Sunday 22nd of February 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Feb-2026

من مــوائــد الإفطـــار إلى سلة المهملات.. أزمة هدر الطعام في رمضان
الدستور رنا حداد  -
 
في كل عام، يأتي رمضان حاملاً معه معاني الصبر والتكافل والاعتدال. لكن مع حلول رمضان 2026، يعود إلى الواجهة سؤال مقلق: لماذا تتحول موائد الإفطار في كثير من البيوت إلى مشهد فائض عن الحاجة، فيما تمتلئ حاويات النفايات بكميات ضخمة من الطعام الصالح للاستهلاك؟
 
تشير تقديرات متحفظة إلى أن ما بين 15% إلى 25% من الطعام الذي يُشترى أو يُحضّر خلال شهر رمضان ينتهي في سلال القمامة قبل أن يُستهلك. هذه النسبة، التي تتكرر سنويًا في العديد من الدول العربية والإسلامية، تكشف مفارقة صادمة بين روح الشهر القائمة على الزهد والاعتدال، وبين أنماط استهلاكية تتوسع عامًا بعد عام.
 
إلى ذلك تُظهر اتجاهات الأسواق أن الطلب على اللحوم، من لحوم الأبقار والأغنام والدواجن ،  يرتفع خلال رمضان بنسبة تقارب 50% مقارنة بالأشهر العادية، رغم أن الاستهلاك الفعلي اليومي للفرد لا يتضاعف بالوتيرة نفسها. وينسحب هذا الارتفاع على الخضروات والفواكه ومنتجات الألبان والحلويات الرمضانية، التي تُسحب بكميات كبيرة من أرفف المتاجر والمولات الكبرى أيضًا.
 
المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذا الطعام لا يجد طريقه إلى الاستهلاك. فموائد الإفطار غالبًا ما تتجاوز الاحتياج الفعلي للأسرة بحجة الكرم أو الاستعداد للضيوف، بينما لا يُعاد استخدام ما يتبقى في وجبات لاحقة، سواء في السحور أو في اليوم التالي. وهكذا، يتحول فائض الضيافة إلى هدر صامت.
 
لا يقتصر الهدر الغذائي في رمضان على فئة اجتماعية بعينها؛ بل يظهر في مختلف المستويات الاقتصادية.  السنوات الأخيرة وليس محليًا فقط وانما حتى عالميًا،  توسعت أنماط الاستهلاك وأصبح الإفراط أكثر هو السائد اجتماعيًا. بالطبع القدرة على الشراء لا تعني بالضرورة مشروعية الإسراف، خاصة في شهر يُفترض أن يكون مدرسة للترشيد وضبط النفس.
 
بيئيًا، يشكل هذا الهدر ضغطًا مباشرًا على الموارد الطبيعية؛ فكل وجبة تُرمى في القمامة تحمل في طياتها مياهًا استُهلكت في الزراعة، وطاقة استُخدمت في النقل والتبريد، وأراضي زراعية استُنزفت لإنتاجها. وأخلاقيًا، يتناقض هذا السلوك مع القيم الإسلامية التي تؤكد على الاستدامة وعدم التبذير.
 
54% من الأردنيين يضاعفون إنفاقهم في رمضان
 
كشف تقرير صدر عام 2025 عن شركة إبسوس لأبحاث السوق المستقلة، بعنوان «دليل رمضان لاتجاهات المستهلكين في الأردن»، أن 54% من الأردنيين يزيد إنفاقهم خلال شهر رمضان إلى أكثر من ضعف معدل إنفاقهم الشهري المعتاد. في المقابل، أشار 35% من المشاركين في الاستطلاع إلى أن إنفاقهم في الشهر الكريم يبقى ضمن الحدود نفسها لبقية أشهر السنة، بينما أوضح 12% أن إنفاقهم يتراجع خلال رمضان مقارنة بالأشهر الأخرى.
 
وبيّن التقرير أن العروض والتخفيضات الرمضانية تلعب دورًا محوريًا في تشكيل السلوك الشرائي، إذ أفاد 42% من المستطلعة آراؤهم بأنهم يترقبون هذه العروض ويربطون قرارات الشراء بها، فيما ذكر 32% أنهم يؤجلون المشتريات الكبيرة للاستفادة من التخفيضات الموسمية. كما أقرّ نحو 25% من المشاركين بأن قراراتهم الشرائية خلال رمضان تحكمها العاطفة أحيانًا، ما يدفعهم إلى الإنفاق بدافع الرغبة أكثر من الحاجة، وهو ما يعكس تأثير الأجواء الرمضانية والضغوط الاجتماعية في توجيه أنماط الاستهلاك.
 
فائض التبرعات  وهدر غير مقصود
 
حتى مظاهر التكافل الاجتماعي قد تتحول دون قصد إلى مصدر إضافي للهدر. ففي رمضان، تتضاعف التبرعات الغذائية، ويحرص المقتدرون على توزيع وجبات إفطار على الأسر المحتاجة. لكن تأخر إيصال الطعام أو تزامنه مع أوقات الصلاة قد يؤدي إلى عدم استهلاكه في الوقت المناسب، ما يجعله عرضة للتلف. وهكذا، ينتهي جزء من هذه التبرعات في النفايات بدل أن يصل إلى مستحقيه.
 
هذه الظاهرة تعكس الحاجة إلى تنظيم أفضل لعمليات التوزيع، وضبط الكميات بما يتناسب مع عدد المستفيدين الفعليين، لضمان تحقيق الهدف الإنساني دون خسائر.
 
رمضان 2026  فرصة للمراجعة
 
في ظل التحديات المناخية وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، يبدو رمضان 2026 لحظة مناسبة لإعادة التفكير في عاداتنا الاستهلاكية. فالتغيير لا يبدأ من حملات موسمية فقط، بل من سلوك يومي داخل كل منزل.
 
ومن بين الخطوات العملية التي يمكن أن تحد من الهدر:
 
عدم إعداد أو تقديم كميات تفوق قدرة الأسرة والضيوف على الاستهلاك.
 
تجنب الشراء المفرط بحجة تقليل عدد زيارات المتجر.
 
إعداد قائمة مشتريات دقيقة قبل الذهاب إلى السوق.
 
شراء الفواكه والخضروات بكميات تتناسب مع الحاجة الفعلية.
 
اختيار المنتجات ذات تاريخ صلاحية أطول عند التخزين.
 
تفقد محتويات الثلاجة والمجمّد يوميًا لضمان استخدام الطعام قبل تلفه.
 
تعزيز ثقافة إعادة توظيف بقايا الطعام بطرق صحية وآمنة.
 
هذه الإجراءات البسيطة، إذا التزم بها الأفراد، يمكن أن تُحدث فرقًا ملموسًا على مستوى الأسرة والمجتمع.
 
من روح الصيام إلى سلوك الاستدامة
 
رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام لساعات محددة فحسب، بل هو تدريب عملي على ضبط الرغبات. وإذا كان الصائم قادرًا على كبح شهيته طوال النهار، فمن باب أولى أن يكون قادرًا على ضبط استهلاكه ليلًا.
 
إن تحويل رمضان إلى محفّز لنمط حياة أكثر خضرة واستدامة ليس رفاهية بيئية، بل ضرورة أخلاقية واقتصادية. فالهدر الغذائي لا يعني فقط خسارة طبق طعام، بل استنزاف موارد وأموال وفرص كان يمكن أن تُستثمر في مجالات أكثر نفعًا.
 
ومع دخول رمضان 2026، يبقى السؤال مطروحًا على موائدنا قبل أن يُطرح في تقارير المنظمات: هل نريد شهرًا تُقاس بركته بعدد الأطباق على المائدة، أم بقدرتنا على التوازن بين الكرم والوعي؟ الإجابة تبدأ من المطبخ  وتنتهي عند مستقبل أكثر استدامة.