معركة ماسك وألتمان... حين يتحول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى ملكية خاصة
اندبندنت عربية - نيرمين علي -
في مايو (أيار) الجاري، وأمام هيئة المحلفين في أوكلاند، طويت الصفحة القانونية لأشرس صراع تكنولوجي في العصر الحديث، تسع كلمات فحسب أنهت ملحمة قضائية طال انتظارها حين قضى الحكم بسقوط دعاوى إيلون ماسك بالتقادم، بيد أن هذا الحسم الإجرائي لم يجب عن السؤال الوجودي الأكبر: من يملك السيادة على الذكاء الاصطناعي؟
لم يكن النزاع القانوني الذي فجره قطب التكنولوجيا ضد شركة "أوبن أي آي" وسام ألتمان مجرد خصومة تجارية بين شريكين سابقين، بل كان الإعلان الرسمي عن انتهاء شهر عسل البراءة التكنولوجية، ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لمحاكاة النصوص، بل تحول إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي، وميدان جيوسياسي تتصارع فيه الطوباوية الإنسانية مع شهوة السيطرة الاحتكارية.
جذور الخلاف
تأسست "أوبن أي آي" عام 2015 بوصفها منظمة غير ربحية، وكان منطلقها الفكري يقوم على مبدأ إنساني يتلخص في حماية البشرية من الأخطار الوجودية للذكاء الاصطناعي عبر جعل الأبحاث مفتوحة المصدر ومتاحة للجميع مجاناً، ضخ ماسك مئات الملايين من الدولارات بناءً على هذا الوعد، لكن التحول الجذري حدث عندما أدرك ألتمان أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام يتطلب قدرات حوسبة هائلة وبنية تحتية بمليارات الدولارات، وهو ما لا يمكن لمنظمة غير ربحية توفيره.
من هنا، ولدت الذراع التجارية للشركة، وانفتحت الأبواب لشراكة ضخمة مع "مايكروسوفت"، ويرى ماسك في هذا التحول خيانة للأمانة الفكرية وتحويلاً للمشروع من مختبر لإنقاذ البشرية إلى شركة تابعة مغلقة تهدف إلى تعظيم أرباح أكبر شركة برمجيات في العالم.
"أوبن أي آي" ليست للبيع
في خريف 2017 طالب ماسك بحصة غالبية في الشركة وسيطرة على مجلس إدارتها وحق تعيين نفسه رئيساً تنفيذياً، وهو ما رفضه ألتمان والمؤسسون الآخرون، وفي فبراير (شباط) 2018، اقترح في مراسلات داخلية أن تدمج "أوبن أي آي" مع "تيسلا"، قبل أن يغادر مجلس الإدارة رسمياً متذرعاً بتضارب المصالح مع مشاريعه.
ترى جبهة ألتمان أن ماسك ينطلق من دوافع تنافسية بحتة، خصوصاً بعد تأسيسه لشركته الخاصة "إكس أي آي" وإطلاقه لنموذج "جروك"، وهذا ليس مجرد صراع نفوذ اعتيادي، بل هو أحد أعراض ظاهرة أعمق وهي تحول التكنولوجيا الفائقة من مشاع إنساني إلى إقطاعيات رقمية مغلقة.
التأرجح
الهوة بين الرفاق القدامى لم تتسع دفعة واحدة، بل حفرت على مراحل، إذ إن ماسك رفع دعوى قضائية في محكمة ولاية كاليفورنيا في مارس (آذار) 2024، متهماً ألتمان وبيرغمان بخيانة المهمة التأسيسية، غير أنه سحب الدعوى في يونيو (حزيران) من دون إعلان أي تسوية.
ثم عاد في أغسطس (آب) من العام ذاته بدعوى أوسع أمام المحكمة الفيدرالية، ضمت "مايكروسوفت" بوصفها طرفاً ثالثاً متواطئاً في الانحراف عن المهمة الخيرية، وأراد فريق الرجل الأغنى في العالم من المحكمة أن تلزم "أوبن أي آي" بالتخلي عما وصفه بالمكاسب غير المشروعة التي تصل قيمتها إلى 180 مليار دولار، وإقالة ألتمان من قيادة الشركة.
