Saturday 8th of August 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Aug-2026

الخطوبة في باحات الأقصى ..أداة إسرائيلية لفرض السيادة وتهويد المقدّس

جو 24-

لم تعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك تقتصر على الجولات الاستفزازية أو أداء الطقوس والصلوات التلمودية العلنية، بل امتدت خلال الفترة الأخيرة إلى تنظيم مناسبات اجتماعية وشخصية، من بينها إعلان الخطوبة ومراسم الزواج وطقوس مباركة العرسان، في تحول يرى مختصون أنه جزء من مسار منظم يسعى إلى تحويل المسجد إلى فضاء يهودي مفتوح، وفرض وقائع تمهد لتغيير هويته وتقسيمه مكانياً.

وفي أحدث هذه الاعتداءات، نشرت حسابات تابعة للمستوطنين، في 30 تموز/يوليو 2026، مقطعاً مصوراً يظهر مستوطناً وهو يقدم طلب زواج إلى مستوطنة قرب إحدى "بوائك" المسجد الأقصى، خلال اقتحام نُظم بالتزامن مع ما تسميه الجماعات المتطرفة "عيد الحب العبري".
 
وأظهر المقطع احتفال عدد من المستوطنين بإعلان الخطوبة داخل المسجد، قبل أن ينتهي بتصرف ينافي حرمة المكان وقدسيته، في مشهد أثار ردود فعل غاضبة، وسط تحذيرات من أن الحادثة ليست فعلاً فردياً أو عفوياً، بل جزء من سياسة متدرجة لاختبار ردود الفعل وكسر المحظورات داخل الأقصى.
 
 
تأسيس معنوي لـ"المعبد"
يرى الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم أنّ "أذرع الاحتلال تسعى إلى ترسيخ الحضور اليهودي داخل المسجد الأقصى بكل ما يرتبط به من طقوس وتفاصيل، بدءاً من تصعيد أداء الصلوات التلمودية العلنية، وصولاً إلى الاحتفال بالمناسبات الشخصية للمستوطنين، مثل عقد القران ومباركة الزواج وطقوس بلوغ الأطفال".
 
ويشير إبراهيم، في حديثه لـ"قدس برس"، إلى أنّ "هذا المسار يهدف إلى ترسيخ التصور اليهودي للمكان المقدس، وتحويل المسجد الأقصى تدريجياً إلى ما يمثل، في الرواية الصهيونية، مركزاً دينياً ورمزياً لـ (المعبد) المزعوم".
 
 
ويؤكد أن الاحتلال يسعى إلى تحقيق ما يمكن وصفه بـ"التأسيس المعنوي للمعبد"، عبر تكثيف المظاهر والطقوس اليهودية داخل المسجد، تمهيداً للانتقال إلى خطوات أكثر خطورة على المستوى الميداني والسياسي.
 
ويضيف إبراهيم: "لا تقتصر خطورة هذه الممارسات، على بعدها الديني والسياسي، بل تمثل تدنيساً مباشراً للمسجد واعتداءً على حرمته، من خلال التعامل معه وكأنه معلم سياحي أو ساحة عامة يمكن إقامة المناسبات الشخصية داخلها، وليس أحد أقدس مقدسات المسلمين".
 
ويلفت أنّ "هذه الاعتداءات تأتي ضمن مساعي مستويات الاحتلال المختلفة لإسقاط رمزية المسجد الأقصى واستهداف قدسيته، بالتوازي مع محاولة كسر إرادة المقدسيين، وحرمانهم من الوصول بحرية إلى مسجدهم".
 
سلسلة متصاعدة من الاعتداءات
ووثقت مؤسسة القدس الدولية (مقرها بيروت) خلال العامين الماضيين عدداً من المناسبات التي نظمها مستوطنون داخل المسجد الأقصى.
 
ففي الأول من تموز/يوليو 2025، عقد مستوطنان قرانهما قرب السور الشرقي داخل المسجد، وتلقيا التهاني من المشاركين في الاقتحام.
 
وبعد أيام، في السابع من الشهر ذاته، احتفل مستوطنان بزفافهما برفقة عشرات المقتحمين في الساحات الشرقية، وسط رقص وغناء وحماية من شرطة الاحتلال.
 
وفي 11 كانون الثاني/يناير 2026، أظهر مقطع مصور تنظيم مراسم زواج خلال اقتحام المسجد، فيما نظم مستوطنون في 22 من الشهر ذاته ما أطلقوا عليه "زفة عريس" تخللها الغناء والرقص الجماعي في المنطقة الشرقية.
 
وفي الأول من شباط/فبراير 2026، نظم المقتحمون طقساً لمباركة زفاف إحدى المستوطنات، قبل أن تتوج هذه السلسلة بإعلان الخطوبة الذي جرى في 30 تموز/يوليو الماضي.
 
