Saturday 17th of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Jun-2019

من يوميات مراسل صحفي: مع المناضلات السودانيات في مواقع الاحتجاج

 الغد-تقرير خاص – (الإيكونوميست) 31/5/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
في 23 نيسان (أبريل)، كنت أقف وسط حشد من السودانيين عندما وصل قطار يحمل مئات الأشخاص إلى قلب الخرطوم. كانت العربات مكتظة بالركاب القادمين من عطبرة، المدينة التي بدأت فيها المظاهرات المناهضة للحكومة قبل خمسة أشهر. وقد جاؤوا للانضمام إلى صفوف المتظاهرين المتنامية ضد الحكم العسكري. وبينما كنا نشاهد وصول هذه التعزيزات، لاحظ زميل صحفي أن المشهد ذكّره بروسيا في العام 1917. (وهو مزاول قديم للمهنة، لكنني لا أعتقد بأنه كان هناك). قبل أكثر من قرن مضى، وصل فلاديمير إيليتش لينين إلى روسيا على متن قطار قادماً من سويسرا، وهو عازم على الاستيلاء على السلطة للبلاشفة. ومع ذلك، وإذا وضعنا القطار جانباً، فإن هذه مقارنة غير بارعة:على عكس انقلاب لينين، كان ما رأيته في السودان سلمياً، مبتهجاً، وبلا قيادة.
قبل أقل من أسبوعين، في 11 نيسان (أبريل)، كان المدنيون قد أجبروا الجيش السوداني على إنهاء حكم الدكتاتور عمر البشير الذي دام 30 عاماً، والذي وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. لكن ذلك لم يكن ذلك كافياً لإنهاء الاعتصام. وفي الأسابيع التي تلت الإطاحة بالرئيس البشير، واصل السودانيون العاديون الضغط على الطغمة العسكرية للتنازل عن السلطة. وبعد مرور أكثر من شهر على زيارتي، ما يزال المحتجون يصرون على مطالبهم.
في يوميَ الأول في الخرطوم، ذهبت إلى موقع الاعتصام مع عباس، العضو في اتحاد المهنيين السودانيين، وهو تحالف للنقابات العمالية تولى قيادة الاحتجاجات. كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل، وكانت حرارة النهار التي بلغت 40 درجة مئوية قد انخفضت بشكل رحيم. وبينما سرنا بين أولئك المواطنين الذين نزلوا إلى الشوارع، شرح عباس: “كان هناك مناخ من الظلام، والآن هناك أمل”.
مثل الكثير من السودانيين، كان عباس ما يزال يحاول استيعاب أفول شخص بدا عصياً على الزوال. كان ما يزال يتحدث عن حكم الرئيس البشير بصيغة المضارع. وفسر عثمان ميرغني، الصحفي المحلي: “بعد 30 عاماً من الدكتاتورية، لا أحد ظن أن بالإمكان إزالة النظام”. ويوماً بعد يوم، أظهر الشباب السودانيون شجاعة مدهشة في احتلال موقع الاحتجاجات. وكان العشرات قد قُتلوا برصاص قوات الأمن قبل أن ينقلب الجيش نفسه على البشير.
بينما أخذني عباس في جولة بين المحتجين، أشار إلى أماكن أُطلِقت النار فيها على رفاقهم. ومع ذلك، بدت المنطقة الآن أكثر شبهاً بموقع مهرجان منها بمنطقة حرب. كانت مجموعة من الطلبة يرددون أنشودة. وترجم لي عباس الكلمات. وتقول إحداها: “لدينا أسئلة للبشير”. وأرسل “مسجد متنقل” شعاعات من ضوء كاشف على أولئك الراكعين للصلاة. ووقف الأولاد منتظرين في أكشاك لطلاء وجوههم بألوان العلم السوداني. وعندما يتم العمل، سوف يحملهم آباؤهم على أكتافهم حتى يتمكنوا من إلقاء نظرة على الحشود الهائلة. ويقول عباس: “كل هؤلاء الأولاد يؤمنون بشيء واحد: بقوة الاحتجاج السلمي وقدرته على الإطاحة بالنظام”.
بما أن معظم هؤلاء المشاركين في الاعتصام كانوا تحت سن الثلاثين، وبما أن هذا هو العام 2019، كانت الهواتف الذكية في كل مكان. وكانت هناك حلقة تغذية راجعة غير منتهية بين العالم الافتراضي والعوالم الواقعية: كان المشاركون في الاعتصام يلتقطون الصور ويرسلونها على “فيسبوك”، وهو ما شجع الأصدقاء على القدوم إلى الموقع؛ أو أنهم التقطوا الفيديوهات وبثوها على شاشة بالقرب من المنصة الرئيسية. وقد كثف هذا كله الشعور بأنهم جزء من التاريخ.