فخ الهيكلة
في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أتمت "أوبن أي آي" إعادة هيكلة جذرية، وأصبحت شركة (OpenAI Group PBC) الذراع الرئيسة للشركات الربحية ذات المنفعة العامة، فيما تحتفظ المؤسسة غير الربحية بحصة تقدر بنحو 26 في المئة منها، بينما تمتلك "مايكروسوفت" التي ضخت أكثر من 13 مليار دولار، بما يعادل 27 في المئة.
قبل ذلك بسنوات، كانت ذات المؤسسة تنطلق بتبرعات لم تتجاوز 45 مليون دولار، كان ماسك الممول الأكبر فيها، مما دفعه إلى القول إن شريكه القديم سرق مؤسسة خيرية.
في مايو الجاري جاء حكم هيئة المحلفين ليقضي بأن ماسك تجاوز مدة التقادم القانونية البالغة ثلاث سنوات، من دون أن تنظر المحكمة في صحة الادعاءات الجوهرية.
ماذا يعني إذا خسارة إيلون ماسك للدعاوى القضائية؟
صك الغفران
إن الخسائر المتتالية التي مني بها ماسك في ساحات المحاكم لا تعني مجرد انتصار قانوني لـ ألتمان، بل هي صك الغفران الفعلي لرأس المال التكنولوجي، إذ إن سقوط هذه الدعاوى يغلق الباب أمام إمكان محاسبة هذه الشركات عبر القانون المدني التقليدي، ويمنح "أوبن أي آي" الضوء الأخضر للمضي قدماً في التحول إلى شركة ربحية كاملة الأركان.
هذه الخسارة تعني تفكيك الحجة الأخلاقية التي قامت عليها التكنولوجيا مفتوحة المصدر، وإرساء مبدأ جديد: من يملك التمويل، يملك صياغة المستقبل المعرفي، ولم يعد أمام ماسك سوى نقل المعركة من أروقة المحاكم إلى مختبرات شركته الناشئة، في محاولة للحاق بقطار احتكره خصمه برعاية برمجية عملاقة.
ملعب للنفوذ
ما يجعل هذه القضية تتجاوز سيرة رجلين ثريين، هو أن طرفيها يمتلكان أدوات تشكيل المستقبل، ماسك يقود منظومة متكاملة تجمع التواصل الاجتماعي والفضاء والذكاء الاصطناعي، وألتمان يترأس المنصة التي حولت الذكاء الاصطناعي من مختبرات الجامعات إلى جيوب ملايين البشر.
حين يتمكن شخص أو مجموعة محدودة من التحكم بهذه الأدوات، فإننا لا نتحدث عن احتكار سلعة كالنفط، بل احتكار هندسة السلوك البشري، ويظهر علم النفس الرقمي أن الخوارزميات الحالية قادرة بالفعل على توجيه الرأي العام، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال تصفية المعلومات، وتتجلى خطورة هذا التحكم في أبعاد ثلاثة، احتكار المعرفة وتوجيهها، والسيادة الاقتصادية وأتمتة الوظائف، وأخيراً التوظيف العسكري الذي يضع مصير البشر تحت رحمة برمجيات قد تصاب بـ"الهلوسة" في لحظات حرجة، تشير بحوث مستقلة إلى أن تركيز هذه القوة يجرد المجتمعات من سيادتها المعرفية.
في النهاية، معركة ماسك وألتمان ليست مجرد خلاف شخصي، بل هي قمة جبل الجليد لأكبر أزمة سيادة معرفية تواجهها البشرية في العصر الحديث، وإن ترك التحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي الفائقة في يد قلة احتكارية يهدد بتحويل الديمقراطية إلى تكنوقراطية موجهة، تصنع قراراتها المصيرية خوارزميات غير خاضعة للمساءلة والمحاسبة الشعبية.
الخوف الحقيقي اليوم ليس من تمرد الآلة في المستقبل، بل من ميكنة الإنسان، وتحويل البشر إلى كائنات رقمية مستهلكة تتلقى إجاباتها الجاهزة من نموذج لغوي واحد تديره شركة واحدة، فهل تملك المجتمعات القدرة على فرض تشريعات تحمي المشاع الإنساني، أم أن الوعي البشري يستعد لتسليم مفاتيحه لآلة يملكها رجل واحد؟