ويعكس تكرار هذه الحوادث، وفق متابعين، انتقال الجماعات الاستيطانية من محاولة تثبيت "حق الصلاة" داخل المسجد إلى الادعاء بحق ممارسة مختلف الأنشطة الدينية والاجتماعية، بما يكرس مفهوم السيادة الإسرائيلية الكاملة على المكان.
 
استعراض انتخابي ورسائل سيطرة
بدوره، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة أنّ "توقيت الحادثة لا ينفصل عن الأجواء السياسية والانتخابية داخل دولة الاحتلال، إذ يشكل المسجد الأقصى ساحة مثالية لأحزاب اليمين والمتطرفين من أجل الاستعراض واستقطاب أصوات المستوطنين".
 
وقال هلسة في حديث لـ"قدس برس" إنّ "تنظيم حفلات الخطوبة والأعراس داخل المسجد يبعث برسالة إلى جمهور المستوطنين مفادها أنهم (أصحاب المكان) وأن من حقهم تجاوز الطقوس الدينية إلى ممارسة أنشطتهم الاجتماعية والمدنية داخله".
 
ويضيف أنّ "المستوطن يسعى من خلال هذه المشاهد إلى القول إنه يستطيع أن يتزوج ويخطب ويرقص ويغني، وأن يتعامل مع المسجد الأقصى باعتباره ساحة أفراح أو متنزهاً عاماً".
 
ومن شأن هذه الممارسات، وفق هلسة، أنّ "تمنح المستوطنين شعوراً متزايداً بالسيطرة، وتشجع آخرين على إقامة مناسبات مشابهة داخل المسجد، لما يحمله المكان من رمزية دينية وسياسية كبيرة".
 
ويحذر هلسة من أنّ "الاحتلال يعمل كذلك على "تطويع" الوعي العربي والإسلامي، من خلال تكرار الاعتداءات حتى تصبح مشهداً اعتيادياً لا يثير ردود فعل حقيقية.
 
ويتابع: "بعد أن كانت الاقتحامات والصلوات التلمودية العلنية من المحظورات، أصبحت اليوم أمراً متكرراً، ثم انتقل المستوطنون إلى إقامة الخطوبات ومراسم الزواج، وقد تكون الخطوة التالية تنظيم حفلات زفاف كاملة أو معارض وفعاليات اجتماعية واقتصادية داخل المسجد".
 
ويرى هلسة أنّ "الهدف النهائي هو تهيئة الوعي العربي والدولي لتقبل مشروع التقسيم المكاني، عبر الادعاء بأن للمستوطنين مكاناً ثابتاً داخل المسجد لممارسة طقوسهم واحتفالاتهم، ثم المطالبة لاحقاً بتخصيص جزء من الأقصى لهم بصورة دائمة".
 
الزواج بوصفه أداة استيطانية
من جهته، يؤكد الكاتب والباحث المقدسي مازن الجعبري، في حديثه لـ"قدس برس"، أنّ "إعلان الخطوبة داخل المسجد الأقصى يمثل مشهداً استفزازياً يعكس تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات الإسلامية".
 
ويرى الجعبري أنّ "اختيار المسجد الأقصى لإقامة مناسبة شخصية لا يمكن فصله عن موجة الاقتحامات المتزايدة، ولا عن دعوات اليمين المتطرف إلى تغيير الوضع التاريخي القائم في المسجد".
 
ويشير إلى أنّ "الأقصى، بوصفه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، يمثل رمزاً للسيادة والهوية الدينية والوطنية للفلسطينيين وللأمة الإسلامية، ولذلك فإن تحويل ساحاته إلى مكان للمناسبات الخاصة بالمستوطنين يُعد محاولة لتجريده من هويته العربية والإسلامية وإحلال رواية تلمودية مكانها".
 
ويضيف الجعبري أنّ "الخطوبة أو الزواج في الأقصى يتجاوزان الجانب الشخصي، ليتحولا إلى أداة سياسية واستيطانية تهدف إلى خلق حقائق جديدة على الأرض، بالتوازي مع سياسات الاستيطان وتهجير الفلسطينيين وفرض السيطرة على مقدسات القدس".
 
ويؤكد أنّ "جوهر هذه الممارسات يتمثل في تحويل المقدس الديني إلى ميدان لصراع السيادة والهوية، وتوظيف المناسبات الاجتماعية لتعزيز رواية الاحتلال وطمس المعالم الإسلامية والفلسطينية في المدينة".
 
وبينما تتكرر مشاهد الاقتحامات والصلوات والاحتفالات الاستيطانية، يحذر مراقبون من أن الصمت على هذه الانتهاكات سيمنح الجماعات المتطرفة فرصة للانتقال من فرض الطقوس إلى فرض السيادة، ومن إعلان الخطوبة في ساحات الأقصى إلى المطالبة بجزء ثابت منه، في إطار مشروع يستهدف تغيير هوية المسجد وفتح الطريق أمام تقسيمه زمانياً ومكانياً.
 
قدس برس