خلال الأسبوع الذي قضيته في الخرطوم، انتظمت الأيام في نمط مألوف: كنتُ أقضى ساعات النهار محاولاً معرفة ما يجري بين التمفاوضين المدنيين والعسكريين، ثم أعود في المساء إلى موقع الاعتصام. وباعتباري مراسل أفريقيا لمجلة “الإيكونوميست”، فإنني أغطي أكثر من 50 بلداً، وأحاول بلا انتهاء أن أفهم أرواح الأمكنة بسرعة. وعادة ما يكون من السهل أن يستجيب المرء لإغواء البقاء في المكاتب مكيفة الهواء والحصول على التصريحات الرسمية، بينما تدور الأحداث الحقيقية هناك في الشارع. وهذا صحيح بشكل خاص في أوقات التغير السريع. لكنني تمكنت، من خلال العودة إلى موقع الاعتصام كل ليلة، من تعقب وجهات نظر المحتجين فيما كان يجري في أروقة السلطة.
غادرتُ السودان ونفسي مليئة بالهيبة من عزيمة السودانيين الشباب. وكنتُ قد جلست ذات مرة على بقعة من العشب لأتحدث مع ثلاث نساء كن يأتين إلى موقع الاحتجاجات على مدى أسابيع. وشرحَت لي إيمان سليمان، وهي مهندسة بعمر 23 عاماً (والتي تعيش في الوطن): “في البداية كنا نكذب على آبائنا بشأن القدوم إلى هنا”. والآن أصبح آباؤهن وأمهاتهن يقدمون لهن الدعم. وتقول الآنسة سليمان: “ليس لديهم الطاقة للقدوم، لكنهم يشعرون بالظلم”. وسألتهن: لكم من الوقت ستواصلن القدوم إلى هنا. فأجابت نهى الأمين، الطبيبة: “لدينا نحن السودانيين احتياطيات كبيرة من القدرة على التحمل”.
للنساء السودانيات، كان الاعتصام موقعاً للتنفيس بشكل خاص كما يبدو. ففي ظل حكم البشير، كانت النساء يتعرضن للمضايقة بسبب ارتداء الملابس “الخطأ” أو تواجدهن في الشوارع وحدهن. واستذكرَت روان خير، الفتاة البالغة من العمر 23 عاماً والتي عادت من الدراسة في إنجلترا للانضمام إلى الاحتجاجات، كيف تم التحقيق معها خارج محل لبيع الكعك بسبب اجترائها على ارتداء قميص قصير الأكمام. وعدَّدت جملة من الأسباب التي دفعتها إلى العودة للمشاركة في الاحتجاجات: الفساد؛ واقتصاد يجعل من الصعب على الشباب إنشاء أسرة؛ والتضامن مع المجموعات العرقية السودانية المضطهدة. لكن “عدم المساواة عندما يتعلق الأمر بالنساء” كان سبباً حاسماً. وأعربت عن أملها في أن يسمح حكم مدني للمزيد من الشباب السوداني بالعيش بالطريقة التي يختارونها.
في الاعتصام، لاحظت الكثير من الأزواج متماسكي الأيدي. وربما كان هذا النوع من العروض العامة للحميمية خطيراً في ظل النظام القديم. وفي الاحتجاجات التي جرت في القاهرة في العام 2011، ظهرت تقارير عن حدوث اعتداءات جنسية. ومع ذلك، هنا في الخرطوم، أذهلتني الأجواء التي بدت مختلفة وأكثر صحة. وببعض الطرق، كانت تشبه احتجاجات ميدان تيانانمين في الصين في العام 1989، عندما كان الأزواج الشباب يتزوجون بشكل غير رسمي في مواقع الاعتصامات.
مع الاستثناء الجزئي لتونس، فشلت معظم الاحتجاجات الجماهيرية التي خرجت تحت يافطة الربيع العربي للعام 2011 في نهاية المطاف. وعندما يكون لدى أحد الطرفين بنادق ولدى الآخر لافتات، فإن الأول يفوز في العادة. وكان الرئيس البشير على وشك السقوط في العام 2013، لكن وزن الاحتجاجات تغلب عليه هذه المرة، وقد تحصنت بمعرفة أن طغاة السودان أطيح بهم مرتين في السابق بقوة الشعب، في العام 1964 والعام 1985. وحتى الآن، تم إجبار الجيش على تقاسم السلطة مع المدنيين على الأقل، في شهادة على مثابرة الشباب السودانيين العاديين. وما يزال علينا أن نرى ما إذا كان الجنرالات راغبين في تسليم الحكم للمدنيين بالكامل.
خلال حديثي مع عباس بعد مرور قطار عطبرة، كنت أتساءل بصوت عالٍ عما إذا كان المزاج العام مفرطاً في الاحتفال، وما إذا كان الوقت مبكراً جداً على ذلك. وقال عباس، بأدب، إنه ليس علي أن أخلط بين الغبطة وبين الشعور بأن العمل قد أنجز. وقال: “نحن سودانيون، ونحن نغطي الألم بالبهجة”.
 
*تحديث من المحرر: انقلب المجلس العسكري السوداني بعد ذلك على المدنيين وشن حملة قمع عنيفة ضدهم. 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Correspondent’s diary: With Sudan’s street-fighting women
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات