Saturday 7th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    09-Aug-2019

الـجنوسة الشِّعرية عند الجواهري

 الدستور-د. نادية هناوي/ ناقدة من العراق

تشكل الجنوسة أبجدية من أبجديات النقد الثقافي وحفرية من حفرياته، كونها تحضر في النّص الشعري كفاعلية حداثية وكتابة شعرية وتجربة تتحدى الكائن والمكين معا. ولقد انصب اهتمام الدراسات النسوية على الجنوسة بوصفها بعدا اجتماعيا وثقافيا يهتم بتعزيز المكانة الاعتبارية والمعنوية للمرأة، وليس بالمعنى الانوثي للجندر أو النوع الاجتماعي الذي يأتي من باب التنميط التربوي والاجتماعي والثقافي الذي يريد للمرأة أن تقبع في مكانها كتابع تالٍ للرجل. والجنوسة بثنائية (المذكر/ المؤنث) تتجاوز مسألة الجنس البشري إلى العلاقات اللغوية والنحوية، وهو ما يحتل موقعا رياديا في شعر محمد مهدي الجواهري ابتداء من عدَّه القصيدة كونا معنويا مؤنثا وانتهاء بمضامينه التحررية حول الانثى/المرأة بوصفها كيانا محسوسا أو حلما مستحيلا.
وتتمسرح الذاكرة في شعريات الجواهري على خشبة الواقع الحاضر ومودعات التاريخ ومآسيه لتنتج نصوصا يتشكل فيها العنصر المؤنث موازيا للعنصر المذكر. وقد يصح ما أجمع عليه بعض الباحثين منذ عقود مضت منأن الفحولة في شعر الجواهري عنصر طاغ وشامل وأن الانوثة لا تأتي إلا لأجل تأكيد الرجولة وبغية اظهار هيمنة فوقية للذات مقابل انعدام مركزية الاخر؛ بيدأن المتحقق في شعر الجواهري يوحي بانقلاب ضدي إزاء هذا الرأي.   
وكان الدكتور علي عباس علوان قد أشار الى ظاهرة تلمسها في شعر الجواهري اطلق عليها (الجنس الحاد) وهي عنده غير ظاهرة شعر الحب التي فيها (يصور عنف العلاقة ما بين المرأة والرجل من رؤية شاعر قرر أن لا يخفي شيئا من هذه العلاقة ويهاجم تقاليد مجتمعه بهذه الصور الفاضحة المتوترة) 
وإذا افترضنا أن العلاقات اللغوية داخل النص الشعري تتساوق على أساس ثنائي تضادي (مؤنث ومذكر) فان الجنوسة اللغوية ليست بنية ضدية لكنها ايضا ــــ وبحسب الدراسات النسوية ــــــ ليست قيما هرمية؛ بل هي تستلزم تعاون ثلاثة مكونات : الدليل والموضوع والمؤول.ومن ثم تغدو سمات الجنوسة فيمرجعيات المدونة الشعرية الجواهرية كامنة في الكلمة. كأن يجعل الشاعر من الشعر لفظا مذكرا ويوازبه بالقصيدة لفظا مؤنثا. وبدلا من أن يكون الشعر مخاطَبا فان القصيدة تصبح هي المخاطَبة علانية لتلعب دور الملهمة ويبقى الشاعر ساعيا اليها طالبا منها أن تجاريه ما يشعر به من هوى وصبابة.والهدف من هذه التبادلية الجنوسية الموازية بين المذكر والمؤنث ان تُستفز مكامن الإبداع داخل ذاته فينثال نهر الشعر مغدقا عليه وفاتحا له الابواب على مصارعيها. 
ولا ضير أن يعترف الشاعر بتلازم الأنوثة مع الذكورة في سبيل تحقيق السلام بينهما مساواة وعدالة فلا الانوثة تنتقص من الذكورة ولا الذكورة تجعله ينتقص من الأنوثة. والسبب أن هويته كشاعر فحل من طراز فريد لا تصادر الانثى،التي هي ملهمة إبداعه ومؤسسة فحولته وصانعة هويته. وتغدو القصيدة الأنثى معادلة للصباح والفجر ودجلة والنخيل والزيتون والصحب وهي ايضا إلهة تملك لذائذ الحياة نضارة وشبابا مسيلة انهارا تهبه الشعر، من ذلك قوله موازيا بين القصيدة كالهة مؤنثة اسمها (انيتا) وبين كيانه الشعري المذكر،مرتجيا إياها أن تلهمه القول ضمن علاقة طقسية تجمع العابد والمعبود في صورة حب عارم:
«اني وجدت ـ انيت ـ لاح يهزني
طيف لوجهك رائع القسمات
الق الجبين اكاد امسح سطحه
بفمي وانشق عطره بشذاتي 
حسبي وحسبك شقوة وعبادة
ان ليس تفرغ منه كأس حياتي». 
ولطالما أحس انه محتاج إلى القصيدة دوما، متوسلا رضاها وراجيا أن تمنحه فرصة الظفر بالالهام الذي يتصوره في العالم الاخر،أمّا رضوانا وخلودا بين حور عين أو سعيرا في جهنم مع الغواة والملعونين، مستوحيا المنظور الشرقي عن المرأة بوصفها انيتا بسحرها وفتنتها وخيالها، مماعرضه في قصيدتهالطويلة  (شهرزاد)
