكرر أبو أيوب الهندي، وهو الذي تجري الحوادث معه، فيرويها رواية شاهد عيان.
ورابعها، وجه شبه آخر، لا ينكره المؤلف، ولا يخفى على قارئ، ونعني به اختتام المقامة بموعظة أو حكمة، وقد تكون شعرا على عادة البديع في أكثر مقاماته، وقد تكون نثرا. ومؤلف «شحذ الأفهام» تجاوز هذا الترتيب، وعدل عن هذا التبويب، فكانت الأشعارُ تذكر في متن المقامة، لا في نهايتها، إلا في مقامتين هما: المقامة الصحراوية، وقد ختمها بأبيات تفرّق بين الجاهل والغبي. والمقامة الكَنَديّة التي يلقي فيها الضوء على هجرة العقول إلى كندا، يقول في خاتمتها شعرا:
 
بلدٌ ما حلّ بها أحدٌ
إلا وجنى عيشا رغدا
 
والشيءُ الذي يميز المقامات، القديمة منها والجديدة، هو الصنعة البديعية. وذلك ما برع فيه القدماء براعة لا يدانيهم فيها المحدثون، لأن أذواق العصر في ذلك الزمان كانت تتطلب هذا النوع من البيان. فاستخدام التجنيس والطباق، والكنايات، والتوريات، والسجع، والمزاوجة، وكثرة التضمين، والاقتباس، من قيم العصر الماضي المستجادة، أما في عصرنا فقد بدلتنا الحداثة من تلك الأساليب أساليب جديدة عِمادُها الترسُّلُ، والانطلاق العفويّ في التعبير، على أساس أن الالتزام بالبديع غالبا ما يجورُ على الأفكار، والمعاني. لكنّ صاحب شحذ الأفهام، وحرصا منه على محاكاة المقامات، ملأ نثرَهُ بالمُحسّنات. فجاء السجع فيه متواترا متكرِّرا. والتجنيس فيه والطباق على نحو أقل. لكن القارئ لا يلحظ في هذه المقامات شيئا قدْر ما يلحظه فيها من صنعَة، ولزومها لهذه المقامات ليس من لزوم ما لا يُلزم، لسببٍ واضح، وهو أنَّ الكاتب يحذو حذو البديع في التصنيع، وقد يكون هذا من الأسباب التي حالت دون عودة المقامات لاحتلال المكانةِ التي حظيت بها في العصور الخوالي.
على أن في هذه المقامات العشر ما تفترق فيه عن مقامات البديع، وغيره من المتقدمين. فمن حيثُ البطلُ، وهو هنا أبو أيوب الهندي، لا يتنكَّر تنكُّر أبي الفتح الإسكندري في بديعاتِ الزمان، مما يترك ثغرة في هذه المقامات. وهي فكرة التعرُّف التي تبعث التشويق في مقامات البديع، وتخلو منها مقاماتُ صلاح جرّار. فالمفاجأة التي يكشف فيها أبو الفتح عن حقيقتهِ لعيسى بن هشام عنصرٌ قويٌ من عناصر المقامة. والشيءُ الآخرُ الذي يترك ثغرة في هذه المقامات خلوُّها من موضوع الكِدْية، والاحتيال، فهو أحد العناصر المُسليَّة، والشيقة، في مقامات البديع، وتبعا لذلك تخلو مقامات هذا الكتاب من الإيحاءات الاجتماعية، والظلال التي أكسبت مقامات البديع ما حظيت به منَ اسْتِحسان.