الغد
هآرتس
ابراهام بورغ 19/6/2026
كإسرائيليين، فإن الخيارات السياسية المتاحة أمامنا ضئيلة. فنحن أمام خيار بين جنرالات وأصحاب رؤوس أموال، وبين يهود وعرب. وكل بضع سنوات يُطلب منا الاختيار بين الشر في أبشع صوره وأهون الشرين، اللذين يتفقان على أن نتائج الانتخابات ستكون من دون العرب. ومرة أخرى يُعرض علينا الاختيار بين كتلتين تمثلان منطقة راحة زائفة: كتلة اليمين الحاكمة، التي تريد استمرار المنظومة العنصرية والمنغلقة القائمة، والكتلة التي تريد العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقا؛ أي إلى واقع كان مشوها ومختلا وباطلا، لكنه كان "شيئا خاصا بنا"، مناسبا لقلة من اليهود وغير مناسب إطلاقا للجميع. لكن من يريد دعمنا يجب أن يقدم لنا أكثر بكثير من مجرد العودة إلى ما كنا عليه.
الآن يحدث شيء جديد. لقد ظهر حزب جديد، وإن كان هذا المشروع ما يزال حديث العهد. وماذا عن الهجمات التي يتعرض لها؟ يا للهول! لعل مشروع "مكان للجميع" يسير في الاتجاه الصحيح، وإلا فمن المستحيل تفسير موجة الغضب العارمة الموجهة ضده. فالكثيرون ينظرون إليه بوصفه أهم بديل ظهر هنا منذ سنوات طويلة. وأخيرا، هناك من يمكن أن نصوت له من دون أن نفعل ذلك على مضض. فما يقترحه لا يقتصر على إعادة ترتيب المقاعد اليهودية على متن سفينة "تايتانيك" الصهيونية، أو الانكفاء داخل الغيتو العربي المحصن، بل يقدم تصورا أوسع بكثير يتمثل في استبدال النظام الإسرائيلي القائم بنظام يخدمنا جميعا.
إن ما يُطرح هنا هو شراكة يهودية عربية حقيقية، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية لكل من يعيش في هذا المكان. وليس الأمر تحالفا تكتيكيا قائما على المصالح، بل رؤية فكرية تعتبر أن ما يعرّفنا بوصفنا كيانا سياسيا هو عقد مدني مشترك، لا الجينات ولا الانتماء القبلي. عرب ويهود، نساء ورجال، شركاء كاملون من دون استثناء. وهذا هو الصراع الحقيقي بين حماة الأسوار ومن يهدمونها. فهم يقترحون شيئا لم يُعرض علينا من قبل: يسارا حقيقيا، مناضلا، أخلاقيا، وملتزما.
لم تعرف إسرائيل مثل هذا اليسار من قبل. فالفرق الأساسي بين اليمين وما يسمى اليسار يتمثل في الموقف من الفلسطينيين. فاليمين يكرههم ومستعد لفعل أي شيء، حرفيا أي شيء، للقضاء عليهم، في حين أن اليسار أكثر تهذيبا في خطابه، لكنه لا يرغب أيضا في أي شكل من أشكال الحياة المشتركة معهم، سواء في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل. وعلى امتداد الطيف السياسي، من يئير غولان، الذي يكتفي بالدعوة إلى "تعزيز الانفصال المدني لا العسكري في الضفة الغربية"، وصولا إلى أطراف الشرعية السياسية في اليمين، لا يوجد من يلتزم بأسس اليسار الثلاثة: علمنة المجال العام، والمساواة المطلقة بين جميع المواطنين، والعدالة في توزيع الموارد العامة. وبدلا من ذلك، ينشغل الجميع بنقاشات مملة حول من يستطيع القتال بصورة أفضل في غزة أو لبنان أو إيران. ولا يلتزم أي منهم بالقول: سأصنع السلام، وسنخلي الأراضي، والإرهابيون اليهود إرهابيون، والجريمة ليست حكرا على المجتمع العربي، بل مسؤولية المجتمع بأسره.
الآن، وللمرة الأولى، يوجد حزب يجمع بين هذه الالتزامات الثلاثة، بل ويضيف إليها أكثر من ذلك بكثير، إذ يتبنى التزاما راسخا بالسلام بوصفه جزءا لا يتجزأ من الحل. وعندما تتاح لنا فرصة لإصلاح حقيقي، لا يقتصر على تغيير الحكومة، يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي. بل ينبغي أن نتخلى عن كل أشكال الأنانية، وأن نوحد الحركات والمنظمات، وألا نكتفي بالديمقراطيين أو بالقائمة المشتركة، بل نعمل جميعا على تعزيز البديل الجديد.
وفي ساحة سياسية ينشغل فيها الجميع بكيفية تجنب خسارة الأصوات والتحدث عبر الأبواق الإعلامية، يقدم أنصار "مكان للجميع" أخيرا نموذجا للشجاعة المدنية، والمواقف الواضحة، والنشاط اللافت، وكل ذلك بقوة ومن دون مراوغة. وعندما يقولون: "إننا نؤمن بأن مستقبل هذا المكان مشترك، وأن السلام هو الذي يجلب الأمن، وأن المساواة الكاملة لن تؤدي إلا إلى تقدم مجتمعنا، وأن العدالة الاجتماعية حق أساسي لنا جميعا"، فإنني أصدقهم، وسأصوت لهم أيضا، من أجل هدم جدران الفصل، وإجبار الجميع على التحدث بلغة جديدة، وطرح أسئلة جديدة، وإحياء الأمل الذي غاب عنا زمنا طويلا.
إن الحزب الذي وُلد حديثا يمثل أهم بديل متاح لنا؛ فهو يدعو إلى مواطنة متساوية للجميع، ويتحلى بالشجاعة الكافية للتعبير عن ذلك بوضوح. وقد قال الفنان والمخرج اليهودي أليخاندرو خودوروفسكي ذات مرة: "الطيور التي تولد في قفص تعتقد أن الطيران مرض". لقد فتح حزب "مكان للجميع" أبواب القفص، ومن الضروري أن نخرج منه وننضم إليه.