وانيت في قصيدة (ذكريات) طيف خيال يسم كيانه بسمات خاصة مكررا (أمس) في كل مقطع من مقاطع القصيدة مستكملا قصيدته القصيرة السابقة (انيتا) التي كان قد نظمها سابقا مستذكرا فيها عهدا مضى وزمانا ولى :
«امس مد الصباح كفا فحلا
من نجوم السماء عقدا تحلى
بسناه الدجى وفرق شملا
امس الا نجما دنا فتدلى».
ثم يستكمل وصفه لها في قصيدة ثالثة عنوانها مذكر هو (فراق) ودلالة متنها مؤنثة هي (انيتا) مناديا ب(يا ) مكررا النداء:
يا هنائي وشقوتي يا نعيمي 
وجحيمي يا كوثري وحميمي 
وهذه المنظور المأساوي لماض تولى من غير عودة يجعله يكابد الرقاد والسهاد داعيا الله ان يمنحه ما يتمناه من لقاء كعهده في الايام الخوالي. والمخاطَب هنا مؤنث واوصافه (الرحمة، الهناءة، الليالي الخوالي):
يا يد الله رحمة وعذابا 
افتحي لي من الهناءة بابا
سامحي سامحي فان الليالي 
التوالي منهن مثل الخوالي 
وعلى الرغم من اذعانه للزمن كلفظ مذكر؛ فإن انيتا كاسم مؤنث هي طيف خيال والشاعر اذ يصر على اشراكها فان ذلك بمثابة تواز خفي بين حاله كطالب وحالها كمطلوب. وهذا التوازي سيتمثل في دلالة (اللقاء) مناديا بعبارة كررها مرارا هي (اليّ اليّ) معتزما عقد الصلح معها. اذ ما عاد مراد الشاعر الصفات الجسدية لـ(هي) ولا المشاعر الرومانسية لـ(هو) بل أمسى اللقاء هو المبتغى والغاية:
اليَّ الي حبيبي انيت 
اليَّ بنبع الحياة المميت
الىَّ بذاك النظيم الشتيت
اليَّ هواني الي هوايا 
اليَّ المنى تشترى بالمنايا
اليَّ اليَّ بتلك اليقايا 
وهذا التوازي اللغوي في إطار الجنوسة الشعرية بين مذكر ومؤنث اعتراف ضمني من الذات الشعرية ان الفحولة ليست اصلا قوليا ولا هي متبوع ابداعي؛بل هناك عنصر مؤنث يلهمها القول ويمدها بمنابعه، وأن الفحولة وإن كانت تابعة للانوثة، هي ليست متأخرة عنها او لائذة بكنفها؛ بل هي معها في مضمار الابداع القولي سواء بسواء.
وهذا التداخل الذي يصنعه الشاعر بين القصيدة والانثى، انما يؤكد أن هناك اصطراعا داخله بين الأنوثة واهبة الحياة في الزمن الاول والشعر الفن الفحولي الذي طالما اثبت حضوته في الزمن اللاحق على مر العصور متسيدا عرش الابداع ومتصدرا محافله. ولان الصراع المأساوي يفترض أن ينتصر احدهما أمّا المرأة وأمّا القصيدة؛ فان القصيدة هي التي تبقى. وتؤدي (القافية) دورا جنوسيا ايضا موازيا للمفرد المذكر (القول) وصفاتها أنثوية كلها :
ورب قافية غراء قد ضمنت
ارق معنى تردى خير اسلوب 
من اللواتي تغذيهن عاطفة
جياشة بين تصعيد وتصويب 
تشكو اغترابا لدى من ليس يعرفها
كما شكت طبع راميها بتغريب 
فالقافية دالة مؤنثة مغالبة تارة ومغلوبة اخرى واحاسيسها متضاربة رضا وغضبا وهي بالنسبة للقائل كائن حي عاقل وواع قد يستحسنه وقد يمقته. ولانها تشعر بحنق القائل عليها، تشكو تركه لها، وتحدثه معاتبة اياه على هجرها طالبة منه الا يستمر في تعذيبها مما تناولته قصيدة(  قتل العواطف). ويعلو النفس الدرامي بصوت القائل المذكر والمقول له المؤنث الذي هو (القوافي) اللائي هن كائنات حية يمنحن القول ابعادا تخييلية لتتشكل قصيدة قصصية بطلها الشاعر:
فقلت: حسبي الذي الهبتكن به
من لاعج في حنايا الصدر مشبوب 
ومن قواف يذوب الدمع نشاتها
ومن قصيد لفرط الحزن منسوب 
ويمضي الشاعر في وصف قوافيه فهن جميلات يأسرن السامع بحسنهن وقد كسون الشعر لونا قانيا خضيبا في دلالة على المعاناة والالم الذي هو مصير من يصاحب هذه القوافي طالبا اخراجهن الى الوجود.وهن يجمعن الاضداد مثل: الجمر والشهد الرضا والغضب الرقة والجلف السهولة والصعوبة السفور والحجاب. وقد يغدو هذا النوع من الجنوسة إحساسا نوعيا من الشاعر بالتوازي بين المذكر والمؤنث هوية وكيانا وكنوع من التصالح واللاتضاد بينهما. ولحظة الشعر كما يقول ادونيس هي كلحظة الموت والولادة فيها اللغة طاقة والكلمة عضلة واخصاب وتفجر.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات