وكالات -
لم تنتهِ تداعيات أعمال الشغب في فرنسا بانحسار المواجهات؛ إذ انتقلت من الشوارع إلى ساحة السياسة، مع تصاعد الاتهامات بشأن المسؤولية عن العنف.
وبعد احتجاجات السبت، 17 أكتوبر/تشرين الأول، التي تخللتها اعتداءات على الشرطة وتخريب ونهب، انقسم النقاش بين اتهام مجموعات متطرفة باستغلال المظاهرات، وانتقاد إخفاق الحكومة في تأمينها، والتحذير من توظيف الاضطرابات انتخابياً، بحسب تقرير لشبكة "بي بي سي".
اتهامات وتحقيقات
ووسط تضارب الاتهامات بشأن المسؤولية عن أعمال الشغب، طالبت رئيسة الجمعية الوطنية، يائيل برون-بيفيه، بإجراء تحقيق برلماني يكشف ملابسات العنف وكيفية تنظيمه، في ظل تقارير استخباراتية عن مشاركة جماعات فوضوية يسارية في الاحتجاجات الطلابية.
وكانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية قد أبلغت دوائر الحكومة، في وقت سابق من الشهر، بانخراط هذه الجماعات في المظاهرات. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ظهر رمزها، حرف "A" داخل دائرة سوداء، على واجهات مبانٍ عديدة بأنحاء البلاد.
وبالتزامن، تداولت وسائل الإعلام الفرنسية مراراً مقطعاً مصوراً يوم السبت، يظهر شباناً يرتدون ملابس سوداء ويخفون وجوههم بأوشحة باللون نفسه، فيما بدوا يهاجمون سيارات للشرطة بأدوات تشبه المطارق الكبيرة أو السواطير.
وفي سياق الاتهامات، تحدث تقرير استخباراتي نشرته صحيفة "لو فيغارو" عن استغلال اتحادات طلابية وحركات يسارية متطرفة للمظاهرات، ونسب إلى حركة "فرنسا الأبية" اعتماد العنف ضمن استراتيجية انتخابية، وهو ما نفته الحركة.
ومع تحميل مسؤولين حكوميين اليسار المتشدد مسؤولية تأجيج الاضطرابات، رد زعيم الحركة جان لوك ميلنشون باتهام الحكومة بالإخفاق الأمني، ملمحاً إلى أنها قد تستفيد من الفوضى لتقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على استعادة النظام.
أما النهب، الذي طال، بحسب تقارير فرنسية، أكثر من ثلاثة آلاف متجر ومنشأة، فبدا جانب كبير منه مدفوعاً بانتهاز الفرص، خصوصاً مع عرض بعض المسروقات للبيع عبر الإنترنت.
ولتحديد هويات المتورطين وملاحقتهم، تفحص الشرطة تسجيلات كاميرات المراقبة والمقاطع المنشورة على منصات التواصل، بالتعاون مع مواقع البيع الإلكتروني، بينما تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف والسرقة وتقديمهم إلى العدالة.
الأمن في قلب المنافسة
لكن هذه التعهدات لم تُنهِ الانتقادات للحكومة؛ إذ أقر وزير الداخلية لوران نونيز بعدم كفاية أعداد رجال الشرطة، رغم الإعلان المسبق عن الاحتجاجات، بينما طالب ماكرون بتفسيرات للإخفاقات ووضع استراتيجية أمنية جديدة.
ومع مؤشرات على استخدام منصات التواصل لتشجيع العنف، دعا رئيس الوزراء السابق غابرييل أتال إلى حجب انتقائي لهذه المنصات لاحتواء الاضطرابات.
وقبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، سعت مارين لوبان إلى تعزيز خطابها القائم على الأمن والنظام، متهمة ميلنشون بتأجيج الفوضى وحكومة ماكرون بالعجز. كما حمّل حزبها المهاجرين جانباً من المسؤولية، رغم أن السلطات لم تُشر إلى تورطهم.
مطالب يخشى أصحابها تهميشها
في المقابل، يرفض ممثلو الطلاب اختزال حراكهم في التوجيه الحزبي. وتؤكد ليزا كوردا، من اتحاد الطلاب، أن الغضب نابع من الطلاب أنفسهم، وأن القول بتلقيهم أوامر سياسية ينتقص من استقلالهم.
ويخشى معلمون ومحتجون أن تطغى مشاهد التخريب على أسابيع من المطالب بتحسين التعليم والخدمات العامة، وأن تتحول الأزمة إلى مادة للحملات الانتخابية.
يأتي ذلك وسط تراجع الثقة بالمؤسسات؛ إذ أظهر استطلاع لمركز "بيو" عدم رضا 69 بالمائة من الفرنسيين عن أداء الديمقراطية. وبين ضغوط المعيشة والسكن والقلق على المستقبل، تتجاوز أسباب الاحتجاج الجدل الأمني، ما يجعل التمييز بين التظاهر السلمي والعنف أساسياً لفهم الأزمة ومعالجتها.